 |
|
الكبيسي |
لابد
أن أقدم فأقول أن ما أكتبه ليس سوى طرف
من مسامرات وحكاوي جمعتني بهذا الرجل،
وربما ساعدت في فك شفرة الغموض الذي
اكتنف مواقف الرجل وآراءه التي ملأت
الدنيا وشغلت الناس.
وإذا
وصفت الشيخ أحمد الكبيسي فإنه طويل
القامة خفيف الظل مبتسم ضاحك معظم
الوقت، صموت إذا لزم الصمت، متكلم لبق
ومحدث مفوه حين يحين وقت الكلام، تحب
النظر إليه وإلى لحيته البيضاء وتحب
أكثر الاستماع لحديثه الشجي ومسامراته
الممتعة ومساجلاته القوية واجتهاداته
الجديدة والمبتكرة القادرة دوما على
إثارة دهشة متابعيه.
هذا
هو الشيخ الكبيسي ابن الأنبار الأزهري
عاشق القاهرة وقاطن بغداد ومحاضر دبي،
وهو عراقي الجنسية عربي اللسان عالمي
الانتماء، وفي هذه الكلمات العينية
الثلاث يمكن أن نجمل الرأي في هذا الرجل.
هو
عراقي، يفيض بالشعر وبالقدرة على
المحاورة وبالعلم، فقد ولد بالكبيسة في
العراق عام 1934 وهي قرية من قرى الأنبار
تعد آخر قرى العراق قبل بادية الشام، ثم
انتقل إلى الفلوجة بالعراق لتلقي
تعليمه الابتدائي والثانوي ثم رحل لمصر
ليكمل تعليمه العالي بالأزهر الشريف
الذي حصل منه بعد ذلك على الدكتوراه عام
1970 .
وهو
عربي، فقد عشق اللغة العربية منذ الصغر
وحفظ القرآن وهو في العاشرة وقرأ أمهات
كتب اللغة من ألفية ابن مالك إلى شرح
السيوطي إلى المغني
في صباه الباكر. وهو يقضي معظم وقت
دراسته في قراءة القرآن وتدبر معانيه،
والكثير من اجتهاداته الفقهية مبنية
على التفسير اللغوي للقرآن متأسيًا في
ذلك بالعلامة الراحل الشيخ محمد متولي
الشعرواي والذي يقدره الكبيسي كثيرًا.
وقد
تولى الكبيسي عددا من المناصب العلمية
في كثير من الجامعات والأكاديميات
الإسلامية منها رئاسة قسم الشريعة في
كلية الحقوق بجامعة بغداد، وقسم
الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية
ببغداد، وقسم الدراسات الإسلامية في
جامعة الإمارات (وهو أحد مؤسسيها)، كما
اختير عضوا بالمجلس الأعلى في الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة.
وللشيخ
الكبيسي ما يقارب الثلاثين إصدارًا من
مؤلفات وأبحاث منشورة في شتى المجالات
من أهمها: المرأة والسياسة في صدر
الإسلام، وفلسفة نظام الأسرة في
الإسلام، والأحوال الشخصية في الفقه
والقضاء والقانون ( جزآن)، وأحكام جناية
السرقة في الفقه والقانون، والفقه
الجنائي الإسلامي، وأحسن القصص في
القرآن الكريم، والقضاء في الإسلام،
وفي رحاب القرآن، والغبن والتغرير في
عقد البيع، والتركة: تكوينها ومدى تعلق
الحقوق بها.
وهو
عالمي الرؤية، يعرف عصره جيدًا وتنقل
بين أرجاء المعمورة فدرس في القاهرة،
ودرًس في دبي، وحاضر في عمان، ومثله مثل
الشيخ الشعراوي، يستفيد كثيرًا من ثورة
الاتصالات والمعلومات الحالية، فهو وجه
معروف لكل مشاهدي الفضائيات، وهو ضيف
دائم على برامج قنوات فضائية كثيرة مثل:
اقرأ (منبر الشباب، والمنبر الحر)، ودبي
الفضائية (أحسن القصص، تفسير القرآن)،
والجزيرة (الشريعة والحياة) وغيرها من
برامج أخري مثل:نحو فهم جديد للقرآن
الكريم، والكلمة وأخواتها،والمرأة في
القرآن،وفيها كتب قيمة، وآية تبحث عن
معنى،والنبأ العظيم، واتقوا النار..وعبر
هذه القنوات ومن خلال هذه البرامج
التقيت الشيخ الكبيسي وكان لقاؤنا
حافلا بالقصص والمسامرات والنوادر
والكثير منها مهم ومفيد ومن خلاله ربما
نستطيع أن نسبر أكثر غور هذه الشخصية
العميقة.
اللقاء
الأول..على الهواء والمقاهي!
كان
لقاؤنا الشخصي الأول في عمان عام 1998،
وكنا في ضيافة الأصدقاء د. ماهر أبو
الحمص، والأستاذ هاشم الكفاوين،
والأستاذ عماد الدين الخطيب وباقي أسرة
برنامج " منبر الشباب" ومقدمه د.
محمود الرشدان، وبرنامج "المنبر الحر"،
ومقدمه د. وليد سيف، كنا مجموعة من
الضيوف من مختلف أرجاء الوطن العربي
الكبير في ضيافة أسرة "سجى" ـ
الشركة التي تنتج البرنامجين الناجحين
ـ.وأذكر من الضيوف: خالد الحروب من
فلسطين، وصلاح الدين الجورشي ود. أحمد
النيفر من تونس، ومجموعة من الشباب
الأردني الكريم منهم
محمد عربيات وعلي كفاوين، وآخرين ربما
نستهم الذاكرة وإن لم ينسهم القلب.
كانت
المجموعة تلتقي في الصباح حول إفطار
عامر في الفندق وتبدأ المناقشات في شتى
الموضوعات: سياسية، دينية، شعر، فن،
ودائمًا كان الشيخ الكبيسي نجم هذه
المسامرات.
في
سيارة علي كفاوين التي تنقلنا إلى
الأستوديو، أدار علي شريط كاسيت، انساب
صوت ماجدة الرومي يتغنى بكلمات نزار
قباني، سألت الشيخ عن رأيه في نزار؟ قال:
نزار شاعر كبير وعظيم وشعره جميل
والمغنون يا أخي يفسدونه ولكن ليس ماجدة
ولا أم كلثوم.
أخبرني
الشيخ أنه من عشاق أم كلثوم وعبد
الوهاب، تدخل علي الكفاوين سائلا عن حكم
الغناء، فضحك الشيخ وتعجب من السؤال
ونحن نسمع ماجدة الرومي!!
الشيخ
الكبيسي يبحث دائمًا عن التيسير
والتبشير، حكى لنا ذات مرة أنه كان
يستمع لمحاضرة اكتظت بالوعيد والتهديد
والويل والثبور والترهيب، وبعد
انتهائها قال الشيخ للمحاضر: والله
ذكرتنا يا أخي بالحديث القائل: "عسروا
ولا تيسروا" فقاطعه المحاضر قائلا: لا..
الحديث يقول: "يسروا ولا تعسروا"،
فضحك الشيخ فقال: إذن يا أخي، لماذا لا
تعمل به؟!.
المعركة
مع سلطة.. الثقافة المهيمنة
وسأله
سائل في مداخلة تليفونية عندما استضافه
ماهر عبد الله في برنامج الشريعة
والحياة عن رغبته الدائمة في التيسير
واستخدامه للمنطق والرأي للتعبير عن
الدين واستنكر منطقه قائلا: "كأن هذا
الدين ما فيه تشدد وإنما كله رخص!" فرد
عليه الكبيسي: "يا أخي أنا أكفيك شر
هذا.. والله ـ إن شاء الله ـ لن أموت
وألقى الله وقد قلت في الإسلام رأيًا!!..
أنا أتحدى بكل إكرام وإعزاز وأجيب(
أستحضر) لك خمسين نصا على ما قلت.. إنما
أريد أن أقتحم هذه العقول التي أرهبت
المسلمين!!"
فالكبيسي
يريد تحدي سلطة الثقافة المهيمنة والتي
يعتقد الناس أنها مقدسة، لا تحدي سلطة
النهي في النص، وما يفعله دائمًا هو
إعادة الاحترام للنص المقدس ونزع
القداسة عن صنم الثقافة المهيمنة
وتحطيم هذا الصنم.
إنه
يريد كل واحد منا أن يقول: "هذا فهمي
للقرآن والحديث ولا أجبر أحدًا على هذا
الفهم". لا أن يقول عن رأيه: "هذا هو
القرآن والشرع ومن خالفه فهو خارج عنه".
إنه
يؤكد دائمًا أن النصوص هي الأساس
الملزم، ورأي الفقهاء من السلف الصالح
أساس أيضًا ولكنه غير ملزم؛ لأنهم
اختلفوا وفي خلافهم حياة ورحمة للبشر!!
إعادة
الاعتبار للـ"اختلاف"!
الكبيسي
يعيد للاختلاف وقبول الآخر أهميته
الأساسية كحجر زاوية في الفهم الإسلامي.
وهو يؤكد دائمًا في لقاءاته
التليفزيونية ومحاضراته العلمية
ومسامراته على المقهى مع الأصدقاء أن
"الإجماع خرافة". يرفض أن تبدأ
كلامك قائلاً: "اتفق العلماء"...
يقول:
"كيف يتفقون يا أخي، هل جمعتهم أو
سمعت رأي كل واحد منهم؟" الإجماع
مستحيل! والصواب في رأي الكبيسي أن نقول
إن رأي الثلاثة أفضل من رأي الاثنين
وهكذا، لكن دعونا دائمًا نترك مساحة
للاختلاف وقبول الآخر!!
وحين
يختلف الكبيسي يدعم رأيه بنصوص القرآن
والأحاديث الصحيحة ويبني عليها منطلقًا
منها، مجتهدًا في ضوئها. مثلا يرى
الكبيسي أن الأصل في الإسلام هو عدم
الفصل بين الرجل والمرأة، وأن فكرة
الفصل غير إسلامية، وإنما فرضت فرضًا
بفعل التاريخ والمجتمع!!
ويرى
الكبيسي أن الحجاب هو الفصل بين الرجل
والمرأة، وأن زي المرأة الذي نسميه "الحجاب"
هو "زي شرعي" مثله مثل أي زي لا يبدي
من المرأة مفاتنها ولا يظهر منها إلا
الكفين والوجه، وأن الحجاب ـ أي الساتر
الذي يفصل بين الرجل والمرأة ـ فرض على
أمهات المؤمنين فقط.
الكبيسي
يرجع رأيه دائمًا للقرآن والسنة ويؤيده
بالأحاديث والآيات البينات ويقبل
الخلاف ورؤية العلماء الآخرين بوصفها
رحمة ولكنه يطالبهم بقبول رأي الآخر
كذلك.
يرى
الكبيسي أن كبت المرأة وقهرها وضربها
باسم الدين هو "الوأد المعنوي"
الذي ظهر عند المسلمين نتيجة لعهود من
القهر والتراجع أثرت على تعامل الرجل
"المقهور" مع المرأة "المقهورة"
كذلك ويطالبنا الكبيسي بأن ننفض هذه
العهود عن أكتافنا!!
وهو
يعتمد في رؤيته لفكرة الحجاب بوصفها
الفصل بين الرجل والمرأة على التفسير
اللغوي الذي يستخدمه كثيرًا في فهم
القرآن. وهي جرأة محمودة واجتهاد مطلوب
لكن تلك صفات غير مستغربة في شيخنا
الجليل الذي سافر للقاهرة
في الخمسينيات طالبًا العلم في الأزهر
ولم يكن في جيبه- كما قال لي وسط مقاهي
عمان التي كانت تجمع صحبة المسامرات-
سوى " ثلاثة جنيهات فقط"!.
استنساخ
يأجوج ومأجوج
في
برنامج "نبوءات" الذي كان يقدمه في
قناة أبو ظبي الفضائية
صلاح الجورشي؛ قدم الكبيسي رؤية
جديدة لموضوع "الاستنساخ"
وتفسيرًا لغويًّا لقصة يأجوج ومأجوج في
القرآن.فقد بين أن ذكر يأجوج ومأجوج
جاء مرتين في القرآن، الأولى مع ذكر
السد وذي القرنين، والثانية عند الحديث
عن ظهورهم في آخر الزمان، ويرى الشيخ
الكبيسي أن ما يربط المرتين هو صفة
يأجوج ومأجوج أي الإفساد في الأرض ومن
ثم ليس بالضرورة أنهما نفس القوم.
وهو
يرى أنه ربما كان الاستنساخ هو الوسيلة
التي ستؤدي لظهور المفسدين الجدد في
الأرض آخر الزمان!! تفسير جديد ورؤية
جريئة تستحق منا التأمل والتدبر حيث يرى
معظم المفسرين أن يأجوج ومأجوج هم قوم
محددون بذاتهم؛ أي عرق مفسد في الأرض،
بينما يقدم لنا الكبيسي صوتًا
جديدًا يرى أن يأجوج ومأجوج الذين وضع
لهم السد هم قوم مفسدون في الأرض وهم من
الأمم الغابرة!! أما يأجوج ومأجوج الذين
سيأتون مستقبلا فهم -في تفسيره- قوم
مفسدون قد يظهرون نتيجة الاستنساخ.
هي
فكرة نجد مشابهًا لها في قصص الخيال
العلمي وأفلام الخيال العلمي وأيضًا
الكتابات المستقبلية للعديد من
المفكرين والفلاسفة، فكرة نجدها عند
"ألدوس هكسلي" في "عالم جديد
جميل Brave
new world"،
وجورج
"أورويل 1984" وقدمها "وودي
الآن" سينمائيا في
فيلم "النائم"!!
إنها فكرة صناعة نموذج بشري (محدد
سوي قويم) سواء كانت الصناعة تأتي عبر
البيولوجيا (الاستنساخ) أو تأتي عبر
الهندسة الاجتماعية (النظريات العرقية
المتطرفة كالنازية وغيرها). فكرة إنهاء
الاختلاف والقضاء على تدافع البشر. تلك
الفكرة الكابوسية التي يرفضها الكبيسي
ويراها "أم الكبائر". وأساس صناعة
الخوف.
مع
أمريكا..هل ناقض الشيخ نفسه؟
وفي
جرأة معروفة عنه قال الكبيسي في حديث له
كان قد أجراه معه إمام الليثي مراسل
إسلام أون لاين في بغداد: "نريد الآن
حياة مدنية، لا تسألني عن الحل الإسلامي
الآن" وقال "نعم سنتعامل مع أمريكا
الآن" كان
هذا بعد سقوط بغداد بينما كان الكبيسي
نفسه قد قال في
حوار حي معه قبل الغزو الأمريكي للعراق
إن الجهاد ضد الغزو الأمريكي فرض، وحذر
أي بلد إسلامي من الوقوف مع الغزو
قائلاً: "لا شك أن كل من يقف مع أمريكا
وإسرائيل ضد أي بلد أو شخص مسلم يعتبر
مرتدًّا من وجهة النظر الإسلامية"!!.
رأى
البعض في هذا تناقضا؛ فكيف يقبل التعامل
مع أمريكا وقد كان يعتبر التعامل معها
ردة وخروجًا عن الدين؟!!
المشكلة
فيمن يقول هذا أنه لا يرى السياق
التاريخي للرأيين، ويعتقد أن الفتوى
ثابتة على مدار الزمان والمكان؛ بينما
يري الكبيسي أن مقاومة الغزو الأمريكي
فرض عين وأن التعاون مع الأمريكان ردة
أما بعد الهزيمة ووجود أمر واقع جديد
فيتعامل الكبيسي مع هذا الواقع من منطلق
مصلحة الشعب العراقي!! وهو نفسه الذي
يقول للشعب العراقي: "تظاهروا ليعرف
الأمريكان أنكم موجودون".ذلك هو
الواقع! الأمريكان موجودون، وعلينا أن
ندخل بقوة في المعترك السياسي الآن
لنبرهن أننا موجودون.
في
الموقفين ينطلق الكبيسي من أرضية
ثابتة، هي رؤية مصلحة الشعب العراقي
وقراءة الواقع في ضوء الشرع، ومن ثم يصل
إلى رأيين يتميزان في كل الأحوال
بالجرأة والمغايرة.
نقبل
أيهما أو نختلف معه!! تلك ليست هي القضية!
عند
الكبيسي القضية دائمًا هي أن "الاختلاف
أساس" وأن "القبول أساس" ..
الاختلاف أساس الرأي، والقبول أساس
العلاقات الإنسانية. ولا تعارض!!
رجل
في كلمات
الخروج
على سلطان الثقافة المهيمنة، قبول
الآخر والاختلاف كأساس شرعي ورحمة
للبشر، الجرأة في الحق حتى لو صادم
المألوف والمستقر، التأصيل اللغوي،
التعامل المفتوح مع التطور العلمي
والتاريخي، الرغبة في التيسير والتسامح
تلك هي صفات الشيخ أحمد الكبيسي كما
عرفناها عن قرب في مسامراتنا معه على
مقاهي عمان التي ما زلنا نحتفظ منها
بأفكار جديدة وذكرى جميلة وبقصيدة
ساخرة أودعها أبيات وداع ومحبة وقفشات
مداعبة !!.
اقرأ
أيضًا:
|