|

|
|
بائع متجول في أحد شوارع القاهرة
|
رغم
أنهم مطاردون من قبل الحكومات العربية لأنها
تضعهم في خانة الاقتصاد غير الرسمي وتعتبرهم
سببا رئيسيا للتلوث وعدم النظام بالشوارع،
فإن ثمة اتجاها يتنامى لتنظيم عمل الباعة
الجائلين في المنطقة العربية، لا سيما أنهم
أضحوا جزءا من الحياة الاقتصادية اليومية
المرتبطة بالمواطن.
في
هذا السياق تبدو هناك تجارب عربية متنوعة في
عمل "أيزو" أو معايير موحدة للباعة
الجائلين؛ بما يضمن الاستفادة من الاقتصاد
غير الرسمي. ففي مصر نجح العمل الأهلي في
إنتاج تجربة مجتمعية لتنظيم البيع المتجول،
أما في الخليج والمغرب العربي فقد ظهر اتجاه
لتنظيم عمل هؤلاء الباعة في أماكن محددة
ومراقبة ما يبيعونه للناس. (لمزيد من الفهم
لمعنى البيع المتجول وأدواته يمكن قراءة: مبادئ
البيع المتجول).
الشراكة
لا القمع
بدلا
من القمع والمنع الذي تمارسه السلطات تجاه
الباعة الجائلين في مصر، فقد نجحت جمعية
بائعي أطعمة الشارع بمحافظة المنيا (جنوب
القاهرة) في أن تضرب نموذجا مهما لتنظيم
العاملين بهذا القطاع غير الرسمي على مدار
عقدين تقريبا بطريقة إنسانية وتنموية في آن
واحد.
فقد
استطاعت هذه الجمعية -التي أنشئت عام 1986
بالتعاون بين مسئولين حكوميين وبائعي أطعمة
الشوارع- حماية حقوق الباعة الجائلين،
والتعامل مع قضيتي الازدحام في الشوارع،
وسلامة الطعام.
وبموجب
اتفاق بين الجمعية ومسئولي المحافظة أصبح في
الإمكان مصاحبة مسئولي الصحة الباعة وتنظيم
دورات تدريبية لهم في كيفية تداول الأطعمة
والنظافة الشخصية، وتوقفت السلطات البلدية
عن مطاردة الباعة طالما اتبعوا القواعد التي
اتفق عليها. كما تم تصميم عربات جديدة وأكشاك
دائمة تم تخصيصها لبعض المناطق، مع الأخذ عند
تصميمها أن تناسب الجمال السياحي بالإضافة
إلى التجارة المحلية.
وجاءت
نشأة هذه التجربة بعد أبحاث ميدانية قام بها
مكتب مستشاري الإدارة والتحليل والتخطيط
الاجتماعي (سيباك) بالقاهرة حول أهمية الباعة
الجائلين في تحقيق الأمن الغذائي لمحدودي
الدخل في مدن مختلفة داخل مصر ومنها محافظة
المنيا.
وخلصت
هذه الأبحاث إلى أن هذا القطاع غير الرسمي يضم
فئات من المواطنين يمثلون جزءا كبيرا من
المجتمع يحتاج التنظيم والاهتمام والرعاية
والتطوير، كما أنه يعتبر نشاطا اقتصاديا
مفتوحا يسمح بدخول وخروج قوى عاملة بلا قيود،
ويسمح بدخول المرأة المعيلة بسهولة، ولا يمكن
اعتباره نشاطا طفيليا. ووفقا للأبحاث التي
أجريت آنذاك في منتصف الثمانينيات هناك ما
يقرب من 50 ألف شخص يأكلون طعام الشارع كل يوم
من الباعة المتجولين في المنيا.
وتقول
د. سارة لوزة رئيسة مجلس إدارة سيباك لإسلام
أون لاين.نت: إنه تم عرض نتائج هذه الأبحاث على
المسئولين بالمنيا الذين تفهموا القضية،
وبدءوا في التعاون مع البائعين لإنشاء جمعية
بائعي أطعمة الشوارع التي بدأت بـ28 عضوا عند
تأسيسها، ثم تطورت لتضم المئات من الباعة
الجائلين.
غير
أن قصة نجاح الجمعية لم تتوقف عن تنظيم
العلاقة بين السلطات والباعة وضمان سلامة
الطعام الذي يقدمه هؤلاء الباعة، بل إنها
تلعب دورا في تنمية وتطوير الباعة من خلال
توفير القروض ومستلزمات إنتاج الأطعمة،
وتقيم لهم الاحتفالات في المناسبات
الاجتماعية، كما تدير صندوقا للزمالة وتعمل
على توصيل الرعاية الطبية للباعة وأسرهم.
وقد
أدت هذه الخدمات إلى تحسين نوعية الطعام
المباع، والأهم من ذلك أن الجمعية دعمت شرعية
المهنة، وزادت من الاحترام الذاتي للباعة.
ويجري الآن تطبيق التجربة في باقي محافظات
مصر لينتظم بائعو أطعمة ومشروبات الشارع داخل
جمعيات أهلية تكون همزة الوصل بين هذا القطاع
والجهات الحكومية.
(للمزيد
حول دور العمل الأهلي في العالم في تنظيم
الباعة الجائلين انظر: يا
"أرزقية".. اتحدوا).
أماكن
للمتابعة
|

|
|
بائع
هندي متجول في أحد شوارع الخليج
|
في
الخليج أيضا بدأت السلطات تتعامل بشكل مختلف
مع ظاهرة الباعة الجائلين، فعلى سبيل المثال
شرعت بعض مدن السعودية في تطبيق سياسة جديدة
خلال العام الجاري 2004، حيث أعلنت أمانة مدينة
الرياض توفير مباسط مجانية في أسواق الشمال
لمن يرغب من السعوديين العمل، ويحق له أن
يمارس عملية البيع سواء عن طريق العرض
بالسيارة أو بغيرها.
كما
بدأت بلديات تابعة لأمانة الرياض في إقامة
مواقع مناسبة يسمح فيها للباعة الجائلين
بالتجمع تحت رقابة السلطات، بحيث يعطى لكل
بائع جائل بطاقة ويعرف المواد التي يقوم
بعرضها للبيع، وكذلك المكان الذي يمارس فيه
البيع حتى يكون هناك نوع من الرقابة
والمتابعة.
وعلى غرار السعودية خطت البحرين خطوات مهمة
في تنظيم عمل الباعة الجائلين، حيث اتخذت
وزارة شئون البلديات والزراعة قرارا بشأن
السماح لهؤلاء الباعة بمزاولة مهنة بيع بعض
السلع الغذائية والاستهلاكية في بعض الساحات
بالقرب من الجوامع والمساجد وذلك لمساعدة
الباعة البحرينيين الجائلين الذين يعتمدون
في كسب رزقهم اليوم على مثل هذه المهن البسيطة.
ساعات
محددة
المغرب
العربي هو الآخر مارس عملية تنظيم الباعة
الجائلين، ففي العاصمة الليبية طرابلس،
يفترش الباعة الجائلون شارع "الرشيد"
الذي يبدأ متفرعا من شارع عمر المختار وصولا
إلى "جامع بورقيبة" ممتدا حوالي
كيلومتر، عارضين على المواطنين الليبيين كل
ما يحتاجون إليه، وما يمكن أن يتصوروه من سلع
وبضائع ومواد غذائية مستوردة ومحلية بأسعار
تناسب كل الميزانيات.
ويسمح
المسئولون المحليون في طرابلس للباعة
الجائلين بالبيع ليلا فقط منعا للازدحام
وتعطل حركة السير، كما أن لدى السلطات
المحلية فرق تفتيش تراقب السلع والبضائع
المعروضة وأسعارها، وتنظر في شكاوى
المواطنين، ويتم التأكد باستمرار من توفر
الشروط الصحية للمواد الغذائية، كما يتم
يوميا بعد انتهاء العمل في السوق تنظيف
الشارع ورفع الفضلات.
البطالة
السبب
هذه
محاولات في بلدان عربية لتنظيم عمل الباعة
الجائلين تفسرها الدكتورة "يمنى الحماقي"
أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، عضوة مجلس
الشورى المصري بأن القطاع غير الرسمي أصبح
متنفسا لحل أزمة البطالة في المنطقة العربية.
وتضيف
قائلة: رغم عدم توافر بيانات رسمية حول هذا
القطاع فإن الدراسات الميدانية التي تناولته
تؤكد أنه يتوسع يوما بعد يوم، ففي مصر تشير
التقديرات إلى أن هناك أكثر من مليون ونصف شخص
يعملون كباعة جائلين يبيعون مختلف السلع
والمنتجات، ويخدمون أكثر من 10 ملايين مواطن
من محدودي الدخل.
ووفقا
للحماقي فلا يقتصر البيع في الشارع على
الأميين فقط، بل دخل فيه نسبة من المتعلمين
الذين يعانون البطالة منذ سنوات، خاصة أصحاب
الشهادات المتوسطة، والوافدين من الدول
الأخرى. وتصل نسبة النساء اللاتي يعملن في هذا
القطاع إلى أكثر من 30% أغلبهن أميات يقمن
بإعالة أنفسهن وأسرهن، و15% أطفال يعيلون
أسرهم وأنفسهم.
من
ناحية أخرى ترى د. يمنى الحماقي أن قطاع
الباعة الجائلين أثبت نجاحه ووجوده بالشارع
العربي، رغم مطاردة الحكومات لهم، بل استطاع
أن يطور نفسه ويتعرف على احتياجات المستهلك
ورغباته، وهذا هو السر في بقائه وإقبال
المستهلك على سلعه رغم شكه في جودتها. إلا أن
سعرها وطريقة عرضها تغري المستهلك بشرائها،
وهو ما فشلت فيه الصناعات الصغيرة؛ لذا كان لا
بد من تغيير النظرة الحكومية والمجتمعية
لباعة الشوارع، ومساعدتهم على استمرار عملهم
بدلا من مطاردتهم.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفية عربية.
|