رغم
القيود التي وضعها النظام العلماني في تركيا
على الجوامع والمظاهر الدينية في المجتمع،
فإن تمسك الشعب بإسلامه دفعه للاهتمام
بالمسجد شكلا ومضمونا، حيث أصبح لهذه المؤسسة
الإيمانية أدوار متعددة، من بينها دعم اقتصاد
المجتمع ومساعدة فقرائه.
وتبذل
هيئة شئون الديانة التركية التي تصل
ميزانيتها إلى مليار دولار (تقديرات غير
رسمية) جهودا حتى يتحقق الدور الاقتصادي
للمسجد، لا سيما في ظل وجود ما يقرب 80 ألف جامع
في أنحاء البلاد.
والمشكلة أن هذه الهيئة التي تسيطر على المساجد من خلال إدارة الإفتاء تمارس العمل الاقتصادي وحدها بحكم القانون؛ حيث تقيم معارض وتمارس تجارة الكتب وغيرها، وتمنع الآخرين من ذلك، سواء أكانوا جمعيات أو دور وقف خيري. كما أنها لا تقترب من مساحات القروض الحسنة للفقراء، متعللة بأن ميزانيتها تنفق على رواتب الموظفين الذين يقتربون من نفس عدد مساجد تركيا.
غير
أن ذلك لا يمنع من القول بممارسة المساجد لدور
اقتصادي في نطاقات محدودة؛ حيث إن ذلك يمثل
جزءا من التراث الإسلامي في تركيا، فهذا
الدور يبدأ منذ تصميم المسجد كما يقول
المهندس المعماري محمد رفاعة. يشير رفاعة إلى
أن من ينظر للتاريخ الإسلامي يجد أن إنشاء
المسجد معماريا يتم باعتباره مؤسسة متعددة
الأبعاد لخدمة المجتمع، ولكن مع سقوط الخلافة
الإسلامية، وحصر دور المؤسسات الدينية في
العبادات تم تحجيم الدور الاقتصادي للمسجد.
ووفقا
للمهندس المعماري، فقد حاولت الجوامع
الحديثة في إستانبول وغيرها تلافي ذلك (أي
تحجيم المساجد) مثل مجيدية كوي، أو الجامع
المركزي بحي شيرين أفلار بالقطاع الأوروبي
بإستانبول، حيث صممت هذه المساجد لتراعي
الجانب الاقتصادي؛ فقد بنيت مجموعة محلات
تجارية أسفل هذه الجوامع أو حول حوائطها
الخارجية لممارسة أنشطة اقتصادية مختلفة تدر
ربحا يساند خدمات الجامع وترميمه ونظافته.
مستشفى
ودعم فقراء
 |
|
الشيخ إحسان أرن أوغلو
|
ولأنها
مؤسسة تلتصق بالناس، فقد سعت المساجد في
تركيا إلى تقديم خدمات تساعد الفقراء الذين
تصل نسبتهم إلى ما بين 20-30% في المجتمع. يقول
الدكتور سليمان أوغلو إمام جامع السليمانية
بإستانبول: إن ملحقات الجامع التابعة لوقف
خيري تقدم خدمات اقتصادية، منها مستشفى
بأسعار رخيصة لا تثقل كاهل المواطن، وكذلك
محلات تجارية تبيع منتجات للمصانع والشركات
والورش الفنية، وكلها تصب في تنمية الصناعات
المحلية لتنعكس على الاقتصاد الوطني.
معارض
رمضانية
وهذه القيود المفروضة تم اختراقها، وعمل مساحات من العمل التجاري للمساجد، فجامع السلطان أحمد المشهور باسم الجامع الأزرق يساهم بدور اقتصادي عبر إقامة معرض للكتاب في شهر رمضان، يقام في صحن الميضأة بعد الإفطار. وهذا المعرض يراه البعض من العاملين به -رفضوا ذكر الأسماء لكونهم موظفي دولة ممنوعين من الإدلاء بتصريحات صحفية- يحقق جانبا اقتصاديا عبر بيع الكتب واللوحات والبراويز وأجهزة الحاسوب وقطعها وأسطوانات الـ سي دي وما يصاحب المعرض من أنشطة تجارية متنوعة تستمر في البيع لوقت السحور، تقام في جانب الجامع، ويتدفق عليها يوميا عدة آلاف من الأتراك.
أما
جامع إسكندر باشا في إستانبول الذي تشرف عليه
جماعة صوفية نقشبندية فقد أعد قاعة
للاحتفالات والمناسبات تؤجر للأهالي
والجمعيات لإقامة مناسبات واحتفالات خاصة
بها. ويرى أحد المشرفين على خدمات الجامع -رفض
ذكر اسمه- أن مثل هذه القاعة تقدم خدمة كبيرة
للمجتمع من حيث المكان والسعر المناسب؛ مما
يعد مساهمة في الجانب الاقتصادي الاجتماعي
للمواطن.
مشكلة
الإيرادات
وحتى
لو قامت المساجد بدور اقتصادي فتبدو المشكلة
أيضا في أن إيراداتها لا تعود لها كاملة،
فيقول أحد خطباء الجامع -لم يذكر اسمه- بأنه لو
كانت المداخيل المالية لملحقات الجامع تصل
مباشرة لخزينته وتقع تحت أيدي الإمام لكان
ممكنا القيام بمشروعات ذات صبغة تجارية
واقتصادية بارزة.