|
ظل معهد البحوث والدراسات العربية منذ نشأته في 1952 وخلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نجمًا ساطعًا في سماء الثقافة العربية فكانت بداياته مدوية، وكان من المعاهد التي قامت بتعميق فكرة القومية العربية، وكان المعهد يهدف إلى تأسيس طليعة من الباحثين الذين يؤمنون بفكرة القومية العربية وينشرون الوعي بها في بلدانهم، وتنمية الاعتزاز بالذات القومية في مواجهة التحديات التي عانت منها الأمة العربية آنذاك.
وللمعهد أيادٍ بيضاء على الثقافة العربية، يكفي أن نعرف أن عددًا كبيرًا من الكتب التي شكلت نقلات هامة في الثقافة العربية كانت من إصدارات المعهد وثمرة جهود باحثيه الشبان، ومنها على سبيل المثال أول كتاب باللغة العربية عن تأصيل فن القصة القصيرة بمفهومها العلمي المعاصر.
ومع تراجع فكرة القومية العربية –وهي الفكرة الأم للمعهد- منذ سبعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا، فلا شك أن ذلك أدى إلى تراجع دور المعهد كثيرا مما كان عليه في فترة الخمسينيات والستينيات رغم المحاولات الحثيثة والجادة التى تبذل في هذا المضمار.
مع البدايات
 |
|
مبنى
المنظمة العربية للتربية والثقافة |
أنشئ معهد البحوث والدراسات العربية بقرار من مجلس جامعة الدول العربية في 23-9-1952م، وبدأ العمل الفعلي فيه أول نوفمبر 1953م، وبقيام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1970م، كإحدى المنظمات المتخصصة في نطاق جامعة الدول العربية، تم نقل المعهد للمنظمة -مع غيره من الأجهزة الثقافية بالجامعة- بناء على قرار من الأمين العام للجامعة في سبتمبر 1970م، وقد قبلت عضوية المعهد في اتحاد الجامعات العربية اعتبارا من عام 1994م.
تنقل المعهد جغرافيا بين القاهرة وبغداد، فقد بدأ في القاهرة حتى عام 1981 إلى أن استضافته بغداد حتى 1989، بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد وتجميد عضويتها من جامعة الدول العربية، ليعود مجددا إلى القاهرة عام 1990.
أعلام ورواد
ومنذ نشأة المعهد وحتى هذه اللحظة شغل منصب مدير المعهد اثنا عشر مديرا، على رأسهم المفكر القومي الكبير الأستاذ ساطع الحصري، وهو أول مدير للمعهد وصاحب فكرة إنشائه والملقب "أبو القومية العربية"، وإلى اليوم فإن أكبر مدرجات المعهد يحمل اسمه، ومنهم الأستاذ الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، كما تولى التدريس به عدد من الأعلام الكبار منهم القانوني عبد الرزاق السنهوري، والمؤرخ شفيق غربال، والناقد الأدبي إسحق موسى الحسيني، وكذلك الأمير مصطفى الشهابي، والشيخ أمين الخولي، وكذلك د. محمد مندور، والناقد د.عبد القادر القط، ود. ناصر الدين الأسد، وجميل صليبا، وسامي الكيالي.
أهداف المعهد
يهدف معهد البحوث والدراسات العربية إلى تكوين جيل من الأكاديميين في تخصص الدراسات العربية، استنادا إلى منهج يجمع بين الإعداد العلمي الدقيق والتوجه القومي، بما يمكن خريجي المعهد من العمل بكفاءة في المؤسسات الأكاديمية وغيرها من المؤسسات ذات الصلة في دولهم العربية، وهناك العديد ممن تخرجوا من المعهد من الطلاب العرب الذين يحتلون مناصب قيادية في بلدانهم العربية.
كما يهتم بالدراسة العلمية لأهم القضايا المتصلة بتخصصات المعهد، بما يوفر قاعدة بيانات سليمة وكاملة بشأنها، وتقديم التحليلات الموضوعية لها، واستشراف مستقبلها، والعمل على نشر هذه الدراسات على أوسع نطاق ممكن، ومن ضمن أهدافه المساهمة في تعزيز تواصل الثقافة العربية مع الثقافات الأخرى بإتاحة فرصة الدراسة بالمعهد لغير العرب ممن يتقنون العربية.
من أهداف المعهد أيضا التي أنشئ من أجلها طرح القضايا العربية الملحة للحوار العام بمشاركة أبرز المتخصصين والمهتمين، والتعاون مع المؤسسات العربية المشابهة لتحقيق الأهداف المشتركة.
أنشطة وإصدارات ومنتدى الفكر
يشرف المعهد على العديد من الأنشطة البحثية مثل طبع المحاضرات التي تلقى بالمعهد ونشرها، وطبع الكتب والدراسات التي تغطي كافة مجالات الدراسات الإنسانية، وقد نشر المعهد في هذا الإطار حتى الآن ما يقرب من سبعمائة كتاب.
كما نشر المعهد منذ عام 1969 دوريته العلمية السنوية المحكمة مجلة البحوث والدراسات العربية والتي يسهم فيها باحثون من مختلف أنحاء الوطن العربي، كما قرر المعهد مؤخرا إصدار سلسلة الدراسات الخاصة وهي تصدر تباعًا في كتيبات، تتناول بحث القضايا والمشكلات التي تفرض نفسها على الساحة العربية من وقت لآخر وتناولها علميًّا وتحليليًّا، وكذلك ملخصات مكثفة لبعض الرسائل العلمية التي تجيزها الجامعات العربية ليفيد منها جمهرة المثقفين العرب، وقد صدر من هذه السلسلة حتى الآن ما يزيد عن سبعين دراسة.
ومن أحدث إصدارات المعهد كذلك سلسلة نصف سنوية بعنوان دراسات إستراتيجية ومستقبلية تنشر دراسات متوسطة الحجم في أهم القضايا ذات الطابع الإستراتيجي والمستقبلي المرتبطة بالوطن العربي، وقد صدر منها حتى الآن ثمانية أعداد.
ينظم المعهد منتدى فكريًّا يتناول أهم القضايا المثارة على الساحة العلمية بالنقاش العلمي، ويشارك فيه متخصصون في مختلف العلوم الاجتماعية، كما تنشر أعماله في إصدار مستقل، وكانت آخر أعمال هذا المنتدى ندوة بعنوان انعكاسات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على الوطن العربي تناولت الانعكاسات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية كافة.
أنشطة طلابية ومكتبة ثرية
لا يقصر المعهد دوره على العمل البحثي فحسب بل يعتبر تواجد هذا العدد الكبير من الطلاب العرب على اختلاف جنسياتهم فرصة نادرة لتلاقي الأفكار وتبادل الآراء، والمعهد زاخر بأنشطة جماعية تساعد على تعزيز التفاعل بين طلابه بما يجعلهم طرفًا مشاركًا في أحداث الأمة العربية بالحوار والمناقشة والتعليق من رحلات أو ندوات أدبية أو ما شابه، ومن أبرز تلك الأنشطة ما شهده عام 2002 من تنظيم يوم للانتفاضة الفلسطينية شملت فعالياته معرضًا للصور، وعرضًا للفيديو، وقصائد شعرية.
كما تعتبر مكتبة معهد البحوث والدراسات العربية من أكبر المكتبات المتخصصة في شئون الوطن العربي وقضاياه، وتكتسب المكتبة أهميتها من بعدين؛ الأول أنها لا تقصر خدماتها على طلبة المعهد وباحثيه وأعضاء هيئة التدريس به، بل تمتد لتشمل طلاب الجامعات العربية الأخرى، وموظفي الجامعة العربية والمنظمات التابعة لها، وأعضاء البعثات الدبلوماسية بالقاهرة.
البعد الثاني أن المكتبة تضم حوالي 64000 كتاب ومرجع باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، كما تضم ما يقرب من 1200 عنوان لرسائل الماجستير والدكتوراة، وتقتني المكتبة 620 عنوانًا للدوريات العربية المتخصصة تحتوي على ما يقرب من 50000 عدد، وهناك 580 عنوانًا للدوريات الأجنبية المتخصصة، تضم ما يقرب من 20000 عدد.
البرنامج العلمي للمعهد
يمنح المعهد شهادة الدبلوم العالي (سنتين) ودرجتي الماجستير والدكتوراة، وتوجد حاليا بالمعهد عشرة أقسام رئيسية هي:
قسم الدراسات الجغرافية/ التاريخية/ القانونية/ الاقتصادية/الأدبية/الإعلامية/الاجتماعية/ السياسية/ التربوية/تحقيق التراث.
يُذكر أن قسمي الدراسات التربوية وتحقيق التراث أقسام حديثة عمرها أقل من عام، ومن الأقسام الحديثة كذلك قسم الإعلام الذي أنشئ عام 1998، في حين تم إلغاء قسم الدراسات الفلسطينية منذ عودة المعهد إلى القاهرة أوائل التسعينيات.
ويبقى السؤال
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا يأخذ المعهد مكانًا مرموقًا في الحركة الثقافية خاصة أنه يحمل ميزة كبرى قلما تتوافر في المؤسسات الثقافية الأخرى وهي البعد العربي المتجذر فيه؟
إن المقارنة المبدئية بين خريجي المعهد في فترة ازدهاره والآن نجد أن كثيرا من قادة الفكر في وطننا العربي قد تخرجوا فيه، أما الآن فمنذ سنوات ولم يبرز أحد خريجيه بما يدفع طلبة المعهد إلى الثقة بالذات، كما شهدت السنوات الأخيرة انكماشًا في حجم الدعم الذي يناله المعهد من جامعة الدول العربية، هل يعكس انكماش دور المعهد وتقلص الاهتمام به الحالة الرديئة التى تحياها الأمة العربية وجامعتها والتي انعكست بدورها على المعهد وطلابه وأساتذته.
يحتاج المعهد كذلك ضمن ما يحتاج إلى اهتمام إعلامي للتعريف بنتاجه العلمي ومواسمه الثقافية، ومطبوعاته حتى يقبل عليه عشاق الثقافة والفكر.
اقرأ
أيضا:
*
باحث فلسطيني
|