 |
|
أصحاب الأفكار الصغيرة يصمدون داخل الحاضنات |
المولود
يحتاج لحضن أمه لأن فيه الرعاية والحماية
والتأهيل للمستقبل.. وهذا الوضع لا يختلف
كثيرا عند الحديث عن المشروع الصغير، فبعدما
ظهر الكثير من المعوقات أمام هذه النوعية من
المشروعات (أزمات تمويل وتسويق وإدارة وجودة...
إلخ) أصبح الكل في دول العالم يبحث عن حضن يوفر
لهذه المشروعات القدرة على تخطي العقبات
وتطوير نفسها إداريا وإنتاجيا.
من
هنا جاءت فكرة "الحاضنات" التي تتعامل مع
المشروعات الصغيرة وكأنها أبناؤها الصغار
الذين يحتاجون إلى الرعاية الفائقة
والاهتمام الشامل، وتحميهم من المخاطر التي
تحيط بهم وتمدهم بطاقة الاستمرارية، وتدفع
بهم تدريجيا بعد ذلك إلى السوق ليكونوا
أقوياء قادرين على النمو ومؤهلين للمستقبل
ومزودين بآليات النجاح ليتمكنوا من الانتقال
إلى أسواق العمل الخارجية(*).
وقد
لجأ عدد من الدول العربية وخاصة التي تواجه
أزمة بطالة طاحنة إلى تطبيق فكرة الحاضنات
الإنتاجية، فما ملامح هذه التجربة المصرية؟
وما مشاكلها وكيفية العلاج؟ مراسل "إسلام
أون لاين.نت" تحاور مع عدد من الخبراء في
هذا المجال وحاول الإجابة على هذه التساؤلات،
خاصة أن هناك ما يقرب من 40 حاضنة للمشروعات في
مصر.
حاضنة
التبين
في
التبين جنوب القاهرة، نجحت حاضنة مصرية تتبع
الجمعية المصرية لحاضنات المشروعات (جمعية
أهلية) في تحقيق هدفها بأن وفرت الإمكانيات
الضرورية لأصحاب الأفكار ووفرت لهم الدعم
الفني والخبرات ووسائل الاتصال ومصادر
المعلومات والمراجع والأبحاث التي يحتاجونها
في تنفيذ مشروعاتهم.
وتضم
حاضنة التبين نحو 40 مشروعا تتنوع بين أفكار
تتعلق بتأمين السيارات، مثل غطاء قماش غير
قابل للاشتعال ومعه نظام "سنتر لوك"،
وكراسٍ متحركة للمعوقين تتحرك بالشحن
الكهربائي وتساعدهم على الحركة ذاتيا بدون
مساعدة الآخرين، ثم مشروع لتصنيع بدل صحية
يرتديها مرضى السرطان أثناء جلسات العلاج
الكيماوي.
لكن
د. نادية عبد العزيز رئيسة الإدارة المركزية
لتنمية التكنولوجيا بالأكاديمية المصرية
للبحث العلمي والتكنولوجيا ترى أن نموذج
التبين التي زارته ورأت فيه نجاحا لفكرة
الحاضنات لا يتكرر كثيرا بسبب عدم وجود تمويل.
وتقول: إن أكاديمية البحث العلمي (هيئة حكومية)
تتلقى عشرات الأفكار والابتكارات التي يتوصل
إليها شباب المخترعين المصريين، ولكن كل ما
تملكه لمساعدة هؤلاء المخترعين أن تزودهم
ببعض المعلومات والخبرات المتاحة حول موضوع
اختراعهم؛ لأننا جهة بحثية أكاديمية ولسنا
جهة تمويلية.
جمعية
حاضنات
غير
أن الجمعية المصرية لحاضنات المشروعات (جمعية
أهلية) التي تأسست في منتصف التسعينيات حاولت
المساهمة في حل أزمة التمويل ودعم فكرة
الحاضنات فيقول د.عبد الأحد جمال الدين وزير
الشباب الأسبق نائب رئيس الجمعية: إن الفكرة
من وراء هذه الجمعية جاءت استجابة لحاجة
أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة لمن يقدم
لهم الدعم والمشورة وأيضا الخبرة اللازمة
لإقامة مشروعاتهم الإنتاجية، فضلا عن
التنسيق بين العاملين في حاضنات الأعمال على
مستوى الجمهورية لتجنب تكرار المشاريع
الإنتاجية والربط بين حاجات المجتمع
والأفكار المطروحة.
كما
تقوم الجمعية بتلقي مشروعات الشباب وعرضها
على المتخصصين لتقييمها والبدء في عمل دراسة
الجدوى الخاصة بكل مشروع، وفي حال الاتفاق
على أهميته يجري الاتصال ببعض جهات التمويل
سواء كان الصندوق الاجتماعي أو البنوك أو حتى
جهات التمويل الدولية، وهناك العديد من
الحاضنات التي تشرف عليها الجمعية منها حاضنة
تكنولوجية في محافظة الدقهلية شمال مصر وأخرى
في أسيوط جنوب مصر وثالثة في منطقة الدويقة
شرق العاصمة القاهرة.
وحول
أسلوب عمل الحاضنات يضيف د.عبد الأحد جمال
الدين: هناك عدة مراحل لتنظيم عمل الحاضنات
تبدأ بمرحلة الدراسة والمناقشة من خلال
المقابلات الشخصية بين إدارة الحاضنة
والمتقدمين بمشروعاتهم للتأكد من انطباق
معايير الاختيار على المستفيدين ومشروعاتهم،
بالإضافة لبحث الخدمات التي يتطلبها المشروع
من الحاضنة وإمكانية توفيرها، ثم دراسة قدرة
المنتج على النجاح تسويقيا، وأخيرا الخطط
التسويقية لتوسعات المشروع.
والخطوة
التالية تتم في ضوء النتائج الأولية، حيث
يقوم المستفيد بإعداد خطة مشروعه بمساعدة
وإرشاد إدارة الحاضنة، بعدها يتم انضمام
المستفيد للحاضنة بعد قبول خطة مشروعه التي
تتضمن الجدوى الاقتصادية وموافقة البنك
الممول حيث يتم تخصيص المكان المناسب له داخل
الحاضنة للاستفادة من خدماتها.
وتأتي
مرحلة متابعة أداء المشروعات التي تعمل داخل
الحاضنة ومساعدة القائمين عليها لتحقيق
معدلات نمو عالية. وتبقى المرحلة النهائية
بالنسبة للمشروعات التي تضمها كل حاضنة،
وتبدأ هذه المرحلة عادة بعد حوالي عامين أو
ثلاثة من بدء النشاط؛ حيث يتوقع أن يكون
المشروع قد حقق قدرا من النجاح والنمو، وأصبح
قادرا على ممارسة نشاطه خارج الحاضنة بحجم
أعمال أكبر.
نمو
بطيء
ورغم
هذه التجربة الناجحة فإن خبراء في هذا المجال
يرون أن فكرة الحاضنات تنمو ببطء في مصر.
فيقول الدكتور جمال البيومي الأمين العام
لاتحاد المستثمرين العرب: إن حضانة المشروعات
لم تأخذ العناية الكافية من القائمين على
الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية مع
أنها النواة التي تنطلق منها العملية
التنموية بمفهومها الشامل؛ فكل مؤسسة
إنتاجية كبرى من واجبها احتضان المبدعين
وصغار الموهوبين.
كما
أن البنوك ومؤسسات التمويل العربية يجب أن
تنتبه لهذه القضية وتغير من آلية تعاملها مع
أصحاب المشروعات الصغيرة، وتقع على عاتق هذه
المؤسسات مسئولية مراعاة ظروف شباب الخريجين
الراغبين في دخول سوق العمل والإنتاج، وهذه
الفئة تحتاج لمزيد من المرونة لتشجيعهم على
اقتحام سوق العمل المنتج الذي تحتاجه شعوب
المنطقة.
ويضيف
البيومي أن دولا كثيرة مصنفة على أنها عالم
ثالث سبقت دولنا العربية في مجال تشجيع
الراغبين في العمل من خلال المميزات والحوافز
التمويلية، وأذكر مثلا واقعيا جرى في
البرازيل عام 1973 عندما لاحظ مهندس مصري شاب
يدعى سمير السمان -كان مهاجرا جديدا- أن الطقس
والمناخ في منطقة سان باولو يتشابه مع مناخ
البحر المتوسط ويمكن زراعة نخيل البلح هناك
والاستفادة من تعطش السوق البرازيلية للتمور
بكافة أشكالها، وجمع ملفا كاملا لجدوى
المشروع هو وأحد زملائه وتقدم لأحد البنوك
الرئيسية.
وبعد
فترة محدودة من الدراسة وافق البنك مباشرة
على منحهما دعما ماليا، ونفذا مشروعهما،
وأصبحا فيما بعد من أكبر رجال الأعمال هناك
بالرغم من بدايتهما المتواضعة، وهذا النموذج
كثيرا ما يتكرر في دول عديدة ترغب في التوجه
الحقيقي نحو التنمية.
كما
يشير الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب
إلى أن بلدا مثل النمسا تفرض على المصانع
الكبيرة توفير ورش ملحقة بالمصنع أو الشركة
تكون مهمتها تدريب المواطنين في الفترة
المسائية على أعمال يدوية وإنتاجية متنوعة،
حتى لو كانت ورشة أو مصنعا للقطارات، لاحظت أن
بجواره "حاضنة" مقامة على جزء من أرض
المصنع لمن يرغب في التدريب، تضم صالة كبيرة،
وأحد الفنيين يتولى تدريبهم في مجموعات
لتشجيعهم على الإسهام في السوق على شكل "خدمة
المجتمع"، والطريف أن المصنع يتحمل نفقات
نقل المتدربين ويصرف لهم وجبات غذائية يومية
لتشجيع العامة على الالتحاق بهذه الحاضنات
المفتوحة.
وحول
دور اتحاد المستثمرين العرب في دعم ونشر
الحاضنات المنتجة في العالم العربي يقول
الدكتور جمال البيومي: إن الاتحاد ليس
مستثمرا ولا يملك تمويلا، لكنه بمثابة نقابة
للمستثمرين في العالم العربي يتفاوض نيابة
عنهم، ويمكن أن يسعى لنشر أفكار صغار
المستثمرين، ويوفر قاعدة معلومات وبيانات
حول أهم السلع والمنتجات، ويزود الشباب
بالخبرات اللازمة في مجال الإنتاج وأحوال
السوق.
التمويل
هو العقدة
يظل
أن الأزمة الأساسية التي تواجه الحاضنات في
مصر ومعظم الدول العربية هي التمويل، وثمة
نماذج فشلت بسبب ذلك، فيقول المهندس محمد
الزواوي نائب رئيس جمعية المصريين المتحدين:
إن الجمعية أعدت مشروعا لإنشاء حاضنة كبيرة
تضم نحو 30 شابا مصريا تقدموا للجمعية
بمقترحات لتصنيع وإنتاج "البُرَد"
الخاصة بجميع الأجهزة الإلكترونية، بدءا من
أجهزة الكمبيوتر وانتهاء بالتليفون المنزلي
والمحمول، مرورا بألعاب الأطفال "بلاي
إستيشن"، ثم تقدمنا للصندوق الاجتماعي
للتنمية نطالب بتوفير حوالي مليوني جنيه مصري
(الدولار= 7 جنيهات تقريبا في السوق غير
الرسمية) لتمويل المشروع.
وقد
وافق الصندوق بالفعل بشرط أن يوفر كل شاب
الضمانات البنكية اللازمة، وهناك بعض من نجح
في توفير الضمانات المطلوبة بينما الغالبية
فشلوا في هذه المهمة، وكانت النتيجة أن فشل
المشروع برمته؛ لأن الصندوق رفض تقديم القرض
المطلوب لإقامة الحاضنة بدون ضمانات بنكية،
خاصة أن معظم الذين تقدموا للمشروع كانوا من
الخريجين الجدد الذين لا يملكون رأس مال
كافيا لإقامة مشروع الحاضنة ولا حتى الضمانات
البنكية المطلوبة.
ويرى
الزواوي أن فرص نجاح الحاضنات كبيرة في مصر عن
غيرها من دول المنطقة بسبب توافر السوق
الضخمة، بالإضافة إلى توافر معظم المواد
الخام والأيدي العاملة الرخيصة، لكن السبب في
تعثر مثل هذه الحاضنات يرجع إلى عدم وجود
البنوك المستعدة لمساعدة الشباب؛ حيث كل بنك
لا يركز على نوع المشروع وحجم المنتج أو طريقة
الإنتاج بقدر التركيز على إحضار الشاب
لموظفين من الحكومة وتقديم ضمانات تغطي
المبالغ التي يطالبون بها، وهذه الشروط ليست
في متناول كل شاب يرغب في اقتحام سوق العمل.
ويشير
الزواوي إلى أن الجمعية أعدت قائمة
بالمشروعات المفتوحة أمام الشباب في مجال
الحاضنات بمصر في مجال التكنولوجيا، مثل
تصنيع عدة التليفون، ولمبات الكهرباء، وبعض
مكونات الكمبيوتر التي لا تتطلب تكنولوجيا
معقدة أو رأس مال كبيرا، كذلك تصنيع الورق
الذي يكلف مصر عملة صعبة ضخمة بينما خاماته
الأولية تتوافر في مصر، والأمر يتطلب وعيا من
الباحثين عن فرص للعمل ومرونة أكبر من جهات
التمويل.
الحكومة
السبب
ويلقي
بعض الخبراء باللائمة بطء نمو الحاضنات في
مصر والعالم العربي على الحكومات، فيقول
سليمان منذر الخبير الاقتصادي العربي المقيم
بالقاهرة: إن سبب تعثر حاضنات المشروعات هو
تركيز الحكومات العربية على المشروعات "العملاقة"
على حساب المشروعات الصغيرة والعائلية التي
يقوم بها الفرد أو الأسرة؛ وهو ما أدى إلى عدم
وجود وعي إنتاجي لدى الأفراد.
ووفقا
لسليمان منذر، فلم تقم مؤسسات التمويل
والمصارف بدورها في رعاية مثل هذه الأنشطة
الإنتاجية الحيوية بالرغم من تزايد الشكوى من
تضخم الأموال الراكدة داخل البنوك، وفي
المقابل التقطت معظم الدول الآسيوية "النمور"
فكرة حضانة المشروعات التي ظهرت في بداية
القرن العشرين على شكل مشروعات أسرية تحولت
فيما بعد إلى شركات ومصانع ضخمة، وأصبحت هذه
الفكرة هي القاعدة التي انطلقت منها الدول
الآسيوية.
ويطالب
المنذر الجامعة العربية بضرورة إنشاء صندوق
خاص لتمويل حاضنات المشروعات الإنتاجية في
العالم العربي، بشرط أن يوضع في الاعتبار عدم
الربحية والتركيز على التوسع في نشر هذه
المشروعات في معظم الدول العربية خاصة تلك
التي تواجه أزمة بطالة طاحنة مثل مصر وسوريا
والجزائر والسودان.
الحكومة
واقتراحات
غير
أن الحكومة المصرية التي تهتم بتنمية
المشروعات الصغيرة لتكون أحد القطاعات
المستوعبة للعاطلين، بدأت في الاهتمام في
إخراج الحاضنات من أزمتها.
فيقول
د. حاتم القرنشاوي أستاذ الاقتصاد بجامعة
الأزهر المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء
المصري: إن الحكومة المصرية انتهت من إعداد
مشروع قانون يرتبط بالمشروعات الصغيرة سيتم
عرضه على مجلس الشعب لإقراره؛ حيث يتضمن
إعفاءات وتسهيلات لصغار المنتجين، كما سيكون
لمنتجاتهم أولوية ويحصلون على نصيب من
توريدات الحكومة والإعفاءات الجمركية.
ووفقا
للقرنشاوي فسيكون لهذا القانون تأثير إيجابي
ملموس على واقع التنمية في مصر خاصة فيما
يتعلق بتنشيط فكرة حاضنات المشروعات
المتكاملة.
لكن
يطالب جمال البيومي المصارف ومؤسسات التمويل
العربية بتوجيه جزء من مدخراتها لإنشاء
حاضنات لمشروعات الشباب، وهذا النظام معمول
به في الدول المتقدمة تحت ما يسمى بـ"رأس
المال المخاطر"، وهو يقوم على أساس أن
البنك يمنح شباب حاضنات المشروعات قروضا لبدء
المشروعات لمدة 5 سنوات، إذا نجح المشروع يبدأ
في تسديد القرض بطرق ميسرة تتناسب مع أوضاع
المقترض، أما في حال فشل المشروع فيقوم البنك
بالتنازل عن حقوقه.
تابع في نفس الملف:
(*)
يجب ملاحظة أن مفهوم الحضانة لا يقتصر فقط على
رعاية المشروعات الصغيرة حيث هي فكرة قد تمتد
لمجالات أخرى اجتماعية وعلمية وثقافية،
فمثلا "حاضنة إقليمية" تخدم منطقة
جغرافية معينة بهدف تنميتها، وتعمل على
استخدام الموارد المحلية من الخامات
والخدمات، واستثمار الطاقات الشبابية
العاطلة في هذه المنطقة، وخدمة آليات معينة
وشريحة من المجتمع مثل المرأة.
|