|
يحوّل
بعض الطلاب في فلسطين إجازة الصيف إلى فترة
عمل وإنتاج، يدر عليهم وعلى أسرهم بعض الدخل
الذي يساعد على مواجهة المعيشة الصعبة تحت
الاحتلال الإسرائيلي، أو اكتساب خبرات
تفيدهم في مستقبلهم المهني، ومن جهة أخرى فإن
دخول جزء من الطلاب إلى العملية الإنتاجية
خلال أشهر الصيف يدعم الاقتصاد الفلسطيني، لا
سيما إذا علمنا أن هناك ما يزيد على مليون
طالب في المراحل التعليمية المختلفة.
فالطالب
عبد الله (بالصف الثاني الإعدادي) من غزة قرر
أن يستغل إجازته الصيفية في مشروع كان قد نفذه
في السابق وهو تربية طيور الحمام، حيث قام
بإنشاء حظيرة صغيرة في عدة أمتار من بيته،
واشترى ثلاثة أزواج من الحمام فقط، وعمل منذ
بداية الإجازة الصيفية الحالية على الاهتمام
بطيوره كي يحصل منه على إنتاج يبيعه كي يعين
به أسرته.
ورغم
قلة عدد الطيور التي يمتلكها، يؤكد عبد الله
أنها من النوعية الجيدة، حيث يتراوح سعر
الزوج منها "30 دولارًا"، وأنها تنتج
بدرجة ممتازة، وتدر دخلاً لا بأس به، إلا أن
المشكلة لديه هي تسويق الإنتاج، حيث ما زال
يخجل من الذهاب به إلى السوق كي يبيعه هناك،
لكنه يحاول تصريفه لدى المعارف والجيران.
ويوضح أن نوع الحمام الذي يربيه ويطلق عليه في
غزة (سيلفر) ينتج تقريبًا زوجين من الزغاليل
شهريًّا، ويصل سعرهما إلى 10 دولارات.
مقهى
متحرك
أما
الطالبان سمير وحمدي (في الصفين السادس
والثاني الإعدادي) فقد تعودا منذ سنوات على
إقامة "مقهى متحرك" في متنزه "الجندي
المجهول" بغزة، وهو أمر غير مكلف بالنسبة
لهما حيث يتطلب فقط أنبوبة غاز صغيرة وعدة
جالونات مياه، وشاي وسكر، ومع اقتراب المساء
يتجه الطالبان قرب جدار يقع خلف المتنزه
ويعدان الشاي، ويقومان بالتجوال على
المتواجدين في المتنزه عارضين عليهم خدماتهم.
مشروع
المقهى المتحرك -بحسب الطالبين- مربح جدًّا،
حيث يبيعان كوب الشاب بـنصف شيكل (الدولار 4.5
شواكل). لكنهما يؤكدان على أن الأمر يحتاج فقط
إلى جرأة منهما كي يتقدمان صوب الزبائن كي
يعرضا خدماتهما، وهو ما اكتسباه مع مرور
الأيام.
الذرة
المسلوقة
 |
|
بيع الذرة ..أشهر المهن الصيفية |
بيع
الذرة المسلوقة يمثل هو الآخر مهنة صيفية في
فلسطين، بل إنها الأكثر شعبية، حيث لا يكاد
يخلو شارع أو منطقة في غزة من وجود بائع للذرة.
وتعتبر عملية بيع الذرة ذات عائد مغر، حيث إن
الطالب يشتري 3 أكواز ذرة بشيكل واحد، ويبيعها
بعد سلقها في الماء بثلاثة شواكل.
ووجد
"حسّان" الطالب في الصف الأول الثانوي من
حي الرمال غرب غزة أن بيع الذرة في الصيف أمر
يسير ومربح، كما أنه لا يخجل طالما يعمل عملاً
شريفًا. ومنذ انتهاء آخر يوم في الامتحانات
بدأ حسان في سلق أكواز الذرة في منزله، ثم
يبيعها على مرحلتين الأولى في الصباح
والثانية في المساء.
ويقول
حسان: إنه اكتشف مؤخرًا مكانًا جيدًا لتسويق
بضاعته، وهو أمام مسجد الحي، حيث يقوم بعرض
الذرة بعد صلاة العشاء، ويقدم تخفيضات لمن
يشتري أكثر من (كوز) واحد، علمًا أنه يبيع (الكوز)
بشيكل واحد.
رزقك
في البحر
 |
|
الصيد يتحول من هواية إلى رزق في الصيف |
أما
"أدهم" الطالب الجامعي (سنة ثانية كلية
آداب) فهو مولع منذ صغره بالسباحة في بحر غزة،
ورويدًا رويدًا أصبح بارعًا في صيد الأسماك،
وتسويقها، ومع تقدمه في العمر، وجد أن هذا
النشاط يمكن أن يعينه قليلاً على تكاليف
الجامعة ومساعدة أسرته، وقضاء الإجازة
الصيفية بعيدًا عن الملل والفراغ القاتل.
يعترف
أدهم أنه بدأ نشاطه هذا بطريقة غير سليمة، حيث
كان يصطاد السمك مع بعض رفاقه قديمًا، عن طريق
(السم) الذي يدمر البيئة البحرية، ويحصل من
خلاله على أسماك غير صالحة للأكل، ولكن مع
ازدياد الوعي في أوساط الشباب الفلسطيني
انتهت هذه الممارسة، وأصبح يصطاد الأسماك عن
طريق الصنارة التي تُعَدّ الأقل تكلفة لطالب
مثله.
وشجّع
بناء مرفأ الصيادين هواة صيد الأسماك
بالصنارة، حيث أصبح لديهم مكان في عرض البحر
يقفون عليه ويستخدمونه للصيد. ويؤكد أدهم أن
عملية صيد السمك بالصنارة ليست سهلة كما يظن
البعض، فهي تحتاج للكثير من الخبرة، موضحًا
أن العائد منها بالنسبة له جيد، حيث ينجح الآن
بعد أن زادت خبرته في الصيد من اصطياد أكثر من
عدة كيلوجرامات من السمك يوميًّا.
ويُعَدّ
سمك البوري من أكثر الأسماك صيدًا، حيث يتمكن
الصياد الماهر من صيد حوالي 4 كيلوجرامات منها
يوميًّا، ويبلغ سعر الكيلو الواحد منها حوالي
6 دولارات، ويتمكن بعض الصيادين من اصطياد
أنواع أفضل من السمك مثل السروس التي يبلغ سعر
الكيلو الواحد منها 10 دولارات، ومن حالفه
الحظ يتمكن من صيد سمك اللوكّس غالي السعر
الذي يصل إلى 17 دولارًا، ويتم بيع هذه الأسماك
في المطاعم المنتشرة على طول شاطئ غزة أو في
سوق السمك.
الكتاكيت
وظيفتي
الطالب
محمد (طالب بالصف الثاني الثانوي) قرر بدوره
العمل بنصيحة أحد الأقارب، ويخطط الآن -بعد
انتهاء امتحاناته- لصناعة (فقاسة) بيض من أجل
بيع الصيصان (الكتاكيت).
الفكرة
جاءت من عدد الدجاج الكبير نسبيًّا الذي
تمتلكه العائلة والذي يقارب الـ 20 دجاجة وديك
واحد والذين ينتجون ما معدله (7 بيضات في اليوم
الواحد)، ويذهب عادة للأكل وللتوزيع كهدايا
للأقارب، ومن هنا نصحه قريبه بصناعة فقاسة كي
يجمع فيها هذا العدد من البيض وتفقيسه، ومن
ثَم بيع الكتاكيت.
وبعد
أن استفسر محمد عن كيفية صناعة وتكاليف
الفقاسة بدأ بإعدادها، ووجد أن العملية لا
تحتاج للكثير... مجرد صندوق خشبي بباب زجاجي،
وعدة لمبات تنتج الحرارة اللازمة، و(ترموستات)
من النوعية الممتازة كي تقوم بفصل اللمبات
بين كل فترة وأخرى، ومروحة صغيرة.
ويخطط
محمد كذلك لتوسيع عمله في حال إذا نجح مشروعه،
حيث سيقوم بشراء البيض "الملقح"، وتكبير
الفقاسة، ويوضح أن الفقاسة صغيرة الحجم تبلغ
تكلفتها حوالي (70 دولارًا)، وأن سعر 12 بيضة (دولار
واحد)، ويباع الكتكوت الواحد بـ (70 سنتًا).
نماذج
أخرى
وخلافًا
لهذه النماذج فيتجه بعض الطلاب إلى العمل مع
ذويهم في مهنهم، ومساعدتهم في الأعمال
المختلفة، كما يعمل البعض في المصانع القليلة
الموجودة هنا وهناك وخاصة مصانع الخياطة،
وتنتشر أيضًا ظاهرة الطلاب الذين يبيعون
العلكة والحلويات بكثرة في غزة، عند مواقف
السيارات والإشارة الضوئية.
وتتباين
طرق إنفاق الطلبة لمدخولاتهم من الأموال التي
يحصلون عليها من عملهم في الورش والمصانع أو
من مشروعاتهم الاقتصادية الصغيرة في الصيف،
فبعضهم يحاول من خلالها الإنفاق على نفسه
لتخفيف مصاريف العائلة، فيما ينفقه البعض
الآخر بالكامل على أسرته، أو ادخاره لتدبير
مصروفات الدراسة.
وتأتي
محاولة الطلبة لمساعدة أسرهم؛ بسبب سوء
الأحوال المعيشية، فيشير الجهاز المركزي
للإحصاء بالسلطة الفلسطينية في عام 2003 إلى أن
حوالي 2.5 مليون فلسطيني (من أصل 3.7 ملايين
يقطنون الضفة وغزة) يعانون من الفقر.
كما
حذر تقرير للمؤسسة الفلسطينية للإعلام
والتنمية نشر الأحد 13-6-2004 من أن الوضع
الاقتصادي في قطاع غزة على أعتاب انهيار شامل،
حيث إن معدل البطالة سيتجاوز الـ 70% مع
استمرار إسرائيل في تطبيق خطتها بخصوص غزة،
كما أن مئات المصانع مهددة بالإغلاق في ظل عدم
التحرك لوضع بدائل تشغل أيدي عاملة.
استثمار
بشري ومادي
ويؤكد
مازن العجلة الخبير الاقتصادي الفلسطيني من
غزة على أهمية عمل الطلاب في الإجازة بفلسطين؛
بسبب الحالة الاقتصادية الصعبة للفلسطينيين،
ويقول: "الأسر الفقيرة تحاول أن تستفيد من
هذه العطلة في إلحاق أبنائها للعمل في أحد
المصانع أو الورش أو في حرف ليساعد الأسرة بما
يحصله من دخل بسيط، وهو أمر جيد اقتصاديًّا
للأسرة، وهو كذلك يعلم الأبناء المشاركة في
الحياة الفاعلة والاعتماد على النفس وتحمل
المسؤولية".
ويرى
الخبير الفلسطيني أن المشاريع الاستثمارية
التي يمكن للطلبة أن ينفذوها لا تقتصر فقط على
المشاريع المادية، موضحًا كذلك أهمية بحث
الأسرة مع أبنائها عن مشاريع جديدة، تكون
منتجة، وتكسب الأبناء خبرة تفيدهم مستقبلاً.
الجانب
الآخر الذي يدعو العجلة له لقضاء إجازة صيفية
منتجة للطلاب هو الالتحاق بالدورات
التدريبية في اللغات والحاسوب، لا سيما أنها
دورات منتشرة وبرسوم معقولة في الكثير من
المعاهد الخاصة والجمعيات الفلسطينية.
ويؤكد
أن هذا الجانب يشكل أهمية خاصة في مسألة
الاستثمار البشري والإنساني والذي يفيد
الطلبة والمجتمع على حد سواء، حيث يقول: "إتقان
اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية، وإجادة
استخدام الحاسوب يشكلان أساسًا لاكتساب
معلومات ومهارات تساعد الطالب في مرحلة لاحقة
على العمل في مهنة يطلبها السوق...".
**
صحفي
بمكتب الجيل للصحافة.
|