English

 

10:00 مكة - الأحد 6 جمادى الأولى 1427هـ - 04/06/2006م

بورصات » بورصات وبنوك » نماء
أرسل لصديق
 
 

 

تأهيل نفسي.. لمجانين البورصة

مروان محمد **

المفاجأة أهم أخطار البورصة النفسية

كشفت العديد من الأزمات التي تعرضت لها أسواق المال في الكثير من دول العالم، وخاصة العربية منها عن تدخل العامل النفسي في ارتفاع وهبوط تلك الأسواق، ليصبح المتحكم والمسيطر على الأداء المادي لها، عبر اعتماد المستثمرين على أمور غير ملموسة، مثل الشائعات والقلق والميل للسلوك الجماعي والهروب السريع عند الخطر والتفاؤل والتشاؤم، دون الاعتماد جديا على أدوات التحليل الفني.

وربما تجسد تدخل العامل النفسي بأداء سوق المال في موجات الهبوط المتلاحقة بالعديد من أسواق المال العربية خلال الشهرين الماضيين، والمصحوبة بمحاولة التخلص غير المبرر من الأسهم، خاصة من قبل صغار المستثمرين.

ودفعت هذه الهزات التي أثرت سلبا على نفسية الكثير من المتعاملين بالبورصة إلى لفت انتباه العديد من الباحثين والمتخصصين في الطب النفسي لإلقاء الضوء على أهمية العامل النفسي في تحديد مصير الأسهم المتداولة بأسواق المال وحركتها صعودا وهبوطا. وهو ما دفع "وليد عبد المنعم" رئيس قسم الأوراق المالية بأحد فروع بنك مصر في القاهرة إلى تشكيل فريق أطلق عليه "المساندة النفسية" يستهدف بشكل أساسي تقديم العون النفسي للمتعاملين بالبورصة وإعدادهم لممارسة هذا النوع من الاستثمار وتحمل ضغوطه وصدماته.

التأهيل النفسي هدفنا

وعن هذا الفريق تقول الدكتورة داليا الشيمي عضوة في الفريق، متخصصة تنمية المهارات، إنه يجب على الشخص المتعامل بالبورصة أن يكون مؤهلا نفسيا قبل بدء هذه العملية وهذا ما نسعى إلى تحقيقه، من خلال دورات إعداد نفسي تستهدف بالدرجة الأولى إعداد المتعامل مع البورصة ليكون أكثر معرفة لذاته.

وتؤكد د.داليا على أهمية هذه المعرفة، فكلما كان الإنسان أكثر إدراكا لذاته كان قادرا على اختيار التوقيت الملائم لاتخاذ القرار، وهذا مهم جدا في التعامل في البورصة وذو صلة وثيقة بالحالة النفسية للمتعامل؛ فلا بد أن يكون الوقت جيدا لإتمام العملية وألا يكون الشخص تحت ضغط حتى يكون قراره صحيحا، خاصة عقب وقوع الصدمة سواء كانت سلبية لارتباطها بالخسارة أو إيجابية لحدوث مكسب غير متوقع.

وتشير إلى أن غالبية المتعاملين بالبورصة يتعرضون لنوع من التوتر، إلا أن هذا التوتر يتحول لدى البعض لنوع من القلق، وفي ظل ذلك تأتي سيكولوجية الشائعات بمثابة الفارس الملثم الذي يثير الذعر في أوساط المتعاملين، خاصة الذين يعتمدون في تعاملاتهم على ما تبثه المواقع الاقتصادية الإخبارية ومنتديات البورصة.

غيرة القطيع.. أهم النتائج

ويؤثر ذلك على ردود الأفعال بين المتعاملين في البورصة فيكون المحرك الأساسي لهم دوافع نفسية تتمثل في الغيرة الجماعية التي تترجم في أوساط المتعاملين بما يعرف بـ"سياسة القطيع".

ولعبت العوامل النفسية المبنية على الشائعات وسياسة القطيع دورا بارزا في عدد من أبرز الانهيارات في البورصات العالمية؛ ففي 19 أكتوبر 1987 انهارت بورصة "داو جونز" الأمريكية بمعدل 22.6% بسبب تباطؤ النمو، وأطلق على ذلك اليوم "الإثنين الأسود"، غير أن التأثير النفسي السلبي وانعدام الثقة امتد من بورصة "داو جونز" إلى باقي البورصات العالمية؛ ففي 19 أكتوبر من نفس السنة إلى نهاية الشهر كانت البورصة في أستراليا قد انخفضت بمعدل 41.8%، وفي كندا بمعدل 22.5%، وهونغ كونج 45.8%، ولندن بمعدل 26.4%. وكان "يوم الإثنين الأسود" هذا هو ثاني أسوأ انهيار في أسعار أسواق الأسهم في يوم واحد عبر التاريخ، أما الأسوأ فكان يوم السبت 12 ديسمبر 1914 عندما انهارت بورصة "داو جونز" أيضا بمعدل 24.39%.

كما جاءت أزمات مالية أخرى في آسيا لتوضح دور العامل النفسي، فقد انهارت الأسهم اليابانية عام 1990 بسبب تدافع الناس أيضا على البيع؛ وهو ما أدى إلى انهيار الأسواق، واستمرت السوق اليابانية غير قادرة على استعادة عافيتها حوالي 15 عاما قبل أن تعود الحيوية إليها من جديد، وبالرغم من التدخل الحكومي القوي بمساندة البنوك لمنع الانهيار، فإن ذلك لم يمنع من كبوة الأسهم لأكثر من عقد من الزمان بعد أن استولى الخوف على المتداولين وهجروا التعاملات بالأسهم تماما.

كذلك هناك نموذج الأزمة المالية التي ضربت الأسواق الآسيوية عام 1997 والتي حدثت بعد شائعات مفادها أن أصحاب رؤوس الأموال سيهربون من الأسواق الآسيوية الناهضة بسبب تقلبات في الأسعار، ولم يكن الاقتصاد الآسيوي وقتها يؤدي أداء سيئا، بل على العكس كانت مؤشرات أدائه جيدة، غير أن الشائعات لعبت دورها وبدأت رحلة انعدام الثقة لدى المتداولين والمستثمرين، وأدى هذا خلال أيام إلى قيام أصحاب رؤوس الأموال الخائفين بسحب أموالهم من الأسواق الآسيوية؛ وهو ما أدى فعليا إلى انهيار في أسعار الأسهم وانخفاض حاد في السوق، وحتى اليوم ما زال الكثير من المحللين الاقتصاديين في العالم يحملون الشائعات والعوامل النفسية مسئولية الانهيار، على أساس أن المؤشرات المالية للسوق لا تبرر هذا الانهيار الكبير.

لا مكان للأهوج

ولا تؤثر العوامل النفسية سلبا على حركة الأسهم فقط وإنما ترتد كما تشير د. هبة عيسوي أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس -إحدى الجامعات المصرية- إلى نفسية المتعامل لما بعد تعرضه للصدمات أو عنصر المفاجأة. وهذا يعتبر من أكثر العوامل التي تسبب ضغطا نفسيا على المتعاملين بالبورصة؛ لأن الإنسان بطبيعته عدو ما يجهل.

وفي هذا السياق تؤكد الدكتورة هبة على أن التعامل في البورصة لا ينفصل عن سيكولوجية الشخص وسلوكه؛ فلا بد أن تتوافر في المستثمر أو المتعامل في البورصة العديد من العوامل والمؤهلات النفسية التي تبدأ بما يعرف بالتركيز المعرفي؛ فيجب ألا يكون المتعامل في البورصة أهوج بطبعه.

كما يجب أن يتمتع المستثمر بمهارة تقويم الذات؛ فالمندفع لا يتمتع بهذه المهارة، وقد يستمر الشخص في مواصلة التعامل رغم الخسارة إصرارا منه على تعويض ما خسره دون تقويم ذاته ومحاولة الوقوف على أسباب الخسارة.

وأشارت أستاذة الطب النفسي إلى أنه يجب أن يتمتع المتعامل أيضا بذاكرة جيدة وقدرة على تنظيم المعلومات والتحليل، مؤكدة على ضرورة لجوئه إلى المتخصصين في عملية التحليل إذا ما كان غير متخصص.

استحواذ على الفكر والسلوك

ومن جهته، يقول الدكتور وائل أبو هندي مدرس الطب النفسي بجامعة الزقازيق – مصر: إن صدى التعامل بالبورصة بدأ يظهر بعيادات الطب النفسي خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة الثلاث الأخيرة منها. وأشار إلى أن هناك العديد من الأعراض النفسية المرتبطة بالتعامل بالبورصة منها ما يصل إلى درجة الاكتئاب، لكن العرض الأكثر شيوعا يتمثل في الاستحواذ الفكري والسلوكي على الفرد المتعامل الذي يصل في بعض الأحيان إلى عدم الإقلاع عن التعامل في البورصة.

وهذا يتشابه إلى حد كبير -حسب قول أبو هندي- مع إدمان العقاقير المخدرة، حيث يرفض الشخص وقف تعاملاته رغم تكبده خسارة وراء خسارة ليصل إلى ما يشبه "المقامرة المرضية".

وأضاف أبو هندي أن هذا النوع من الأمراض النفسية ذات العلاقة بالتعامل في البورصة بدأ يظهر بالعديد من دول الخليج العربي، بعد انتشاره بشكل واضح في العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

كما أن هناك علاقة بين التعامل بالبورصة والوسواس القهري؛ فزيادة الاهتمام والضغوط تتسبب في الوساوس العادية، لكن مع زيادتها تتحول إلى وساوس قهرية.

وعلى هذا يكون الطريق شاقا والعبء ثقيلا على فريق "المساندة النفسية" لتقديم الدعم النفسي والمعنوي لعدد كبير من مستثمري البورصات العربية هذه الأيام.


** صحفي مهتم بالشأن الاقتصادي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة: namaa@islamonline.net

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع