|
إن
إنساننا في الوقت الحاضر، إن كان يريد
أن يجاهد في سبيل الله حق جهـاده وبما
يرضيه –وهذا ما يجب عليه– عليه أن
يراقب نفسه مراقبة جادة ويحاسب
رغباته حسابًا عسيرًا، في الوقت الذي
يزاول نشر الحق وتبليغ الحقيقة
للآخرين. وإلا فهناك احتمال قوي أن
يخادع نفسه، وعند ذلك لا ينتفع بعمله
ولا ينتفع به غيره.
المجاهد
يحمل من الإخلاص ما يجعله يختار الله
على كل ما سواه، فهو إنسان خالص مخلص،
ذو قلب حي.. وبذلك يكون الجهاد مثمرا
وباقيا. فهو بدلا من أن يملأ عقول
الآخرين بأكوام من الغث والسمين من
المعلومات، عليه أن يقر في قلوبهم
وعقولهم الإخلاص وحسن النية وروح
المحاسبة الداخلية والشعور بأن
يكونوا رجال القلب.
نعم
الجهاد موازنة بين فتح الداخل
والخارج. ففيه بلوغ الكمال ودفع
الآخرين إليه. فبلوغ الإنسان هذا جهاد
أكبر ودفعه الآخرين إلى الكمال جهاد
أصغر. فإذا ما افترق أحدهما عن الآخر
ينتفي معنى الجهاد عن عمله. فيتولد من
أحدهما الذل والمسكنة ومن الآخر
العنف والإرهاب. ونحن ننتظر ولادة روح
محمدية، وهذا لا يمكن إلا باتباع
الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا
الأمر كما في كل أمر.
فما
أسعد أولئك الذين يبحثون عن وسائل
لإنقاذ غيرهم مثلما يبحثون عنها
لإنقاذ أنفسهم. وما أسعد الذين لا
ينسون أنفسهم في خضم العمل لإنقاذ
غيرهم.
الجهاد
ماض إلى يوم القيامة؛ لأنه مهما بذلنا
من جهد في سبيل إنقاذ الإنسانية فلا
بد أن يظل هناك كفار يصرون على كفرهم.
وهذا يعني استمرار الجهاد؛ إذ نحن
مكلفون بتعريف ربنا الجليل إلى الناس
كافة. فإن اعترض أحد سبيلنا في
التبليغ، وأراد أن يصرفنا عن مهمتنا
وهي مهمة خالصة نقية حملناها فلا مفر
من اللجوء إلى الجهاد المادي. نحن
مضطرون إلى الانتصار والظهور في كلا
الجهادين المادي والمعنوي؛ إذ بخلافه
نفقد حق الحياة ومتطلباتها كإنسان.
فلقد ضحى أجدادنا في فترة من الزمن
بحياتهم لأجل هذا، إذًا لما أراد "الصليب"
أن يعترض هذا المفهوم الإنساني الذي
يحملونه، وجدوا إزالة المانع في
إعداد القوة. وهذا هو معنى الحروب
التي خاضها أجدادنا وهذا هو مغزاها.
وحاشا
أن تكون لهم غاية سوى التبليغ، وحاشا
أن يكون الدافع عندهم حب الاستيلاء
والسيطرة على الأماكن، بل كانوا عشاق
"إعلاء كلمة الله" وما كان يهمهم
شيء إلا إبلاغ حقيقة "لا إله إلا
الله" إلى أرجاء الأرض كافة، حتى لا
تبقى عليها نقطة مظلمة لم تتنور بنور
الإيمان. فكأنهم كانوا مؤذني أزمانهم
على مآذن رافعين صوتهم بالأذان
معلنين الإيمان إلى أرجاء الأرض كافة.
نعم إن كلمة "لا إله إلا الله" هي
التي رنت في الآفاق من مآذن هذه الأمة
بلسان الجيش وقرقعة الأسلحة، فلم يك
فينا يوما حب الاستيلاء والسيطرة على
الأقوام. فالأذان الذي رفعه السلطان
محمد الفاتح وأمثاله من مآذن الدول
العثمانية قد بلغت أصداؤه أقصى
الظلمات في العالم فنورها بـ "لا
إله إلا الله" حتى إننا نشاهد من
لبى هذا النداء وشهد هذا الأذان
الرفيع في ميدان واسع يمتد من غابات
بلغراد إلى سفوح هملايا، بل نسمع صداه
حتى في أمواج المحيطات المتلاطمة.
نعم،
الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، لأجل
إنارة كل زاوية مظلمة، وحمل نور اسم
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى كل
بقعة، وإضاءة كل ناحية في العالم بنور
القرآن المبين، والمؤمنون سيمضون
بالجهاد المادي أيضًا ليحققوا دوره
في إقامة التوازن بين الأمم والدول
ليحظوا باسم "الأمة الوسط".
ونحن
كأمة مكلفون بإبراز هذا الموقع
الرفيع.. وهدفنا هو هذا لا غير؛ لأن
الله سبحانه وتعالى يقول: "وكذلك
جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدا على
الناس" (البقرة: 143).
هذا
يعني: أننا جعلناكم وسطا لما يحدث بين
الدول، وعنصر توازن بين الأمم
وشاهدًا للاستقامة.. فهو سبحانه
يدعونا لنرتقي قمة هملايا ونبلغ ذروة
"حراء" لنشارك مشاركة شعورية بما
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-
يستشعر به، فيدعونا إلى التكامل
بذاتنا وفطرتنا الموهوبة لنا. ونحن
بدورنا إما أن نعقد العزم ونجدده
لنرتقي تلك القمة، أو نتقاعس راضين
بما نحن فيه فنتردى إلى أسفل سافلين
وننسحق تحت الأقدام.
|