بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

ثقافية وفنية


توم كلانسي.. يصنع للأمريكان طواحين الهواء 

6/10/2001

أحمد عبيد - مصر

لم تكن قد مرَّت ساعات قليلة على التفجيرات الأمريكية وفي ذروة تلهُّف المشاهدين لحديث مسؤول أو أحد رجال المخابرات أو الأمن، فاجأتنا قناة الـ"سي.إن.إن" بشخص تعرِّفه للمشاهدين على أنه مؤلف قصصي، كان الأمر يدعو للدهشة في البداية فما دخل الأدباء في حادثة مفجعة مثل هذه، إلا أن الدهشة ما لبثت أن تلاشت حين أخبرتنا المذيعة أن سيناريو التفجيرات يكاد يكون - إن لم يكن هو ذاته - سيناريو إحدى قصص الرجل.

إنه "توم كلانسي" أحد أشهر كتاب القصص البوليسية المثيرة حاليًا، كما أنه صاحب أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة، ربما تصل مبيعات بعض كتبه إلى مليوني نسخة في العام الواحد...

إن الرجل بكل ما يقابل به من احتفاء وترحيب من قبل الإدارات الأمريكية يثير التساؤلات، تحتشد علامات الاستفهام حول "وصول" هذا الرجل..

فقد كانت له "محادثاته" الخاصة مع الرئيس رونالد ريجان، ومن الطبيعي أن تراه –بغض النظر عمن يحكم أمريكا - يتجول في أرجاء البيت الأبيض، أو يتناول غداءه هناك، أو يُداعِب موظفي الرئاسة الأمريكية، وليت الأمر يقتصر على هذه المظاهر، فربما يَعُدُّها البعض من أصول الضيافة والكرم، بل يصل الأمر أن يحاضر ضباط جهاز المخابرات الأمريكية والمباحث الفيدرالية، وهو ضيف مرحَّب به دائمًا على متن الطائرات، والغواصات، والمدمِّرات الأمريكية، كما يُعَدُّ طلبة الكليات الحربية الأمريكية من أكثر قرائه انتظامًا وحرصًا.

المولد والنشأة

وُلِد توماس إل كلانسي في 12 أبريل 1947م، تزوَّج وعاش في ولاية "ميريلاند " يعتقد البعض أنه دُوِّن ضابط شرطة متقاعدا، أو ضابط مخابرات سابقا، أو على الأقل عميلا سرِّيا، لكن الثابت أنه عمل ولا يزال مندوبًا للتأمين.. كان دائم الحلم بكتابة القصص، لكن لم يُستَثر خياله لأن يكتب، إلا عندما قرأ عن البارجة السوفييتية التي فشلت في اقتحام السويد، فجاءته فكرة قصته الأولى صيد أكتوبر الأحمر 1984م، والتي صدرت أول الأمر في طبعة متواضعة عن دار نشر البحر الأمريكية، إلا أن الجمهور - أو هكذا بدا الأمر - سرعان ما اكتشف أن هذه الرواية ذات الحبكة الفنية العالية تمثل اتجاهًا جديدًا في عالم القصص المثيرة. إلا أن الواقع يشير إلى أن القصة لم تصبح من الكتب الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة إلا بعد أن علَّق الرئيس ريجان على القصة بأنها "أفضل قصة"، وأنها "غير مسبوقة"، ومن حينها انهالت على "توم كلانسي" الألقاب فأصبح: "رائد فن القصص المثيرة".

المؤامرة السياسية.. الجاسوسية الدولية.. المهارة العسكرية.. الضمير.. الإرهابي.. أخطار.. الكوارث البشرية.. هذه مفردات ومكونات أساسية تعجُّ بها قصص كلانسي، وتمثل المواقف التي تعيشها وتتعايش معها شخصيات قصصه.. إنها الأساس الذي اختار كلانسي أن يأسر به جمهوره، ولكن تلك التفاصيل العسكرية الدقيقة والأسلوب المخابراتي المحبوك الذي تقدم فيه قصص كلانسي جعلت كثيرين يتساءلون: هل هو مجرد كاتب؟! أم أنه جاسوس؟ أم أنه ناطق بلسان الإدارة الأمريكية أيًّا كانت؟.. وهذا الاحتمال الأخير يقوِّيه عدد من الشواهد والتأكيدات، فالكرملين يعتبره أحد دعاة الرأسمالية الأمريكية، بينما يذهب "جون ليمان" السكرتير السابق بالبحرية الأمريكية إلى أنه "لا بد من وجود ثغرة"؛ لأنه من وجهة نظره "لا أحد يستطيع أن يصل إلى مثل هذه الحقائق بنفسه، خاصة إذا كان هذا الشخص هو توم كلانسي وهو مجرد مندوب تأمين، ولم يكن يومًا ضابطًا بحريًّا"، وكيف يعقل أن تظهر تفاصيل خطط الناتو: القنابل الذرية، والغواصات النووية الأمريكية في كتاباته بهذه الدقة...

ويعمد كلانسي إلى النفي الدائم لهذه الاتهامات والتخمينات، فيذكر في أي حوار أن هذه التفاصيل موجودة في المصادر العامة المتاحة للجمهور، وأنه لم يخترق أيًّا من المصادر الحكومية في أي من كتبه.

مبررات الترحيب!!

ولكن يبقى التساؤل: لِمَ كل هذا الترحيب والإشادة؟ هل يكون كلانسي صناعة حكومية خالصة؟ ولماذا؟ هل هو أداة كهوليود والـ"سي.إن.إن" تساهم في تكريس مفهوم أمريكا الطيبة المدافعة عن الحق، والتي يحسدها العالم الشرير، ودومًا ما يحاول هؤلاء الآخرون النيل من أمريكا ومن شعبها الذي يسعى لإقرار الحرية والعدالة وينجح في كل مرة..؟؟ وهذا ما قد يساهم في تبرير احتفاء ريجان به، وفتح باب الشهرة له على مصراعيه حين شجَّع قصصه ووصفها بأنها غير مسبوقة.

أم يكون أداة أيضًا لكن لتمرير فكرة "العدو" والتأكيد عليها، وهي فكرة تبدو إستراتيجية في العقلية المهيمنة على الأمريكيين، وتقوم على ترسيخ مبدأ وجود عدو خطير يواجه أمريكا، بما يجعل الأمريكيين دومًا في حالة انتباه واستنفار، ولا يركنون إلى حالة الرفاهية والإشباع المادي التي تؤدي للتخمة..

وأيًّا كان العدو عربًا أم روسًا أم كولومبيين أم غير ذلك فإن الأمريكي الطيب ينتصر في النهاية، مؤكدًا على الثقة في المخلص البطل، وتبقى الثغرة الثانية في هذا التفسير بعد ثغرة "الافتراضية".. إنه لو كانت هذه المعلومات التي يكتب عنها كلانسي هي معلومات مصدرها الوكالات الفيدرالية الأمريكية، فكيف يمكن أن نفسِّر هذا الكم من الاضطراب والذهول الذي أصاب الإدارة الأمريكية في مواجهة الحادث الأخير...

وتتوالى قصص كلانسي فيصدر مجموعة من القصص التكنولوجية المثيرة ذات الحبكة العسكرية والتي شهدت السنوات القليلة الماضية أن سيناريوهاتها تتشابه إلى حد بعيد، مع كثير من الأحداث العالمية، والتي كان آخرها التفجيرات الأمريكية.

ورغم أن كلانسي يمكن ألا يكون قد كتب بأمر أو إشارة من القيادات الأمريكية المتعاقبة ربما وجدت في موهبته وخياله الواسع جوادًا تمتطيه نحو تحقيق أهداف ما في ذهنها..

فبعد "صيد أكتوبر الأحمر"، أصدر كلانسي روايته "قيام العاصفة الحمراء"، والتي دارت حول احتمالية وقوع حرب عالمية ثالثة، حيث تدور أحداثها حول تدمير أحد أكبر معامل تكرير البترول في روسيا على يد مجموعة إرهابية إسلامية(!!!)، وفي سبيل مواجهة نقص البترول الذي قد يؤدي إلى كارثة في روسيا يقرِّر قادة الكرملين الحصول على البترول عَنوة من الخليج، وهو ما يؤدي إلى وقوع حرب عالمية جديدة، وفي عام 1988م أصدر كلانسي قصته "ألعاب وطنية"، والتي تدور حول اختطاف "جاك ريان" - وهو الشخصية الأساسية في رويات كلانسي - على أيدي مجموعة إرهابية أيرلندية.

وفي نفس العام أصدر روايته "كاردينال الكرملين"، والتي يقوم فيها بطله "جاك ريان" بتحليل بعض الأعمال الغامضة التي تتم على الحدود الروسية الأفعانية، حيث يقوم الروس بهجوم على الأفغان!!!

أما في روايته "الخطر الواضح" عام 1989م، والتي أصبحت في فترة أربعة أشهر فقط أكثر الكتب مبيعًا في ثمانينيات القرن الماضي، يتحدث كلانسي عن قيام أمريكا بحرب ضد كولومبيا التي تحتضن تجار المخدرات، أما في روايته "مجموع المخاوف" 1991م يتناول كلانسي قضية السلام في الشرق الأوسط، حيث يتعرض "جاك ريان" ودوره في الرواية مدير المخابرات الأمريكية لأزمة الحفاظ على منصبه عندما قام إرهابيون "عرب" ببعض الأعمال التخريبية عندما كان السلام على وشك التحقيق، عندها يضع جاك خطة محكمة (!!!) لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط.

وفي عام 1993م صدرت روايته "بدون ندم"، والتي تدور أحداثها حول محاربة تجار المخدرات في فيتنام، ثم دين الشرف 1994م والتي تتحدث عن الصراع الاقتصادي بين اليابان والولايات المتحدة، وتركِّز الرواية على فكرة الانتقام الذي يدبِّره اليابانيون لأمريكا، ردًّا على ما فعلته أمريكا في الحرب العالمية الثانية.

ونأتي إلى روايته الأكثر حضورًا في ظل التفجيرات الأخيرة، وهي رواية "الأوامر التنفيذية" والصادرة في عام 1996م، فكانت أقرب إلى سيناريو التفجيرات الأمريكية الأخيرة، حيث تدور أحداثها حول اصطدام طائرة الركاب البوينج 747م بمبنى الكونجرس وقضائها على كل من فيه، فلا يبقى على قيد الحياة سوى نائب الرئيس، وهو بالطبع بطله الدائم "جاك ريان"، ومن هنا تتجه أنظار العالم إليه، وعلى الجانب الآخر تجد كثير من الدول الفرصة السانحة للقيام بما تريد من اعتداءات على البلاد الأخرى في ظل انشغال واضطراب الولايات المتحدة.

أدب ليس أكثر

يُعتبر بعض النقاد الأمريكيون أن توم كلانسي صاحب مدرسة ومنهج في عالم القصص؛ لذلك فقد لُقِّب بألقاب كثيرة، لعلَّ أشهرها هو "رائد فن القصص التكنولوجية المثيرة"… إلا أن كلانسي يتواضع ويرفض كل هذه المسميات قائلاً: إنها من صنيع النقاد، وإنه يفضل أن تسمَّى "أعمال كلانسي فقط". يعرِّف كلانسي الأدب بأنه: "التأمل وطرح الأفكار التي تختص بالمستقبل أكثر من الماضي، إنه الأشخاص والأفكار والتكنولوجيات والسبل التي يمكن أن تغير العالم أو تغير الظروف البشرية".

في معرض بحثهم عن عوامل نجاح كلانسي وانتشاره يرى النقاد أن من أهم هذه العوامل قدرته الغريبة على نسج قصصه الخيالية على أرض الواقع، وهو ما جعله يستطيع إمتاع قطاعات عريضة من الجمهور ولفترة طويلة أكثر من أي مؤلف قصص آخر.

ولكلانسي نمط شبه ثابت يتبعه في أعماله، فهو يبدأ دائمًا بسؤال أساسي: ماذا لو…؟ ثم يتخذ من هذا السؤال مدخلاً منطقيًّا لقصته..

مثلاً: ماذا لو تعرَّض سائح أمريكي لمحاولة اغتيال في لندن؟

ماذا لو حدثت أزمة طاقة مفاجئة في الاتحاد السوفييتي أدَّت إلى إعلان الحرب كبديل للانهيار؟

وهو عادة يشرع في الكتابة في الصباح الباكر دون أن يكون في ذهنه نهاية محددة للقصة أو سيناريو محدد سلفًا… ويقول: إنه يبدأ في عملية اكتشاف لحلِّ لغز القصة يشاركه فيها القراء… ويضيف كلانسي أن "عملية الكتابة في حدِّ ذاتها عملية مُملَّة وبائسة، وأن المتعة الحقيقية تأتي من محاولة البحث عن حلِّ لغز القصة الذي يأخذه على عاتقه".

ويرفض كلانسي تلك الفكرة الشائعة حول الكاتب المتخصص المتفرغ، الذي يعيش حياة الترحال والانتقال في سبيل فكرة، فهو كما يقول عن نفسه: "أستيقظ في الصباح، وأذهب إلى العمل كأي شخص، وأعمل عادة من الساعة الثامنة إلى الثانية عشر والنصف، لكن ما إن تحين ساعة الانصراف حتى أرابط أمام لوحة المفاتيح ما تبقى من وقتي".

أفلام وألعاب

لم يقتصر الأمر على أن تكون هذه القصص مقروءة فقط، فهذه التفاصيل الساخنة طبيعي أن تكون مادة خصبة لأعمال فنية أخرى، فقد عرفت العديد من قصص كلانس طريقها إلى هوليوود لتحقق في عالم السينما ما حققته في عالم الأدب ذيوعًا وانتشارًا.. مثل "صيد أكتوبر الأحمر" و"ألعاب وطنية" و"الخطر الواضح"، أما عالم الألعاب الإلكترونية، فلم يكن أيضًا بمعزل عن فكر كلانس، فقد أصدر كلانس بالاشتراك مع إحدى شركات البرمجيات الأمريكية العديد من الألعاب الإلكترونيةGames التي لها طابع الإثارة العسكرية.

من هذه الألعاب "إس.إس.إن" والتي تقوم على فكرة احتلال الصين لمنابع البترول في جزيرة "سبارتي"، وهو ما يؤدي إلى نشوب حرب عالمية ثالثة، ويقوم اللاعب بدور قائد الأسطول الأمريكي في هذه الحرب، وتحتوي اللعبة على 16 عملية، تحتوي كل عملية منها على جدول المهام المحددة، والتاريخ، والأهداف، والخرائط الملتقطة بالأقمار الصناعية، وكذلك دليل استخدام للغواصات والطائرات المتضمنة في اللعبة.

أما لعبة "قوس قزح 6" فتقوم على أن اللاعب يقود قوة متعددة الجنسيات لمحاربة الإرهاب الدولي، وقد صُمِّمَت اللعبة على تخطي وتنفيذ الهجمات على الجهة الإرهابية، وكلما تقدم اللاعب في إحراز النقاط اكتشف الكثير والكثير من المؤامرات، ولكن بخلاف أي لعبة أخرى، فإذا ارتبك اللاعب، أي أخطأ أثناء اللعبة فإنه يموت؛ لأنه في عالم الواقع، فإن طلقة واحدة تكفي للموت.

أما لعبة بولوتيكا فتدور أحداثها في روسيا، حيث يموت الرئيس يلتسين فجأة في ظروف غامضة تاركًا وراءه فراغًا شديدًا، وينتمي اللاعب إلى إحدى 8 جماعات رئيسية تتنافس للسيطرة على روسيا كواحدة من أقوى دول العالم.

وما زالت هناك الكثير من جوانب شخصية كلانس في حاجة إلى البحث والتحقيق، ولكن بقي السؤال الأخير أنه إذا كانت هذه هي نوعية الكتب الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة والتي يجدها القارئ في متناول يده في الأكشاك، أو لدى باعة الجرائد، أو في محطات المترو، وإذا كانت هذه الأفلام هي التي تحقِّق أعلى إيرادات السينما الأمريكية، وإذا كانت هذه الألعاب هي التي يتربى عليها الطفل الأمريكي، فأي دمار وقسوة وعسكرة يحملها المواطن الأمريكي في ذهنه وإدراكه؟‍‍

يبدو أن كلانسي قد قرأ رائعة سيرفانتس "دون كيخوت" جيدًا وأعجب بها، ورأى أن أجمل ما فيها أن يتسلَّى بهذا البطل الساذج الذي يمضي ببغلته العرجاء حاملاً سيفه الخشبي محاربًا طواحين الهواء صانعًا منها أعداء وهميين..

فكلانسي يتذاكى على الشعب الأمريكي، ويصنع له كل يوم طواحين جديدة.. المبكي أن سيف "كيخوت" الآن أصبح في يد الأمريكان أسلحة فتاكة.. و"بغلته" غدت ناقلات عملاقة وحاملات طائرات.
 

مواقع ذات صلة:


مجاهيل ومشاهير

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع