 |
|
انخفاض الدولار جاء لأسباب إجرائية لا هكيلية |
إذا
كنت مصريا ولديك ودائع بالدولار الأمريكي،
فهل تتخلص منها وتبيعها خاصة بعد أن تراجع سعر
صرفه أمام الجنيه المصري بنسبة 4% خلال 10 أيام؛
وهو ما أدى لاندفاع الكثيرين لبيع ما بحوزتهم
من دولارات خشية توالي انخفاضه أمام الجنيه،
خاصة أن ما حدث يعد مسألة غير معتادة منذ
منتصف عام 1998، وحتى الآن؟!
لكي
تتخذ قرارا ببيع دولارتك من عدمه، عليك أولا
أن تضع في اعتبارك: هل الأسباب التي أدت
لتراجع سعر صرف الدولار ستستمر أم لا؟، وهل
التراجع ناتج عن ظروف وقتية، أم عوامل مرتبطة
بحدوث تطور في الهيكل الإنتاجي للاقتصاد
المصري؟، وهل ثمة توقعات بانخفاض أكبر
للدولار أم لا خلال الأشهر القادمة؟.
أسباب
التراجع للدولار
وتقتضى
الإجابة على هذه التساؤلات التعرف على
العوامل المفسرة للتراجع الأخير للدولار،
فطوال عام 2004 استطاع البنك المركزي المصري
تحقيق استقرار واضح في سعر صرف الدولار تراوح
ما بين 6 جنيهات و18 قرشا للدولار في بداية
العام، و6 جنيهات و25 قرشا قبيل نهاياته بسبب
تعليماته للبنوك بالاستجابة لاحتياجات
المستوردين من الدولارات، مع تعهده بسد أي
عجز دولاري للبنوك ينجم عن ذلك.
ومن
هنا لم يعد التجار وكذلك البنوك بحاجة للجوء
للسوق الموازية للحصول على الدولار، مما خفف
الضغط عليها؛ وهو ما أدى في منتصف العام
الماضي إلى تساوي سعر الصرف في السوق
الموازية مع السعر بالبنوك بهامش محدود.
واستمرارا
للاتجاه في خط معاكس لاتجاه المضاربين في
مواسم الطلب على الدولار أتاحت البنوك قدرا
من الريالات للمسافرين للحج والعمرة،
واستمرت السياسة النقدية الانكماشية بسحب
السيولة من السوق حتى لا تتجه لشراء الدولار،
ورفع سعر الفائدة على الودائع بالجنيه حتى
زادت عن 12%، وهو ما كلف المجتمع تأجيلا للخروج
من حالة الركود وضغطا على العجز بالموازنة.
وجاء
تنفيذ نظام الإنتربانك الدولاري بين 34 بنكا
ليساهم في سد العجز لدى بعض البنوك، وعدم
لجوئها للسوق الموازية لتدبير احتياجاتها،
وتواكب ذلك مع تراجع حجم الطلبات لفتح
الاعتمادات المستندية للاستيراد بسبب حالة
الركود بالأسواق، وارتفاع الأسعار متواكبة
مع فترة قبيل الأعياد للمسلمين والمسيحيين
والتي تشهد عادة تحويلات دولارية من أقاربهم
بالخارج، مما أتاح وفرة في المعروض من
الدولار، واتجه البنك المركزي لترك تلك
الفوائض وعدم إضافتها لاحتياطي العملات
الأجنبية؛ مما دفع سعر الصرف للتراجع.
العامل
النفسي
وتدخل
العامل النفسي ليلعب دوره، فشركات الصرافة
لديها رصيد محدود من السيولة؛ بسبب ضآلة رؤوس
أموال معظمها، وإلزامها بالتعامل بقدر
رأسمالها ولذلك فعليها أن تبيع حصيلتها
للبنوك، ومن حصيلة البيع تعيد الشراء من
الجمهور. وخلال فترة الانتظار لبيع الحصيلة
تضطر الشركات لعدم قبول دولارات جديدة لقلة
السيولة لديها، وهنا تثار الشائعات عن رفض
الشركات قبول الدولار، مما يزيد من التدافع
لدى صغار الحائزين للتخلص من الدولار.
وتظهر
تلك المشكلة أكثر يومي الجمعة والسبت مع
إغلاق البنوك وعدم استطاعة الشركات بيع
حصيلتها، مما يزيد من الشائعات، ومن ناحية
أخرى فإن الراغبين في اقتناء الدولار أجلوا
قرار الشراء انتظارا للحصول عليه بسعر أقل،
وكل ذلك أدى للاتجاه نحو التخلص من الدولار
مما يزيد من التدافع لبيعه.
أسباب
التراجع.. إجرائية
من
كل ما سبق يتضح أننا نتحدث عن إجراءات تتعلق
بتنظيم العرض والطلب، وأنه لم يتم الحديث عن
وجود أسباب جوهرية تتعلق بأداء الاقتصاد
المصري تسببت في تراجع سعر صرف الدولار، مثل
زيادة الصادرات بدرجة ملحوظة أو نحو ذلك من
ضرب السياحة بجنوب شرق آسيا بعد الزلزال،
واحتمال توجه جزء منها إلى مصر.
كما
لم يتحدث أحد عن أسباب تتعلق بالدولار
الأمريكي نفسه، والذي تراجع أمام اليورو
بأكثر من 35% خلال عام 2004، ولم يؤثر ذلك في حينه
على سعر صرف الجنيه، والطريف أن تراجع
الدولار في مصر تواكب مع بدء صعوده أمام
العملات الأخرى.
والغريب
أن نتائج أداء ميزان المدفوعات التي أعلنها
البنك المركزي قبل أيام قليلة لا تؤدي بالمرة
إلى تراجع سعر الصرف، فلقد أظهر أداء الربع
الأول من العام المالي 2004/2005 والممتد من يوليو
إلى سبتمبر 2004 - أي في فترة تولي الحكومة
الجديدة - بالمقارنة بالربع الأخير من العام
المالي السابق 2003/2004، أظهر نموا للعجز
بالميزان التجاري بنسبة 3.5%، وتراجع حصيلة
التحويلات سواء الخاصة من العاملين المصريين
بالخارج، أو الرسمية من خلال الدول بنسبة 9%،
وأيضا نمو العجز بالحساب الرأسمالي والمالي
بنسبة 64% مع انخفاض قيمة الاستثمارات
الأجنبية المباشرة إلى 50 مليون دولار فقط،
مقابل 223 مليون دولار في ربع العام السابق،
ليحقق الميزان الكلى للمدفوعات عجزا بلغ 103
ملايين دولار مقابل فائض 377 مليون دولار بفترة
المقارنة.
وهكذا
لم يفلت من تردي الأوضاع سوى ميزان الخدمات
الذي زاد فائضه بنسبة 56% بسبب نمو حصيلة
السياحة بنسبة 60%، مع الأخذ في الاعتبار أن
إيرادات السياحة تقديرية بافتراض إنفاق
السائح 75 دولارا في الليلة، وهي ليست أرقاما
فعلية. كما أن عددا من مكونات ميزان الخدمات
تراجعت مؤشراتها، منها تراجع حصيلة النقل
بنسبة 7%، وتراجع المتحصلات الحكومية بنسبة 33%،
وعلى الجانب الآخر زادت مدفوعات السياحة خارج
مصر بنحو 5%، وزادت الفوائد المدفوعة ومدفوعات
الاستثمار بنحو 80%، وارتفعت المصروفات
الحكومية بنحو 6%.
كذلك
أشارت بيانات البنك المركزي إلى نمو الدين
الخارجي ليصل إلى 29.5 مليار دولار بنهاية
سبتمبر الماضي، كما بلغ عجز الموازنة خلال
الربع الأول من العام المالي الحالي 11.7 مليار
جنيه مقابل نحو 27 مليار للعجز بالعام المالي
الأخير كاملا.
وبلغت
نسبة الودائع بالعملات الأجنبية إلى إجمالي
الودائع 32.7% حتى سبتمبر الماضي، أي إن ثلث
الودائع ما زالت بالعملات الأجنبية رغم
الفجوة بين سعر الفائدة على الودائع بالجنيه
والدولار والتي بلغت أقصاها في أغسطس الماضي.
وبالنظر
إلى الأوضاع العامة الحالية فإن السوق لم
تشهد طفرة إنتاجية أو تصديرية بل أشارت نتائج
الربع الأول إلى تراجع حصيلة الصادرات من
السلع غير البترولية بنسبة 4.5%، وما زالت
الصادرات غير البترولية لا تشكل سوى نسبة 21%
فقط من موارد العملات الأجنبية، وما زالت
قروض البنوك سلبية أي متناقصة رغم نموها
الظاهري بنسبة 3.4% في ظل الإحجام عن تمويل
المشروعات، وتوظيف البنوك أموالها في أذون
الخزانة وفى الإنتربانك، وهو ما يكرس حالة
الركود.
وأيضا
الطاقات ما زالت عاطلة والمصانع مغلقة تنتظر
الفرج، كما أن ملفات المتعثرين غير المتصلين
بدوائر تنتظر دورها، بالإضافة إلى أن حالة
الركود تهيمن على السوق منذ أواخر عام 1997 وحتى
الآن.
حدود
انخفاض الدولار
ولكن
هل يستمر انخفاض الدولار أمام الجنيه؟ إن
توقعات بعض المصرفيين تتوقع توقف التراجع ما
بين سعر 585 قرشا و595 قرشا، فالمصدرون لهم مصلحة
في انخفاض قيمة الجنيه، أما انخفاض قيمة
الدولار فهو ضد مصالحهم، كما أنه يؤدي لتآكل
ميزة الإعفاء الجمركي التي حصلوا عليها من
خلال الكويز عند التصدير للسوق الأمريكية.
كما
أن المستوردين الذين أجلوا قرار شراء الدولار
انتظارا لانخفاض سعره لن ينتظروا طويلا لوجود
احتياجات أساسية منها المواد الخام والسلع
الوسيطة وقطع الغيار للوفاء بالاحتياجات
الغذائية وبالتزامات التصدير.
من
ناحية فإن التحول من الدولار إلى الجنيه
والاستفادة بفارق سعر الفائدة بينهما البالغ
نحو 9% لا يعد مكسبا شافيا بسبب ارتفاع معدلات
التضخم والتي تعدت أرقامها الرسمية نسبة 12%
خلال الشهور الأخيرة مما يعني تآكل سعر
الفائدة.
ومن
هنا لا نتوقع انخفاضا كبيرا للدولار خلال
الأشهر القليلة القادمة لعدم حدوث مبررات
اقتصادية قوية لذلك، إلا إذا كانت الأمور
تدار بشكل سياسي بما يخدم تهيئة الأجواء حتى
موعد الاستفتاء على الرئاسة في شهر سبتمبر
القادم، أما بداية من شهر أكتوبر فلا بد من أن
تكون للعوامل الاقتصادية الدور الفاعل في
تحديد سعر الصرف المتوازن.
اقرأ
أيضًا:
الجنيه
المصري.. يغرق
** نائب مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية