 |
|
مخاوف من امتداد أحداث فرنسا إلى باقي الدول الأوربية
|
لم
يكن خافيا على الحكومات الأوربية أن استمرار
ارتفاع نسبة البطالة في السنوات الأخيرة
مشكلة كبيرة، وبين الشباب بصفة خاصة قنبلة
موقوتة؛ فجميع الإحصائيات الصادرة من
الاتحاد الأوربي أو من المنظمات والهيئات
الدولية، تؤكد وجود أحزمة أو ضواح فقيرة في
أكثر الدول الأوربية ثراء وليس فقط في فرنسا
التي شهدت انتفاضة عارمة على مدار الأسبوعين
الأخيرين. وتكتظ هذه الأحزمة بفئات كثيرة على
رأسهم الشباب من أبناء الجيلين الثاني
والثالث المنحدرين من أصول أجنبية، لا سيما
من رعايا الدول النامية.
وطبقا
لدراسة أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية في عام 2005 حول المهاجرين في العالم،
فإن معدل البطالة بين الجيل الثاني من الشباب
الأجانب في فرنسا ارتفع من 20% إلى 25% بين عامي
2000 و2005، بينما انخفض بين الفرنسيين من 10% إلى 7%
عن الفترة نفسها. وفي بريطانيا كان معدل
البطالة بين البريطانيين 5%، ثم انخفضت قليلا
ما بين عامي 2000 و2005، أما بين الشباب الأجانب
فكانت 13%، وظلت ثابتة تقريبا أيضا في الفترة
نفسها.
وطالت
البطالة جميع الشرائح في ألمانيا؛ حيث ارتفعت
بين المواطنين الأصليين من 7 إلى 10%، ولكن بين
الشباب الأجانب من 12% إلى 15%. والمقصود بالشباب
هم من تتراوح أعمارهم ما بين 16 عاما و25 عاما.
وبالتالي
فإن البطالة بين مهاجري فرنسا أكبر من بقية
الدول الأوربية الصناعية، على الرغم من تراجع
عدد الأجانب فيها، وذلك في الفترة ما بين عامي
1998 و2003، بينما ارتفعت النسبة في كل من إيطاليا
وألمانيا وبريطانيا، وكانت الأعلى في
أسبانيا. في الوقت نفسه تتضاعف فرصة فقدان
المنحدرين من أصول أجنبية لأعمالهم في فرنسا،
مقارنة مع بقية الدول الأوربية بشكل ملحوظ.
أما
الأسباب فقد وضعتها الدراسة في نقطتين
أساسيتين: ضعف مستوى التعليم بشكل لا يتناسب
مع متطلبات سوق العمل، وقلة الخبرة المهنية.
وتضيف الدراسة بأن كل اثنين من بين ثلاثة عمال
في فرنسا لم يحصلوا على التعليم الجيد، بينما
تصل النسبة في بريطانيا إلى 3 من كل 10.
وبشكل
أكثر تحديدا، فإن 16% من الأيادي العاملة فقط
في فرنسا هي التي تأهلت لمزاولة ما تقوم به من
عمل، وترتفع تلك النسبة في بريطانيا لتصل إلى
44%، مع ملاحظة أن وضع النساء أسوأ من وضع
الرجال.
وفي
حين يميل البعض إلى تأييد اتهام تلك الفئة من
الشباب بأنها كسولة، وليست على درجة جيدة من
الكفاءة العلمية والمهنية، يكشف الواقع
العملي شيئا آخر، وهو أن ظهور اسم شاب أجنبي
على أوراق الالتحاق بأية وظيفة كفيل بأن يجعل
الرفض هو الجواب الأكيد والنهائي.
والأمثلة
على ذلك عديدة لا تُحصى، وتكشف عند استعراضها
عن عنصرية واضحة في التعامل مع الأوربيين من
أصول مختلفة، سواء كانت عربية أو من دول
إسلامية وحتى من دول أمريكا اللاتينية.
لكن
المشكلة تبدو أكثر بين صفوف أبناء الجاليات
المنحدرة من أصول عربية وإسلامية، بسبب توظيف
الإعلام لتواجدهم على أنهم خلايا نائمة تارة،
وقوى تستهلك أكثر مما تنتج تارة أخرى، وهو ما
يترك آثاره السلبية لدى الرأي العام.
العولمة
وتراجع الدولة
العنصر
الأهم في انتشار ظاهرة أحزمة الفقر الأوربية،
والذي لم تتناوله الدراسات بشكل أفضل هو
التحول الاقتصادي الكبير الذي تعيشه القارة
الأوربية؛ فبعد سنوات من الازدهار الصناعي
والاقتصادي غيرت رياح العولمة من المسار،
وأجبرت رأس المال على الهجرة، والبحث عن
أماكن أقل سعرا للإنتاج، وبالتالي أغلقت
العديد من المصانع والشركات الكبيرة خطوط
إنتاجها، وحولتها إما إلى دول شرق أوربا أو
إلى جنوب شرقي آسيا.
ولم
يبق في القارة العجوز سوى مراكز وإدارات
الشركات التي تتباهى بأرباحها الطائلة،
وتعلن الدوائر الاقتصادية عن أرباح
بالمليارات، بينما تئن المجتمعات من انتشار
البطالة وما تتبعه من مشكلات.
والمشكلة
الثانية التي لا يريد الكثيرون الحديث عنها
بوضوح، هي تراجع دور الدولة كمؤسسة مسئولة عن
أمن المجتمع من جميع النواحي، وهي أيضا من
تبعات العولمة والاتفاقيات الملزمة التي
تفرض على الحكومات عدم تقديم الدعم لشرائح
مختلفة من المجتمع.
فعندما
تطالب منظمة التجارة العالمية وقف منح الدعم
للمزارعين مثلا، تقبلهم الدولة كعاطلين عن
العمل لفترة وجيزة، ثم تقذف بهم إلى دروب
البحث عن المساعدات الاجتماعية، وهي بذلك
تجيز ارتفاع نسبة المنضمين إلى صفوف العاطلين
عن العمل والمصابين بالاكتئاب والحنق على
المجتمع.
في
الوقت نفسه تعيد الحكومات هيكلة أجهزتها
وتقلص من الوظائف الحكومية في المجالات
الاجتماعية والتعليمية، وتتراجع في الاهتمام
بدعم الأنشطة الثقافية التي حولتها إلى
اهتمامات القطاع الخاص الباحث أولا وأخيرا عن
الربح، وبالتالي تتفاقم المشكلة بين قطاعات
مهنية مختلفة وشرائح اجتماعية متعددة.
ويعيش
العاطلون عن العمل في ضواحي متواضعة تحولت مع
مرور الوقت إلى أحزمة من الفقر تظهر بوضوح في
المدن الأوربية الكبرى، ويواجهون تحديات
مختلفة؛ فهم محاصرون بين الإعلام الذي يصورهم
عالة على المنتجين المخلصين دافعي الضرائب،
وبين الرأي العام الذي يرى في بشرتهم الملونة
عنصرا غريبا عن المجتمع يطالب دائما بخصوصيات
لم يستوعبها العقل الأوربي بعد.
بالطبع
هناك نماذج ناجحة من أبناء الجيل الثاني
والثالث من المهاجرين، لكن هذا النجاح يكون
محدودا، وفي بعض القطاعات دون غيرها. وليس من
المفترض أن تطالب أوربا أبناء الجاليات
المهاجرة بأن يكونوا الأكثر ثراء حتى يتولوا
الإنفاق على أنفسهم وتمويل خزانة الدولة
بالضرائب، أو أن يكونوا أكثر ذكاء كي يتمكنوا
من شق طريق جديدة لهم بصعوبة؛ بل المطلوب أن
يكون هناك نوع من المساواة في التعامل مع نسيج
المجتمع على اختلاف شرائحه.
اقتراحات
للحل
صحيح
أن بعض الدول أعدت برامج للاندماج، لكنها
مصابة بقصور من نواح مختلفة؛ فهي تطالب
الأجنبي فقط بأن يبذل جهدا للتواصل مع من
حوله، ولا تتحدث تلك البرامج إلى الرأي العام
ليتقبل هؤلاء الذين يعيشون معه وساهم آباؤهم
في بناء أوربا بعد أن دمرتها الحرب العالمية
الثانية؛ بل إن بعض الدول تصفهم دائما
بالمهاجرين، وأخرى تصر على نعتهم بـ"العمال
الضيوف".
ورغم
تحذير خبراء الاجتماع بأن عدم التوصل إلى حل
لتلك المشكلة يمكن أن يجعلها تتفاقم بشكل
كبير، فإن الحل لا يصل إلى جذور المشكلة؛
فالمطلوب فعلا هو اعتراف أوربا بأن اختلاف
الأصل العرقي أو الديني ليس وصمة عار بل حقيقة
واقعة لا بد من التعامل معها.
ولعل
من بين أهم الاقتراحات التي قدمها بعض
الخبراء للخروج من تلك الدوامة التي لن تنتهي
بمجرد فرض الأحكام العرفية وحظر التجوال كما
حدث في فرنسا، تتمثل في الشفافية في التعامل
مع الأوربيين المنحدرين من أصول أجنبية، وفرض
نوع من الرقابة على أسلوب التعامل معهم في
المدارس والمعاهد وفي سوق العمل.
بل
يذهب البعض إلى فرض نسبة تشغيل معينة من
المنحدرين من أصول أجنبية في كل مصنع أو موقع
إنتاجي أو حتى وظيفة حكومية، وإن كان مثل هذا
المقترح صعب التنفيذ؛ لأن الأوربيين لا
يقبلون بأن يمارس عليهم أجنبي ضغوطا، من دون
أن يدفع لهم ثمنا باهظا في مقابل تحقيق بعض من
مطالبه.
اقرأ
أيضا:
** صحفي
عربي في سويسرا.