بجانب
الوظيفة الدعوية والتثقيفية والسياسية، فإن
للمسجد وظيفة تنموية اقتصادية تمتد من إغاثة
الفقراء في المجتمع المحيط به إلى تأهيلهم
ليصبحوا أناسا منتجين في المجتمع، بما يساهم
في مواجهة أزمتي الفقر والبطالة اللتين
تمثلان أهم القضايا التي تشغل بال العالم
الإسلامي.
وتبدو
أهمية هذه الوظيفة في أن المسجد يعد مركزا
لمعرفة الحالة الاجتماعية والاقتصادية لسكان
الحي أو المنطقة التي يقع في نطاقها،
وبالتالي فيكون الأجدر على مواجهة المشكلات
الاقتصادية من خلال التعاضد والعطاء
الاجتماعي الذي أصبح من المصادر الهامة
لتمويل التنمية في مجتمعاتنا المحلية.
ولا
تقوم المساجد بدورها التنموي تحت شعارات
اقتصادية، بل من باب فعل الخير الذي يحض عليه
الإسلام، فيقوم بعضها بتنظيم دورات مهنية
تستهدف رفع كفاءة ومهارات الأفراد لتأهيلهم
لسوق العمل، فيما يهتم عدد كبير من المساجد
بالجانب الإغاثي للفقراء.
كما
تقدم بعض المساجد خدمات اقتصادية (علاج،
تعليم... إلخ) بأسعار زهيدة تخفف الأعباء
الاقتصادية على المواطنين والدولة، فيما
طورت مساجد أخرى نفسها لتصبح مركزا للقضاء
على البطالة بين أبناء الحي، سواء من خلال
تمويل أفكار الشباب أو حتى إنشاء حضانات
لمشروعاتهم الصغيرة أو احتضان الأسر
المنتجة، ومساعدتها على تسويق منتجاتها.
ورغم
أن هناك نماذج ناجحة لمساجد في العالم
الإسلامي استطاعت ارتياد هذه المساحات
التنموية، فإنها ما زالت قليلة ودون المستوى
المطلوب، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة منها:
السيطرة الأمنية للدولة، ورؤية الناس
القاصرة لدور المساجد، حيث يرونها أماكن
للعبادة فقط، وقلة الكوادر المؤهلة التي تدير
هذه المؤسسة التي يرى البعض أن لها جناحا
اقتصاديا لا بد أن يدار بمنطق مختلف عما هو
موجود حاليا.
يضاف
إلى ذلك انخفاض التبرعات للمساجد في بعض
الدول الإسلامية بسبب تحبيذ الناس التبرع
الشخصي على التبرع للمؤسسات، وكذلك فهناك
قيود على العمل الخيري وما يدور فيه من أموال
منذ أحداث 11 سبتمبر 2001؛ وهو ما يؤثر بدوره على
المساجد التي كان ينالها تمويلات خيرية كبيرة
لتوزيعها على الفقراء.
كما
أن هناك عدم تنسيق بين الخدمات التنموية
للمساجد في نفس المنطقة، حيث تتشابه؛ بما
يؤدي لضعف الخدمة المقدمة للناس أو غياب
خدمات أخرى ربما تكون أكثر إلحاحا، وهو ما
يدفع البعض إلى القول بضرورة وجود دراسة
استطلاعية للاحتياجات الاقتصادية للمنطقة
التي ينشأ فيها المسجد.
إن
هذا الملف يسعى لرصد المساحات الحاضرة
والغائبة في الدور التنموي لمساجدنا في
العالم الإسلامي من خلال نماذج متنوعة في مصر
وفلسطين وتركيا وهولندا، كما يسعى أيضا لطرح
المعوقات التي تعترض هذه المساجد وسبل حلها.
تابع
في نفس الملف: