|
لأن
العامل الاقتصادي يمثل متغيرا رئيسيا في
إقبال الشباب من عدمه على الزواج، فقد أصبح
محاولة التغلب على هذا العامل هاجسا لدى معظم
الدول فقرائها وأغنيائها، فرغم أن الإمارات
من الدول النفطية الغنية فإن ارتفاع تكاليف
الزواج بها يدفع الشباب إلى الإعراض عنه، أو
اللجوء للزواج من أجنبيات لتقليل هذه
التكاليف.
وحتى
نتخيل حجم المشكلة في هذا البلد فلنستعرض
تقدير تكلفة الزواج التي حصلنا عليها من
مواطنين إماراتيين وإماراتيات.. بداية ثمة
فجوة في الأرقام فبعض العائلات ترفض ألا يقل
المهر عن 200 ألف درهم إمارتي (الدولار= 3.5 درهم
تقريبا)، بينما هناك عائلات أخرى قد تقبل 50
ألف درهم.
ولا
يقف الأمر عن هذا الحد، فالعريس يدخل في
متوالية مالية أخرى، ففستان الفرح لا تقل
تكلفته عن 30 ألف درهم، وتكاليف بطاقات
الدعوات للفرح نفسه تتكلف حوالي 5 آلاف درهم.
أما
إقامة حفل للعرس في الفنادق فلا تقل تكلفته عن
5 آلاف درهم، وقد تصل إلى 15 ألف درهم بحسب عدد
نجوم الفندق، يضاف إلى ذلك تكاليف وليمة ضخمة
تقام ثاني يوم الزواج، ويقوم فيها العريس
بإهداء عروسه هدية قيمة.
إذن
متوسط عملية تكلفة الزواج يصل إلى 250 ألف درهم
أو 100 ألف درهم إذا كان المهر منخفضا؛ وهو ما
دفع الشباب الإماراتي إلى الزواج من
الأجنبيات لتخفيف حدة هذه التكاليف، وفق
دراسة لوزارة العمل والشئون الاجتماعية
بالإمارات عام 2003، وهذا بدوره أدى إلى
استشراء العنوسة بين الفتيات الإماراتيات.
المشكلة
أن مراسم الزواج هذه أصبحت بمثابة القانون
غير المكتوب الذي تلتزم به العائلات عند تقدم
الشباب للزواج، وهو ما يرجعه الباحثون إلى
الطبيعة القبلية والتمسك بالأعراف في
المجتمع الإماراتي، إضافة لعوامل أخرى منها
التفاخر الاجتماعي.
المواجهة
المؤسسية
ورغم
أهمية الجهود الفردية في تقليل نفقات الزواج
فإن محاولة التغلب على هذه المشكلة احتاج
لجهود مؤسسية فاعلة، ومن هنا كانت أهمية
التجربة الإماراتية في إنشاء صندوق
الزواج لمواجهة أزمة تكاليف الزواج، غير
أنها واجهت عوائق من المهم تخطيها حتى يمكن
تعميم هذه التجربة في بقاع مختلفة من عالمنا
العربي.
أهداف
الصندوق الذي أنشئ مطلع التسعينيات بدت أهمها:
تقديم المنح المالية لمواطني الدولة من ذوي
الدخل المحدود لإعانتهم على تحمل تكاليف
الزواج، والحد من ظاهرة الزواج من أجنبيات
والتوعية بآثارها الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية.
ولتحقيق
هذه الأهداف أنشأ الصندوق لجانا فرعية في
كافة إمارات الدولة، بالإضافة إلى وجود لجنة
البت في طلبات منح الزواج، التي ترد من اللجان
الفرعية، كما تتولى إدارة منح الزواج مهمة
التنسيق بين هذه اللجان.
أما
تمويله فيتم من خلال الدعم الحكومي المخصص له
من الميزانية العامة للدولة، والبالغ نحو 250
مليون درهم سنويا. بالإضافة إلى عائدات
استثمار أموال الصندوق، والتبرعات والهبات
المالية والعينية المقدمة من المؤسسات
والمنظمات والجمعيات.
3
طرق لتقليل التكاليف
|
|
الأعراس الجماعية إحدى وسائل تقليل التكاليف |
ثلاث
طرق أساسية انتهجها الصندوق لتقليل تكاليف
الزواج، والحد من الزواج بأجنبيات، أبرزها:
1-
منحة الزواج: حيث يقدم الصندوق منحة مالية تحت
اسم (منحة الزواج) لمستحقيها من الشباب محدودي
الدخل، والتي تبلغ قيمتها 70 ألف درهم يعطي
منها 40 ألف درهم بعد العقد والباقي بعد إتمام
مراسم الزواج والدخول.
ويشترط
للحصول عليها أن يكون طالب المنحة من مواطني
دولة الإمارات العربية المتحدة، وألا يقل
عمره عن ثمانية عشر عاما، وأن يتم الزواج من
مواطنة متمتعة بجنسية الإمارات، وأن يكون من
ذوي الدخل المحدود أو ممن لا قدرة له على
نفقات الزواج، وألا يكون قد استفاد من المنحة
سابقا مع ضرورة إجراء الفحص الطبي قبل إتمام
الزواج.
وبلغ
إجمالي المتقدمين للحصول على منحة الزواج منذ
إنشاء الصندوق عام 1992 حتى تاريخ 14-9-2004 نحو 43763،
بينما بلغ عدد المستفيدين من المنحة 29148 حتى
نهاية عام 2003.
2-
ميثاق شرف: حيث قام الصندوق بالاتصال المباشر
بسبعين من رجالات القبائل والعشائر في مختلف
أنحاء الدولة الذين تولوا بدورهم التوعية
بأهداف الصندوق على الصعيد المجتمعي، من خلال
عدد من الزيارات بلغت أكثر من 45 زيارة إلى
القبائل في مناطقهم المختلفة بالدولة، أسفرت
في النهاية عما يسمى بميثاق الشرف أو مواثيق
القبائل، يسجل خلالها كل تكاليف الزواج التي
ينبغي أن يكون عليها العرس لأبناء القبيلة
بحده الأعلى الذي وصل إلى 120 ألف درهم، وحده
الأدنى، البالغ 50 ألف درهم.
3-
الأعراس الجماعية: حيث يقوم الصندوق بتنظيم
الأعراس الجماعية على مستوى البلاد ووصل
عددها 72 عرسا جماعيا حتى 22 أغسطس 2004، وكان
أكبرها "عرس القرن" الذي أقيم في ديسمبر
1999، وضم 1300 عريس وعروس.
ولا
تقتصر خدمات الصندوق على هذه المنح المالية
فقط، إنما تمتد لتقديم خدمات التوعية لتعميق
الوعي بقضايا الأسرة، وتنظيم الدورات
التدريبية المكثفة للمتقدمين لنيل المنح،
للتعريف بشئون الحياة الزوجية والأسرية، كما
يساعد الصندوق على إيجاد شريك الحياة من خلال
ما يعرف بمشروع التوافق.
عوائق
أمام الصندوق
جاءت
العادات والتقاليد للمجتمع الإماراتي ذات
الطبيعة القبلية على رأس الصعوبات التي واجهت
الصندوق، حيث قوبل بكثير من الانتقاد في
بدايته، فكان من الصعب أن تقبل إحدى الأسر أن
تزوج بناتها من أحد المستفيدين من مشروع
المنح المالية، حيث نظر له البعض نظرة دونية.
أيضا
فكرة الأعراس الجماعية لم يتقبلها المجتمع في
البداية، فكل عروس ترى أن هذه ليلة العمر،
ويجب أن تكون متفردة ومتميزة، بينما تلغي
الأعراس الجماعية فكرة التميز والتفرد.
لذلك
لم يبدأ القبول بمثل هذه الأفكار إلا منذ عام
أو عامين فقط، عندما استخدم الصندوق العديد
من أساليب الترغيب مثل تقديم الهدايا للعروس
التي تشارك في الأعراس الجماعية، بالإضافة
إلى استضافتهم لمدة ليلتين في أحد الفنادق،
فبلغت قيمة الهدايا في أحد الأعراس لكل عروس
نحو 60 ألف درهم، بالإضافة إلى تقديم فستان
الزفاف مجانا إلى العروس وكافة تكاليف الفرح.
أيضا
من الصعوبات التي واجهها الصندوق بعض الحالات
المخالفة لقانون الصندوق، التي تسيء استخدام
المنحة، وبدلا من أن توجهها إلى الإنفاق على
الزواج يقومون بإنفاقها على الأشياء
الترفيهية مثل شراء الهواتف المحمولة
والسيارات أو تسديد بعض الديون، وهي مخالفات
ناتجة -كما يقول يوسف أحمد الحوسني، مساعد
المدير العام لشئون المنح بصندوق الزواج- عن
الجهل بالقانون وعدم المعرفة بلوائح
الصندوق، كأن يستلم أحد المتقدمين للحصول على
المنحة القسط الأول من المنحة (40 ألف درهم)، ثم
يطلق قبل الدخول بعروسه، ولا يخبر المؤسسة
بذلك، وعند المراجعة من قبل إدارات المؤسسة
نفاجأ بمثل هذه الحالات، فنطالبه بإرجاع
المبلغ، أو أن نرفع عليه قضية لإرغامه على ذلك.
بالإضافة
إلى جهل البعض بأن المنحة لا تقدم إلا لذوي
الدخل المحدود فيقول الحوسني: إننا نفاجأ
أحيانا بتقدم أبناء رجال الأعمال للحصول على
المنحة، وهو ما نقابله بالرفض إذا اكتشفنا
ذلك، حتى لا يحصل على المنحة من لا يستحقها.
العجز
في الميزانية
أما
المشكلة الكبرى التي يواجهها الصندوق فهي
مشكلة العجز في الميزانية، حيث ينفق نحو 97% من
المبلغ المخصص للصندوق من ميزانية الدولة (250
مليون درهم) على طلبات المنح، وهو لا يغطي في
النهاية سوى 3000 من المتقدمين للحصول على
المنحة، بينما تتراوح عدد الطلبات ما بين 4000-
5000 طلب سنويا، مما يدفعنا في النهاية إلى
إحالة العدد المتبقي للعام التالي، وهكذا بلغ
عدد الحالات المتراكمة التي لم يتم البت في
طلباتها في نهاية عام 2000 نحو 8000 حالة، وهو ما
يحتاج نحو 500 مليون درهم لتغطيته!!
ويعتبر
مساعد المدير العام لشئون المنح أن مساهمة
رجال الأعمال في مثل هذه الأعمال الاجتماعية
الخيرية التي تخدم المجتمع هي بمثابة الواجب
الاجتماعي عليهم، لكن للأسف هذا يجهله
كثيرون، وهو ما يجعل هناك حاجة ملحة إلى تقنين
قانوني لذلك من خلال وجود تشريع في شكل ضريبة
اجتماعية أو رسوم تفرض على كل رجل أعمال تلزمه
بدفع جزء يسير من أرباحه المقدرة بالمليارات
توجه لمثل هذه الأعمال الاجتماعية والخيرية،
حتى لا نواجه مزيدا من الأعباء المادية.
اقرأ
أيضًا:
شباب
الخليج.. عازفون عن الزواج
"البيت
السعيد" لتيسير الزواج في قطر
مصر..
صندوق الزواج لحل مشكلة العنوسة
الكويت..
صندوق كويتي للتغلب على العنوسة
فلسطين..
وثيقة شرف لتيسير الزواج
**
صحفية تعمل في الإمارات.
|