بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

دليل المواقع

دليل المواقع |ساحة الحوار |استشر خبيرا

مشروعات وتجارب

مشروعات وتجارب| استعد للوظيفة | إدارة الذات | مفاهيم ومصطلحات | فقه السعي  
  ملفات خاصة | إغاثة وتنمية | قضايا اقتصادية| مساهمات الزائرين

أرزاق العباد بموالد الأولياء

2004/12/26

القاهرة- محمد الصدفي**

مسجد الإمام الحسين بالقاهرة

بالإضافة للأغراض الدينية والعلاجية والترويحية، اقترنت احتفالية "الموالد" في بعض الدول العربية بأغراض اقتصادية تجارية وترويجية، حيث تعد "الموالد" سوقا تجارية يعرض فيها المنتجون بضائعهم، ويسعى إليها المستهلكون -المريدون- للشراء. أما المنتج والبائع فيفيدان من المولد سرعة وسهولة تصريف السلع، فيما المستهلك يفيد من المنافسة الحاصلة بين الباعة عند الشراء.

وفي مصر، تقام احتفالية الموالد في أوقات منتظمة كل عام حول أضرحة الأولياء. ورغم أنها مناسبات لإحياء ذكرى موالد الأولياء، فإن تواريخها تحدد بشكل مجازي، نظرا لأن كثيرا من الأولياء لم يعرف لهم على وجه الدقة تاريخ ميلاد محدد، فبعضهم كان غريبا عن مصر، وفد إليها من المغرب والأندلس والعراق؛ ولهذا فإن الاحتفال بذكرى ميلادهم قد تحدد وفقا للظروف الأيديولوجية والاقتصادية للبلاد.

وتاريخيا كانت عملية تحديد مولد أي ولي في القرية المصرية ترتبط أساسا بظروف الدورة الزراعية، وموعد جني المحاصيل، بحيث ينظم المولد عقب تصريف المحصول الذي يتيح للأسر الريفية الحصول على دخل واضح يمكنها من الإعداد لرحلة المولد.

سوق تجارية

ولا تخلو قرية أو مدينة مصرية من وجود ضريح أو أكثر لولي من الأولياء الذين يعتقد المصريون بتقواهم ويتبركون بزيارتهم. وفي الموعد المحدد للاحتفال بذكرى مولدهم يشد الآلاف الرحيل إلى مكان الضريح، حيث مولد السيد البدوي في طنطا، وعبد الرحيم القناوي في قنا، وسيدنا الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة في القاهرة بالنسبة للأولياء المسلمين. ومولد السيدة العذراء بالزيتون، وسيدي العريان بضاحية المعصرة بالعاصمة القاهرة، ومولد القديسة دميانة بمحافظة البحيرة شمال مصر بالنسبة للمسيحيين.

ويرصد عالم الاجتماع الراحل د. سيد عويس في كتابه الشهير "موسوعة المجتمع المصري"، "أن مصر تضم حوالي 2850 مولدا للأولياء الصالحين، يحضرها أكثر من نصف سكان الدولة". ولا يتقيد أهالي كل قرية ومدينة بوليهم المحلي، حيث أسقط المصريون حاجز المكان، بتوجه سكان أسوان إلى طنطا للاحتفال بمولد "السيد البدوي"، وبتوجه سكان الإسكندرية للاحتفال بمولد "سيدي أبو الحجاج" بالأقصر، وسكان حلوان للاحتفال بمولد القديسة دميانة بالبحيرة، وسكان البحيرة للاحتفال بمولد سيدي مار برسوم العريان بالقاهرة.

وفي دراسته الهامة "احتفالية المولد في مصر"، التي ضمنها علي فهمي الخبير المصري بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في كتابه "دين الحرافيش في مصر المحروسة" يرصد كيف أن لاحتفالية "المولد" ملامح مشتركة خاصة ومتميزة، كما أن وراءها آليات تسمح بتنظيم ما هو ضروري لهذا الزخم البشري الهائل وتلبية احتياجاته.

فالمولد -كما يقول فهمي- سوق تجارية يعرض فيها المنتجون بضائعهم، ويسعى إليه المستهلكون للشراء. ووفقا للدراسة، ترتبط مواسم الموالد في الأقاليم المصرية بمواسم تصريف محاصيل زراعية بعينها. وتقترن مواعيدها بمواعيد الانتهاء من جني المحصول الذي يشتهر به الإقليم الذي يقام فيه المولد.

وحتى في القاهرة والعواصم الأكبر حجما مثل الإسكندرية شمال مصر، فإن غالبية موالد الأولياء المشهورين تأتي في الأشهر السابقة على شهر رمضان، وكأن الرواج التجاري الذي يحدث إبان هذه الموالد مقدمة ضرورية للإنفاق خلال الشهر الكريم، وللإنفاق على رحلة الحج بعد ذلك.

وترصد الدراسة أيضا كيف أن المولد يلعب دورا مهما في توثيق العلاقات الاجتماعية بين الوافدين إليه من أبناء القرية الواحدة، أو بين المنتمين إلى طريقة صوفية واحدة، وإن تعددت مواطنهم الإقليمية، مما يؤدي –في أحوال كثيرة- إلى خلق فرص مواتية للإصهار والزواج وللتجارة والمشاركة في أنشطة اقتصادية.

استعدادات تموينية

وبنظرة عاجلة إلى ما تطالعنا به الصحف المصرية من مظاهر الاستعداد لمثل هذه الموالد، يتأكد المظهر الاقتصادي لهذه الاحتفالية. ففي الأسبوع الأول لمولد "السيد البدوي" نشرت الصحف المحلية العناوين التالية: "مديرية تموين طنطا تعلن حالة الطوارئ استعدادا للمولد الأحمدي"، "250 طن دقيق بلدي و50 طنا فاخرا و400 طن سكر حصة إضافية لمواجهة حاجات زوار المولد"، "محافظة الغربية تطالب بنصيب من نذور البدوي المقدرة بـ 2 مليون جنيه سنويا".

وبعيدا عن الآليات الرسمية التي تحكم وتنظم احتفالية المولد، مثل وزارات الأوقاف والتموين والصحة والداخلية، وشبه الرسمية مثل الطرق الصوفية في الموالد الإسلامية، والكنيسة القبطية في الموالد المسيحية، والتي تقوم بدور تمويني وتنظيمي حيوي -يشير علي فهمي إلى وجود تنظيمات موازية لتلك الرسمية وشبه الرسمية، تلعب أدوارا بالغة الأهمية فيما يتعلق بتمويل احتفالية المولد وكفالة التموين اللازم.

ويسمي فهمي هذه التنظيمات بالتنظيمات "الشعبوية" التي تنتشر في الريف والحضر والبادية، وتمثل المجتمع المدني الموازي، والذي يقوم بدور تكافل اجتماعي سري، وهو ملمح اجتماعي يشير إلى التواصل الحضاري، حيث ابتكر القادرون من المصريين القدماء فكرة النذور للآلهة، وتحولت إلى نذور الأولياء. كما درجوا على توزيع ما يسمى بـ "الرحمة ( أقراص خبز أفرنجي)" على روح الأموات، وهو ما يمارس في الموالد المصرية حاليا بتوزيع أطباق الفول النابت وأرغفة الأرز باللحم صدقة للمحتاجين.

ولا تقتصر الجوانب الاقتصادية للموالد على المنتجين والبائعين والمشترين وحدهم، ولكنها تشمل أيضا وزارة الأوقاف التي تحصل على حصتها من صناديق نذور "الأولياء" من أصحاب الموالد، و"البلديات" التي تفرض أموالا تبلغ 2500 جنيه (الدولار= 6 جنيهات و20 قرشا) على كل صاحب خيمة، إضافة لمائة جنيه تحت مسمى "تبرع للمولد"، يدفعها الزائرون صاغرين حبا في الولي أو صاحب الاحتفالية.

تجارة الموالد

وفي دراسته المهمة التي نال عنها درجة الماجستير، والتي جاءت بعنوان "دور المتصوفة في العصر العثماني" يرصد الباحث محمد صبري محمد يوسف في الفصل الخاص بمصادر القوة الاقتصادية للمتصوفة، كيف استفاد كبار المتصوفة من الملمح التجاري للموالد، وكيف أن هذه الموالد مثلت أسواقا سنوية يتم فيها التعامل التجاري جنبا إلى جنب مع زيارة المريدين لأصحاب الأضرحة.

ويقول الباحث في رسالته: "لقد كانت الأسواق التجارية تقام بجانب الموالد، وأصبحت الناس تنتقل إلى هذه الأسواق من أقاصي البلاد للبيع والشراء. بل لقد كان التجار يشدون الرحال إلى مولد السيد البدوي من الهند وبلاد الشام وفارس ودول أفريقية كثيرة للتجارة، حيث يحملون إلى طنطا الأقمشة والمناديل الحرير ولعب الأطفال والأواني الصلصالية والخزفية وريش النعام وغيرها من البضائع النادرة بهدف الاتجار بها".

غير أنه إذا كان التعامل يتم بين البائعين والمشترين في الأسواق العادية على أساس الربح والخسارة، فإن التعامل بين طوائف التجار ورواد الموالد يتم من قبل البائع والمشتري على أنه بركة من بركات ولي المنطقة وقطبها، وليس على أساس رخص أو غلو الأسعار، للدرجة التي جعلت بعض الباحثين يرون أن هناك حركة تأثير تبادلية بين ولي المنطقة والبيئة التي يوجد بها، سواء كانت زراعية أم تجارية أم صناعية، حيث تنشط هذه المشروعات بسبب وجود ولي المنطقة وبركته.

وبصفة عامة، فقد لاحظ الباحث رواج تجارة المواد الغذائية في الموالد، وكذلك السلع الاستهلاكية الأخرى، بالإضافة على انتشار الخدمات ذات الطابع التجاري، أو تلك المتصلة بتسيير الأنشطة التجارية، حيث تتطلب هذه الاحتفالات الضخمة توفير أعداد وكميات كبيرة من الأطعمة والسرادقات والحصير والكراسي والطاولات.

وتتدفق في الموالد كميات ضخمة من السلع والأطعمة والنقود والعطور والسبح والهدايا التي توزع على رواد الاحتفال وخدام الأضرحة، وأهل الولي (صاحب المولد أو الاحتفالية)، بل إن بعض الموالد المهمة -كمولد السيد البدوي- كانت تشتمل على تجارة الحيوانات والحبوب.

وتاريخيا دفع النشاط التجاري المرتبط بالموالد بعض المماليك لبناء قيساريات (ساحات متسعة مجهزة) لتشجيع التجار على مزاولة التجارة، مثلما حدث من بناء "قيسارية" بطنطا سميت بـ "الغورية" لنزول تجار الغورية بالقاهرة فيها أيام المولد النبوي لبيع الأقمشة والطرابيش والعصائب.

ومما أعطى الموالد ذلك الطابع التجاري النشط ذاك الإقبال الكبير من جميع فئات وأنواع المريدين والمتصوفة في مصر إبان الحكم العثماني. بل إن الشيوخ الكبار، وكذلك المماليك والحكام أعطوا لها اهتماما كبيرا، وكانوا يحضرونها بأنفسهم -مثلما يحدث الآن من إيفاد مناديب عن رئاسة الجمهورية والداخلية والأوقاف- ويوفرون لها عوامل النجاح أمنيا ودينيا وتمويليا، من خلال رصد مبالغ مالية كبيرة لإقامتها والإنفاق عليها.

مخصصات الأوقاف

ويقول الباحث محمد صبري يوسف: "كان يخصص لمعظم الموالد مبالغ ضخمة عن طريق الأوقاف للإنفاق على أوجه الصرف المختلفة، سواء في ثمن المذابح التي تذبح لطعام الفقراء، أو في الحبوب، وثمن الخبز والقراءة، وغيرها من الاحتياجات التي تلزم الموالد".

فقد نص الأمير أحمد كتخدا (1609م / 1121هـ) على إنفاق مبلغ ثلاثة آلاف نصف فضة (وحدة نقدية كانت تساوي أربعين جزءا من القرش المستعمل آنذاك)، وعشرين أردبا من القمح للصرف على مولد الدمرداش المحمدي، كما رصد شهاب الدين أحمد مبلغ 1200 نصف فضة للصرف على ثمانية موالد، بل إن السلاطين العثمانيين خصصوا منذ أيام سليم وسليمان مبالغ نقدية للإنفاق على الموالد في مصر.

ولقد ساهمت هذه الأوقاف بشكل أساسي في نجاح الموالد، بما وفرته من أنواع كثيرة من الأرزاق والخيرات من مأكل ومشرب، جعل لهذه الموالد شهرة كبيرة تسببت في جلب أعداد كبيرة من المريدين والتجار، جاءوا من أنحاء البلاد المختلفة. كما أتاحت هذه الموالد فرصا عظيمة للبيع والشراء والمقايضات، مما عاد في النهاية على حجم التجارة في مصر بوجه عام، وعلى المتصوفة وخدام الأضرحة وكبار الشيوخ ورواد المتصوفة بشكل خاص.

وهكذا.. كان للملمح التجاري للموالد دور كبير في إثراء الحركة التجارية وتصريف العديد من المنتجات، الأمر الذي دفع الكثير من التجار إلى شد الرحال باتجاه موالد "المحروسة" المتعددة، ليروجوا تجارتهم ويبحثوا عن مصادر أرزاقهم، لدرجة جعلت الناحية الدينية كادت تتوارى وراء الأهداف الأخرى للمولد.

اقرأ أيضًا:

فتاوى حول الصوفية:


** صحفي مصري

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع