 |
|
مائة عام على مولد جورج أورويل |
25
عاما مضت منذ أن عرفت جورج أورويل من
خلال الترجمة التي قدمها عبد الحميد
الكاتب رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
المصرية عام 1978 لروايته "مزرعة
الحيوانات" ضمن سلسلة كتاب اليوم،
وقد كانت من أكثر الروايات التي حُفرت
في ذاكرتي، حتى إنني بعد 12 عاما،
وبالتحديد عام 1990، أمسكت بالقلم وكتبت
عدة صفحات في مقال حاولت فيه أن أسحب
ظلال الرواية على الواقع السياسي من
خلال تخيل فصل جديد لم يكتبه أورويل حول
انتخابات تُجرى في "مزرعة الحيوانات"،
لكن إحباطات ذلك الواقع جعلتني لا أكمل
المقال، ومن ثم لم ير النور.
واليوم،
وفي ذكرى مرور 100 عام على مولد أورويل
التي وافقت يوم 25 يونيه الماضي وجدت
الفرصة سانحة مرة أخرى لأكتب عنه وعن
أعماله.
أورويل
يحفر مسارا خاصا لحياته
جورج
أورويل George Orwell هو الاسم المستعار
للكاتب والروائي البريطاني "إريك
آرثر بلير" الذي ولد عام 1903 في قرية
مونتهاري بولاية البنجاب الهندية لأسرة
متوسطة الحال، حيث كان أبوه ريتشارد
يعمل موظفا صغيرا في الإدارة المدنية
البريطانية بالهند، أما أمه "إيدا
مابل" فكانت ابنة تاجر أخشاب فرنسي
بسيط في بورما. وفي عام 1911 عندما بلغ
إريك الثامنة عادت أسرته إلى بريطانيا
لتقيم في هنلي، بينما واصل الأب عمله في
الهند حتى اعتزل الخدمة عام 1912.
أما
إريك فقد أرسلته أسرته إلى مدرسة
إعدادية خاصة في سوسكس Sussex وعندما بلغ
الثالثة عشرة حصل على منحة للدراسة في
ولنجتون ثم ما لبث أن حصل على منحة أخرى
للدراسة في مدرسة إتون العامة الشهيرة.
ورغم
نجاحه بتفوق في الامتحان النهائي
بالمدرسة فإنه لم يرغب في الحصول على
منحة للدراسة الجامعية، بالرغم من أن
أقرانه غالبا ما كانوا يتجهون للدراسة
في إحدى الجامعتين العريقتين أكسفورد
أو كمبريدج.
وعلى
الرغم أيضا من ولعه بالأدب وحلمه منذ
كان ابن 5 أو 6 سنوات بأن يكون كاتبا،
فإنه قرر الانخراط في حياة مليئة
بالمغامرة؛ فقرر السفر عام 1922 للعمل في
الشرطة الاستعمارية الهندية، ومن ثم
ذهب لتلقي تدريبا على عمله في بورما، ثم
ظل يخدم حيث تدرب إلى أن استقال بعد 5
أعوام، ربما اكتفاء بسنين المغامرة تلك
وعودة إلى مسار الكتابة الذي طالما حلم
به، أو ربما لإحساسه أنه يدعم بعمله هذا
نظاما لم يعد يؤمن به، وكما عبر هو فيما
بعد في تقريره "الطريق إلى ويجان بيير"
المنشور عام 1937: "أردت أن أهرب من كل
أشكال هيمنة الإنسان على الإنسان،
والبناء الاجتماعي السائد في ظل
الإدارة الاستعمارية في بورما كان
أساسه الهيمنة على الآخرين.. ليس فقط
البورميين بل أيضا الإنجليز من الطبقة
العاملة".
الهيمنة..
من الفرار إلى المواجهة
 |
|
جورج أورويل يعمل بيديه |
لدى
عودته إلى لندن، مكث إريك عاما كاملا
يتحسس أولى خطواته مع الكتابة. وفي ربيع
عام 1928 قرر أن يعيش الحياة نفسها التي
يحياها الفقراء حتى يتخلص من عقدة
النفور الموروثة لدى أبناء الطبقة
الوسطى التي ينتمي إليها من الفقراء،
فانتقل للعيش في أحياء لندن الفقيرة، ثم
سافر إلى باريس حيث عاش في أحد أحياء
العمال، وعمل في غَسْل الأطباق. وبين
لندن وباريس قضى أكثر من عام يشاهد ما
يتعرض له الفقراء من ظلم في بلدانهم لا
يختلف عن الظلم الذي يتعرض له البورميون
في وطنهم المحتل.
وفي
ديسمبر عام 1929 شرع إريك في كتابة أول
كتبه، وكان تقريرا عن تلك الفترات التي
عاشها في كل من لندن وباريس بين
الفقراء، لكن التقرير لم ير النور إلا
عام 1933 وجاء بعنوان "Down
And Out In Paris And London"، واختار إريك أن
ينشره باسم مستعار هو جورج أورويل (أورويل:
اسم لنهر في المنطقة التي ولد فيها)،
مبررا ذلك بأنه يريد التخلص من إريك
بلير "الطالب القديم في إتون، ورجل
الشرطة الاستعماري الإنجليزي ليصبح
جورج أورويل اللاطبقي، والمُعادي
للسلطة والتسلط بكافة أشكاله
Anti-authoritarian"، ووجه أورويل كتابه ذلك
إلى أعضاء الطبقة الوسطى التي ينتمي
إليها ليروا كيف أن حياتهم التي
يستمتعون بها إنما وجدت بفضل ما يعانيه
أناس آخرون، واعتبر أن مهمته إنما هي
كشف الحقائق المؤلمة التي لا يريد الناس
رؤيتها لأسباب متباينة، معتبرا أنه
يمثل في ذلك الضمير الأخلاقي للإنجليز.
واستمرارا على نفس النهج نشر أورويل
كتابه الثاني "أيام بورمية Burmese
Days" الذي يتناول فيه خبراته في فترة
الخدمة الاستعمارية في بورما.
الاشتراكية
بين الشعارات والحقائق
وربما
فشل كتاب أورويل الأول جماهيريا، ولكنه
فتح له الطريق لاحتراف الكتابة. ففي عام
1935 بدأ مسيرته الأدبية برواية "ابنة
كليرجيمان A
Clergyman's Daughter" التي أتبعها برواية
أخرى عام 1936 بعنوان "دع الزنبقة تطير Keep
The Aspidistra Flying".
وكانت
المفارقة أنه فتح في العام نفسه دكانا
قرويا صغيرا في والنجتون! فكان يقضي
النهار في البيع والليل في الكتابة وفيه
تزوج للمرة الأولى. وهو العام نفسه الذي
تلقى فيه تفويضا من نادي الكتاب اليساري
Left
Book Club لفحص أحوال الفقراء
والعاطلين عن العمل، فتوجه إلى شمال
إنجلترا لفحص أحوال مجتمعات التعدين
وعمال المناجم وأعد تقريرا نشر في مارس
عام 1937 بعنوان "الطريق إلى ويجان بيير
The
Road to Wigan Pier" انتقد فيه كلا من
النظام الطبقي الإنجليزي والاشتراكية
الإنجليزية التي اتهمها بأنها غير
واقعية وأن معظم المؤمنين بها يميلون
للانتماء إلى الطبقة الوسطى، وسخر فيه
من أولئك الذين يتشدقون بعبارات مثل
التماسك البروليتاري، وأولئك الذين
يحقرون من شأن الناس البسطاء الكرماء
الذين يرى أورويل أنهم الأجدر بأن يتوجه
إليهم بكتاباته، لكن تلك الآراء لم ترق
للقائمين على النادي، وهو ما دفعهم
لكتابة مقدمة تتضمن ملاحظاتهم النقدية
على آراء أورويل.
الحرب
الأسبانية وكشف الأقنعة
وفي
نهاية العام نفسه (1936) توجه أورويل إلى
أسبانيا التي كانت تشهد حربا أهلية ذات
طابع أيديولوجي، أطرافها هم الشيوعيون
والاشتراكيون الجمهوريون من ناحية،
والمتمردون التابعون للجنرال الفاشي
فرانكو من ناحية أخرى. كانت نية أورويل
أن يعمل مراسلا صحفيا من هناك، لكنه حين
وصل برشلونة أُخذ بالجو السائد فيها
الذي بدا مبهِرا بالنسبة له، فما كان
مستحيلا في بريطانيا صار واقعا معاشا في
أسبانيا، حياة ذابت فيها الفوارق بين
الطبقات، إذ كانت الحياة يشوبها نقص في
كل شيء إلا أنها كانت تتسم بالمساواة.
لذلك
فقد التحق أورويل بالميليشيات المحاربة
للفاشية، ولأول مرة في حياته بدت
الاشتراكية كواقع معاش كان على استعداد
لأن يقاتل من أجله. وبعد تلقيه التدريب
العسكري الأساسي أرسل إلى الجبهة في
أراجون بالقرب من سرجوسة، حيث قضى شهرين
كئيبين جرح خلالهما في حلقه، لكنه قضى
ثلاثة أشهر أخرى بعد ذلك. ثم عاد بعد ذلك
إلى برشلونة ليجدها مدينة أخرى، مدينة
خلعت حلة المجتمع المنشود - غير المعتاد
- لدى أورويل وارتدت ثوبها العادي،
وفوجئ بأن الميليشيا التي التحق بها
يقاتل الشيوعيون فيها الاشتراكيين، وأن
الشيوعيبن متهمون بمساعدة فرانكو سرا!
وكثيرا ما اضطر أورويل لأن ينام في
العراء خوفا على حياته، إلى أن استطاع
أن يهرب بزوجته إلى فرنسا.
وقد
دون أورويل خبراته التي عاشها في الحرب
الأسبانية في كتاب أصدره عام 1938 بعنوان
"تقديرا لكاتالونيا Homage
to Catalonia" وقد تركت تلك الخبرات
انطباعين أساسيين عليه:
·
الأول: أن الاشتراكية بدت وكأنها احتمال
بشري قابل للتطبيق ولو لفترة محدودة،
وأن كلمة "الرفيق" يمكن أن تكون
حقيقة بدلا من أن تكون كلمة جوفاء.
·
الثاني: أن الواقع الطبقي رغم ذلك بدا
كحقيقة دائمة ترتبط بطبيعة بشرية تميل
إلى العنف والصراع والسيطرة على
الآخرين.
الرحلة
تصل إلى نهايتها
وفي
عام 1938 أصيب أورويل بالسل وسافر لقضاء
بعض الوقت في المغرب، وهناك ألف روايته
الثالثة "الخروج إلى المتنفس Coming
up for Air" التي نشرت عام 1939، العام
الذي بدأت فيه الحرب بين ألمانيا
النازية وبريطانيا والتي أراد أورويل
أن يشارك فيها لكنه رفض بسبب حالته
الصحية. وفي عام 1941 التحق بالقسم الهندي
بهيئة الإذاعة البريطانية BBC، وفي عام
1943 ترك الخدمة بالإذاعة ليعمل محررا
أدبيا بصحيفة تريبيون Tribune، وبدأ في
كتابة روايته الأكثر شهرة "مزرعة
الحيوانات Animal
Farm". وفي عام 1944 تبنى أورويل
طفلا، وتوفيت زوجته عام 1945. وفي نفس ذلك
العام وقرب نهاية الحرب العالمية سافر
إلى أوروبا للعمل كمراسل، لكنه عاد في
نهاية العام ليستقر في جزيرة جورا قرب
السواحل الأسكتلندية. وفي الجزيرة ألف
روايته الأخيرة "1984"
عام 1946، ثم تزوج للمرة الثانية في نهاية
ذلك العام... ولم يعمر أورويل طويلا
بعدها إذ أدى مناخ الجزيرة غير الملائم
إلى ازدياد حالته الصحية سوءا؛ فتوفي في
يناير عام 1950 متأثرا بمضاعفات مرض السل.
الكتابة
السياسية عندما تصبح فنا
استطاع
أورويل، خاصة في روايتيه الأخيرتين، أن
يحيل الكتابة السياسية إلى فن كما أراد
وعبر في مقاله ""لماذا
أكتب؟". وإذا كان أورويل يشتهر في
بلاده بمجمل أعماله، فإنه يشتهر خارجها
بهاتين الروايتين بصفة خاصة.
ويجمع
بين هاتين الروايتين أنهما من أنواع
الكتابة الرمزية السياسية، التي يدور
محورها الأساسي حول "الاستبداد
السياسي" الذي يستخدم أداتين
أساسيتين لتحقيق أغراضه: الإعلام الذي
يروج للشعارات البراقة الكاذبة، مع
الإرهاب والقمع البوليسي.
ففي
"مزرعة الحيوانات" يبني أورويل
عالما متخيلا من الحيوانات يسرد فيه
تاريخ الثورة البلشفية، وكيف انتهى بها
الحال في إطار الإرهاب الستاليني، وقد
ترجمت تلك الرواية مرتين إلى اللغة
العربية - فيما أعلم.
أما
رواية "1984" فتدور في إطار تخيلي
أيضا ولكنه مستقبلي، يماثل فيه أورويل
بين كافة أشكال الأنظمة الاستبدادية،
سواء الشيوعية أو النازية والفاشية
وبين عالمه المتخيل، ذلك القائم على
نظام الحزب الواحد الذي يتحكم في حياة
الناس وضمائرهم.
وإذا
كان البعض يرى في أورويل اشتراكيا
تروتسكيا، أو فوضويا، أو متمردا
ومنقلبا على الشيوعية، فإنني لا أراه
إلا إنسانا يبحث عن حقيقة الأشياء لا عن
أسمائها، إنسانا ظلت تصدمه الأكاذيب
التي تحيط بالأيديولوجيات في إطار بحثه
عما يحقق الحرية والمساواة والعدالة
للناس جميعا، بخاصة أولئك الفقراء
البسطاء الذين تزدريهم الأعين. إنسانا
انقسمت حياته بين رحلات للغوص في أعماق
التجارب هنا وهناك، يعقبها خلوات لتأمل
ما اكتشفه في تلك الرحلات والكتابة
عنها، وهكذا إلى أن عاجله الموت بمرض من
أمراض الفقراء في زمانه.
انظر:
اقرأ
أيضًا:
المصادر:
**
رئيس
القسم الثقافي والعلمي- إسلام أون لاين.نت
|