 |
لا
يمكن لأي علاقات اقتصادية بين دولتين أن تنمو
وتزدهر دونما وجود من قاعدة الاحتياج
المتبادل وامتلاك كل منهما ميزة نسبية في
مواجهة الآخر.. تلك المقولة يمكن إطلاقها
بكثير من الثقة عند النظر للعلاقات
الاقتصادية التركية الخليجية التي تمتلك
فرصا واعدة في المستقبل، في ظل دافعية سياسية
وأمنية من الجانبين تفرضها ضرورات التغير في
موازين القوى في منطقة الخليج لصالح إيران
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.
فتركيا
تمتلك اقتصادا متنوعا له إمكانيات صناعية
وزراعية وتجارية ومائية، غير أن أزمتها
الأساسية تظل هي الطاقة؛ حيث تستورد 90% من
احتياجاتها النفطية، فضلا عن نقص رؤوس
الأموال والاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد
الذي عانى من أزمات مالية طاحنة (تضخم وتراكم
مديونية داخلية وخارجية) قبل 3 سنوات؛ وهو ما
جعل أنقرة ترى في الخليج أحد المداخل لحل
أزماتها.
أما
دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانياتها
النفطية الهائلة، فترى تركيا ليست فقط من
منظور أنها مصدر محتمل للمياه، إنما يتجاوز
ذلك للبحث عن فرص استثمار الأموال الخليجية،
فضلا عن أن تركيا تمثل سوقا كبيرة بسكانها
السبعين مليون تقريبا. وكذلك فموقعها
الجغرافي يمثل منفذا للخليج على أوربا وآسيا
الوسطى، فهو نقطة وسط بين المناطق المنتجة
والمستهلكة للنفط، وتتقاطع عندها أيضا
حضارات الشرق والغرب.
العودة
الاقتصادية للمنطقة
ورغم
أرضية المصالح المشتركة فإن التوجه التركي
نحو الغرب (ثقافيا وسياسيا واقتصاديا) اقتضى
الابتعاد عن المنطقة العربية، غير أن مجموعة
من العوامل بدأت تظهر في السبعينيات وأدت إلى
تغير نظرة أنقرة إلى المنطقة العربية وخاصة
الخليج لعل أبرزها: أزمة النفط في عام 1973
والتي بدت فيها دول الخليج كلاعب إقليمي مؤثر
على السياسات الدولية.
كما
رفضت السوق الأوربية المشتركة في السبعينيات
المطالب التركية لدعم برنامج في التنمية
والإصلاح الاقتصادي وتوسيع امتيازاتها تجاه
السوق؛ وهو ما دفع أنقرة للعودة للمنطقة
للبحث عن تمويل واستثمارات للنهوض بواقعها
الاقتصادي المتردي آنذاك.
وجاءت
الأزمة القبرصية الثانية في عام 1974 نتيجة
الغزو التركي لجزيرة قبرص، وما تبعه من
إجراءات أمريكية تمثلت بفرض حظر التسلح على
تركيا لتدفع بالقادة الأتراك إلى إعادة النظر
في التوجه التركي المقصور على الغرب فقط.
وكانت أولى الخطوات استضافة تركيا لمنظمة
المؤتمر الإسلامي في عام 1976 لتطوير علاقتها
بالدول الإسلامية ومنها المنطقة الخليجية.
هذا
التوجه الجديد أثمر زيارات مكثفة في
الثمانينيات أدت لتطوير العلاقات
الاقتصادية، ولعل مؤشرات التجارة في هذا
الوقت تشير إلى نمو التجارة بين الجانبين
الخليجي والتركي؛ إذ بلغ إجمالي الصادرات
التركية إلى دول الخليج نحو 4.5 مليارات دولار
عام 1981 مقابل 2.9 مليار دولار عام 1980، في حين
بلغ إجمالي الصادرات الخليجية إلى تركيا نحو
ملياري دولار عام 1981، ولكن تقلص هذا النمو في
العلاقات الاقتصادية بسبب انخفاض أسعار
النفط في الثمانينيات، وانعكاساته على
الاقتصاد الخليجي.
ولعلنا
نلاحظ أن الصيغة الاقتصادية كانت هي المبرر
التركي للانفتاح على الخليج، لا سيما أن
القيود التي تفرضها العلمنة في تركيا تصعب من
ارتياد مجالات أخرى، وفي هذا السياق قال
الرئيس السابق تورجوت أوزال: "انفتاح تركيا
على الدول الخليجية في هذا الوقت جاء لدوافع
اقتصادية باعتبار تلك الدول سوقا استهلاكية
من الدرجة الأولى، فضلا عن اعتبارات أخرى".
وأضافت الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)
عاملا جديدا أسهم بشكل فاعل في تطوير
الاقتصاد التركي، بسبب استفادة تركيا من
العلاقات الاقتصادية والتجارية من طرفي
الصراع.
السياسة
تتغلب على الاقتصاد
ولئن
كانت تركيا قد قصرت دورها في المنطقة العربية
والخليج على الشق الاقتصادي خلال
الثمانينيات، فإن حرب الخليج الثانية 1991 جعلت
السياسة التركية معنية بالتطورات الإقليمية
أكثر من الدولية، وذلك لثلاثة أسباب: أولها
الدعوات الكردية لعمل دولة مستقلة، وهو ما
يشكل خطا أحمر في السياسة التركية. وثانيها
هو تفكك الاتحاد السوفيتي حيث كانت تركيا
بمثابة أحد حوائط الصد الغربي ضد المعسكر
الشرقي. أما السبب الثالث فهو احتياج
تركيا لرؤوس الأموال العربية خاصة من الخليج
وتسويق نفسها كدولة تبيع السلاح.
ومن
هنا بدأت تنتهج تركيا سياسة الحل الوسط داخل
منطقة الشرق الأوسط؛ حيث وطدت علاقتها
بإسرائيل في منتصف التسعينيات، والسعي نحو
دخول الاتحاد الأوربي، علاوة على أنها حليف
قوي للولايات المتحدة بسبب الارتباطات
العسكرية، وفي الوقت نفسه أصبح لها علاقات
بالدول العربية وخاصة الخليجية، واستطاعت
السياسة الخارجية التركية أن تفصل بين
المسارات تلك، حتى لا يؤثر أحدها على الآخر.
وساهمت
عوامل أخرى في دفع تركيا لتطوير أدوات
تشابكها مع المنطقة وخاصة الأداة الاقتصادية،
لعل أبرزها: أزمة نقص المياه التي بدأت نبرتها
تعلو في الخليج والمنطقة بشكل عام، ومرور
تركيا بأزمة اقتصادية عنيفة خاصة بعد سنتين
من زلزال 1990، وصعود حزب العدالة والتنمية ذي
التوجهات الإسلامية لسدة الحكم في تركيا (2002)،
والاحتلال الأمريكي للعراق (2003).
كما
ازداد الطلب التركي على النفط والغاز لدفع
النمو الاقتصادي المتعثر في البلاد آنذاك،
خاصة في ظل تراجع التوقعات من نفط بحر قزوين
وازدياد أهمية منطقة الشرق الأوسط والخليج
بخاصة.
وعلى
الجانب الخليجي، فثمة عوامل يختلط أيضا فيها
الاقتصاد بالسياسة دفعت دول مجلس التعاون
الخليجي نحو تركيا، لعل من أبرزها عودة بعض
رؤوس الأموال الخليجية إلى المنطقة بعد أحداث
11 سبتمبر 2001، فضلا عن أن الفوائض النفطية التي
جنتها دول الخليج من ارتفاع النفط خلال
السنوات الثلاث الماضية فرضت البحث عن فرص
استثمارية في المنطقة، وخاصة تركيا التي
تكتسب أهمية بسبب إمكانياتها الاقتصادية.
من
جهة أخرى، فقد ينظر لتوطيد الخليجيين علاقتهم
الاقتصادية مع تركيا أنه قد يساهم في خلق
توازن مع الجار الإيراني ذي الطموح النووي
والاقتصادي، خاصة بعد الاحتلال الأمريكي
للعراق الذي كان يمثل سابقا بقدراته العسكرية
والاقتصادية أحد عناصر التوازن مع طموحات
طهران بالمنطقة.
أين
التفعيل الاقتصادي؟
إذن
فثمة ظروف وتغيرات في المنطقة تدفع العلاقات
بين البلدين إلى النمو، غير أن ذلك لم يكتب له
التفعيل على الصعيد الاقتصادي، فثمة ضعف
ملحوظ في التبادل التجاري بين الجانبين.
فوفقا
لمؤشرات عام 2004، تحوز دول مجلس التعاون
الخليجي على نسبة تصل إلى 2.5% من إجمالي
التجارة الخارجية لتركيا البالغ 160.6 مليار
دولار. كما تصل نسبة دول الخليج إلى 2.7% من
إجمالي الصادرات التركية البالغ 63.1 مليار
دولار، وتحوز كذلك على 2.3 من إجمالي الواردات
التركية البالغ 97.5 مليار دولار.
وفي
مقابل ذلك، فإن الاتحاد الأوربي يحوز على 50%
من إجمالي التبادل التجاري لتركيا. ولا توجد
بيانات دقيقة حول الاستثمارات التركية في دول
مجلس التعاون.
وبشكل
عام، فمرد الضعف في العلاقات التجارية
الخليجية التركية هو أسباب متشابكة يختلط
فيها ما هو اقتصادي بالسياسي، لعل أبرزها ما
يلي:
أولا:
غياب الآليات اللازمة لتطوير العلاقات
الاقتصادية (اتفاق تجارة حرة، اتفاقات ضريبية...)
بسبب اتباع تركيا لفترة طويلة مبدأ عدم
المشاركة في المنطقة العربية، انطلاقا من
محاولة تماهيها الكامل مع أوربا سياسيا
واقتصاديا.
ثانيا:
ثمة ارتياب خليجي من العلاقات التركية
الإسرائيلية التي بدأت في منتصف التسعينيات؛
حيث يخشى البعض أن تكون أنقرة هي المعبر الذي
تمر منه إسرائيل اقتصاديا وسياسيا إلى منطقة
الخليج.
ثالثا:
خشية دول الخليج من حدوث استقطاب اقتصادي
داخل المنطقة، خاصة أن تنمية علاقات تركيا
والخليج اقتصاديا يراها البعض خصما من الدور
الإيراني في المنطقة.
رابعا:
ثمة تيارات داخل تركيا تعارض الاستثمارات
الخليجية، على اعتبار أنه توجه نحو المنطقة
العربية قد يؤثر على المحاولة التركية
للانضمام إلى الاتحاد الأوربي.
خامسا:
هناك مخاوف خليجية من قضية أن تطرح تركيا
نفسها كدولة مائية في مواجهة الدولة النفطية
الخليجية، ولعل ذلك بدا في مشروع أنابيب
السلام الذي طرح تزويد دول الخليج بمياه
تركية بواسطة أنابيب تمر عبر مجموعة من
الأراضي من بينها إسرائيل.
مجالات
التعاون الاقتصادي
ورغم
العوامل السابقة فيمكن القول إن الفترة
الحالية تشهد رغبة من قبل الطرفين لتعزيز
العلاقات الاقتصادية، ورفعها لمستوى المصالح
الأمنية والسياسية بينها، وفي هذا السياق من
المهم الإشارة إلى التوجه الإماراتي إلى
السوق التركية؛ حيث تنوي شركة دبي القابضة
استثمار 5 مليارات دولار أمريكي في مشروعات في
تركيا خلال السنوات القادمة.
ومن
هذه المشروعات ما أعلن عنه في شهر أكتوبر
الماضي عن إقامة مشروع دبي تاور في إستانبول
بكلفة 500 مليون دولار، كما سيتم الإعلان عن
مشروعات أخرى في الفترة القادمة. وتعتبر
الإمارات بهذه الاستثمارات في المرتبة
الثالثة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة
في تركيا بعد الاتحاد الأوربي والولايات
المتحدة.
وبالإضافة
لذلك فهناك مجالات واعدة ينتظر أن تغذي بقوة
العلاقات بين الجانبين في مجال البنوك وخاصة
الإسلامية، والسياحة الدينية المتمثلة في
الحج، وكذلك مجال الإنشاءات، وفي هذا الصدد
فهناك مساهمة تركية في بناء المنشآت الأساسية
في قطر؛ وذلك استعدادا لدورة الألعاب
الآسيوية التي ستقام في قطر عام 2006.
وفي
سياق تعميق الروابط الاقتصادية بين تركيا
والخليج وتجاوز معادلة النفط مقابل الماء،
شهد العام الحالي (2005) تحركا مكثفا من حكومة
أنقرة، فقد زار رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء
التركي منطقة الخليج، حيث عقد اتفاقيات
ثنائية مع البحرين، منها اتفاقية تجنب
الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب
بالنسبة للضرائب على الدخل ورأس المال لتوفير
البيئة الاقتصادية الملائمة لاستقطاب وتدفق
رؤوس الأموال فيما بينهما.
كما
وقعت دول مجلس التعاون وتركيا في مايو 2005 في
العاصمة البحرينية المنامة، اتفاقية إطارية
لإقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين، والتي
تهدف إلى تطوير العلاقات بين الجانبين.
ويتوقع أن يشهد العام القادم مفاوضات للإسراع
في إقرار الاتفاقية. ويرى خبراء اقتصاديون
خليجيون أن هذه التحركات تكتسب أهمية كبيرة،
خاصة أنها تأتي في وقت تعافى الاقتصاد التركي
من بعض الأزمات المالية على يد حكومة حزب
العدالة والتنمية ذات التوجهات الإسلامية.
مستلزمات
هيكلية
ورغم
الظروف المواتية لتطوير العلاقات الاقتصادية
بين الجانبين وسعي الطرفين لذلك، يظل أن هناك
معوقات أساسية، منها أن بعض التيارات داخل
تركيا ترفض دخول المال الخليجي، ولعل مشروع
دبي تاور في إستانبول تعرض لهجوم إعلامي في
بعض الصحف التركية، خاصة أن التراكم العلماني
الطويل والتوجه نحو أوربا خلق جفوة نفسية لدى
بعض الأتراك تجاه العرب واستثماراتهم.
ولكن
يظل أن نمو العلاقات الاقتصادية التركية –الخليجية
يحتاج إلى مستلزمات أساسية لا بد من وجودها
حتى تنمو العلاقات، ترصدها ورقة بحثية
للمستشار الاقتصادي الخليجي الدكتور محمد
العسومي كما يلي:
-
الاحتياج لبنية أساسية متطورة للتبادل
التجاري وخصوصا تطوير وسائل النقل التي تعد
باهظة في الوقت الحاضر؛ إذ يمكن النظر في
إقامة خطوط سكك حديدية تمتد من دول مجلس
التعاون إلى تركيا.
-
إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين،
ويمكن توسيع اتفاقية التجارة الحرة بين دول
مجلس التعاون والاتحاد الأوربي المزمع
توقعيها لتشمل تركيا، لا سيما أن الأخيرة سوف
تنضم إلى الاتحاد الأوربي في المستقبل، كما
أن أسواقها مفتوحة مع دول الاتحاد ضمن
اتفاقيات الشراكة.
-
توقيع اتفاقيات منع الازدواج الضريبي وتشجيع
إقامة مشروعات مشتركة وخصوصا في القطاع الخاص
في كل من المجموعة الخليجية وتركيا، وهذا
يعني الاستفادة من وضع تركيا في الاتحاد
الأوربي لتسويق هذه المنتجات.
-
تشكيل مجلس للتعاون الاقتصادي بين دول مجلس
التعاون وتركيا يسهم فيه القطاع الخاص ويجتمع
بشكل سنوي للبحث في أوجه العلاقة ومواجهة
المشكلات.
ويتبقى
أن الصيغة الاقتصادية والتجارية هي الأداة
الرئيسية التي تعود بتركيا للمنطقة بعدما
ابتعدت عنها؛ فالأتراك يدركون أن إمكانياتهم
الاقتصادية تلائم المنطقة أكثر من غيرها، في
المقابل فإمكانيات تركيا الاقتصادية قد تكون
منفذا للفوائض المالية الخليجية التي تبحث عن
فرص استثمار آمنة.
-
أبرز مصادر الموضوع:
-
مشاركة الكاتب في حلقة نقاشية حول العلاقات
بين الخليج وتركيا أقامها مركز الخليج
للدراسات الإستراتيجية في أبو ظبي - يومي 18 و19
ديسمبر 2005.
-
كتاب "العلاقات الخليجية التركية: معطيات
الواقع وآفاق المستقبل"، تأليف: عوني عبد
الرحمن السبعاوي، عبد الجبار مصطفى النعيمي،
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث، 2000.
-
د. محمد العسومي، خبير اقتصادي خليجي، تطور
العلاقات التجارية والاستثمارات الثنائية،
ورقة بحثية مقدمة لنفس الحلقة النقاشية
السالف ذكرها.
-
د. مصطفى كيباروجلو، أستاذ مشارك في العلاقات
الدولية، جامعة بلكينت، تركيا، السياسة
الأمنية التركية في الشرق الأوسط والخليج
العربي، ورقة بحثية مقدمة لنفس الحلقة
النقاشية السالف ذكرها.
-د.
أحمد نجدت بامير، المنسق العام لمركز
الدراسات الإستراتيجية والأورواسية في
أنقرة، أمن الطاقة التركي: دور الخليج العربي
وحوضي قزوين والبحر الأسود، ورقة بحثية مقدمة
لنفس الحلقة النقاشية.