 |
|
بائع متجول
يبيع خبزا في مصر |
التصقت صفة
"العشوائية" بالتجارة القائمة على البيع بالتجول؛ ذلك لأنها تقع خارج نطاق المؤسسة/
الدولة، وقد تم تصنيفها على أنها اقتصاد غير رسمي informal Economy
حسب تعريف جوردن مارشال في موسوعة علم الاجتماع، حيث لا يمكن قياس إسهاماتها في
الناتج القومي الإجمالي (GNP)، أو لكونها من الأعمال
التي يصعب تحصيل ضرائب عليها، فالقوانين التي تنظم العلاقة بين التجارة والدولة هي
فقط ما تكتسب صفة الشرعية/ الرسمية، أما غير ذلك فهو خارج هذه الصفة.
وصفة "العشوائية"
تحمل داخلها معنى محددًا يوحي بأن تلك التجارة تعمل بشكل ارتجالي، وبلا منطق
اقتصادي، بالرغم من استمرار هذا الفعل التجاري بنجاح في دول العالم الثالث، ومن هذا
المنطق كان لا بد من فهم طبيعة هذه التجارة ومبادئها وآليات عملها الاقتصادي/
الاجتماعي، بعيدًا عن الصفات الملصقة بها.
التجول مقابل الثبات
تنقسم عمليات البيع
بشكل عام إلى نوعين رئيسيين، أولها يعتمد على التمركز/ الثبات في موقع محدد ومعلوم
(متجر)، وهذا الموقع ينشده المشتري من أجل ابتياع كافة مستلزماته منه [خضر، فاكهة،
بقالة، عطارة، منتجات ألبان، أدوات كتابية، ملابس، أحذية... إلخ)، ولا يمكن أن ينشأ
هذا المتجر إلا وفق العديد من الضوابط القانونية بين صاحب المتجر والسلطات المعنية
بهذا الأمر [تراخيص مزاولة مهنة - شهادة طبية - سجل تجاري... إلخ]، بما يوفر له
القدرة على البيع والاستمرار في المكان دونما أي خروج على القانون.
وما سبق لا يمكن
تحققه إلا في ظل وجود قدرة اقتصادية/ مالية، لدى البائع مثل [إيجار المكان - فاتورة
الكهرباء/ المياه - سداد الضرائب - التأمين على النفس والغير... إلخ]، يتحقق له صفة
التجارة الرسمية.
لكننا نجد على الجانب
الآخر من تلك المنظومة الاقتصادية "البائع المتجول" والذي يلجأ إلى مزاولة التجارة
خارج الثبات المكاني؛ وذلك لانعدام قدراته الاقتصادية على تحقيق كل هذه الالتزامات
السابقة؛ لذلك يلجأ إلى ممارسة التوجه إلى المشتري بدلاً من توجه الأخير إليه، وهو
هنا يوفر عليه الانتقال إلى السوق، أو المحال التجارية التي قد تقع بعيدًا عن
منزله.
وترتبط قدرة البائع
المتجول على نقل البضائع بأربع وسائل:
1- حمل البضائع
على رأسه: (مثل بائع الأطباق البلاستيكية الذي يحملها في قفص من الجريد، ويدور بها
في الأحياء الشعبية).
2- وضع
البضائع على عربة خشبية ذات عجلات [مثل الخضر، الفاكهة، أو باعة الأشياء القديمة].
3- وضع
البضائع على عربة خشبية يجرها حيوان (حصان أو حمار)، وهي ذات كمية أكبر من سابقتها.
4-
وسائل النقل الخفيفة [صندوق خشبي ذو ثلاث عجلات].
منطقة النفوذ
 |
|
أندونيسي يبيع أطباق
بلاستيك في شوارع جاكرتا |
وهذا البائع لا يتحرك
وفق مخطط ارتجالي/ عشوائي، وإنما وفق دراسة اقتصادية قطرية تعتمد على تحديد منطقة
نفوذه/ حركته أو مربع عملياته، فهو يرتكن في حركته على الشوارع الجانبية والتي يجب
أن تكون بعيدة تمامًا عن الأسواق، وذلك لكي يتجنب الصدام مع الباعة الثابتين والذين
قد يهاجمونه في حالة دخوله في نطاق مجال نفوذهم.
ومن خلال تجوله يحدد
أي الطرقات تمتاز بكثافة القوة الشرائية والتي تساعد في إنهاء بضاعته وتجوله في
أسرع وقت، كما أنه يحدد أيضًا طبيعة المشترين وقدرتهم على المساومة وخفض السعر
وبناء على هذا يقوم برفع السعر أو خفضه تبعًا لنوعية المشترين وقدراتهم المالية،
فالسعر المعلن للبائع المتجول يختلف تمامًا في بداية دورة تجوله عن نهايتها، حيث إن
المكسب قد تحقق في نهاية اليوم؛ ولذا يسعى للتخلص من بضاعته حتى لا تفسد، كما أنه
يعي تمامًا المتغيرات المناخية في تجوله، فاليوم الصيفي يختلف عن اليوم الشتوي،
وهذا يؤثر على سعر البضائع سواء بالارتفاع أو الانخفاض.
مبدأ الألفة
يعتمد البائع المتجول
على مبدأ "الألفة" الذي ينشأ بتكرارية مروره من الطرقات يوميًّا، وهذا المرور
المتكرر يمكنه من التعرف على المشترين عبر صوته (البعض له أغان مميزة ينادي بها على
سلعه) أو شكله، كما أنه يتعرف عليهم، فهناك العجائز اللاتي لا يتمكنّ من الذهاب إلى
السوق، وهناك أيضًا من لا يذهبون لأسباب طبقية (ذوي دخول مرتفعة نسبيًّا).
كما أن مساعدي هذا
البائع إما أن يكونوا أولاده أو أبناء أخ/ أخت، وهم من يضعون البضائع في السلال
المدلاة من الشرفات أو يوصلونها إلى أبواب الشقق السكنية إذا كانت من الوزن الثقيل،
وذلك مقابل "بقشيش" لهم والذي يدخل إلى ميزانية البائع أو جزء منه.
التجارة الداخلية
المتجولة
إن عملية البيع
المتجول قد أخذت عدة أشكال متعددة، وقد حاولت الشركات الكبرى محاكاة الباعة
المتجولين بإيصال منتجاتها إلى المستهلكين في منازلهم، إلا أن هذه التجربة في بعض
الدول العربية باءت بالفشل؛ لأن هذه الشركات فاتها عنصر هام جدًّا في عملية البيع
وهو "خصوصية المنزل" وعدم الرغبة في اقتحام هذه الخصوصية، بالإضافة إلى افتقاد
هؤلاء الباعة (مندوبي المبيعات) لـ"مبدأ الألفة" والذي يعتمد على تكرارية المرور
والتعود على هذا البائع، ومن ثَم يتم له السماح بالصعود وإيصال الطلب إلى المنزل،
فضلاً عن التشكك في جودة هذه البضائع التي يحملها المندوبون وعدم تصديق المشترين
كونهم ممثلين للشركات التي يحملون بضائعها، أو بطاقاتهم الشخصية.
داخل المصالح
الحكومية
وانتقلت عملية البيع
المتجول إلى منطقة عمل جديدة، فقد بدأ بعض صغار الموظفين خاصة في المصالح الحكومية
بممارسة هذا النمط من البيع في مجال مكان عملهم، وقد لجئوا إلى هذا بسبب انخفاض
رواتبهم، والتي تتيح هذه التجارة زيادتها بشكل كبير، وهم يعتمدون على البيع القطاعي
أو بالتقسيط مع زيادة الثمن.
وتقوم اقتصاديات تلك
التجارة الداخلية المتجولة على أن يكون نطاق السوق -مكان العمل- ذا كثافة عددية
كبيرة ويعتمد البائع على قياس إمكانية نجاحه في تسويق منتجاته "بمجسات اختبار
اقتصادية" تعتمد على المستلزمات الاستهلاكية اليومية مثل (أغطية الرأس النسائية،
الجوارب،... إلخ).
وفي بدء دورة البيع
يعتمد البائع على تقديم صورة اجتماعية أساسية لا يمكن مقاومتها من قبل المشترين،
فهو يحاول أن يزيد دخله أو يقوم بالاستعداد للزواج، أو هو مسئول عن أسرة كبيرة،
وهذه الصورة هي المفتاح الأساسي لنجاح هذه النوعية من التجارة، فهذا الشق الإنساني
والتراحمي هو الذي يحرك الرغبة في الشراء لدى الكثير من الموظفين من أجل مساعدة هذا
الزميل البائع.
وتعتمد إستراتيجية
البائع على استغلال المواسم والأعياد والمناسبات، فعملية تغير الفصول المناخية صيف
شتاء، وكذلك الأعياد: عيد الفطر والأضحى، وأيضًا فترة بدء الدراسة هي أهم فترات
نشاط عملية البيع المتجول والتي تتركز في الملابس بمختلف أشكالها وكذلك الأحذية،
بالإضافة إلى الحقائب المدرسية والأدوات الكتابية.
وبحلول شهر رمضان
تنشط عملية بيع الكتب الدينية، أما العطور وأدوات المكياج الرخيصة والشامبوهات
والمفارش البلاستيكية، والملابس القطنية، والأكواب الزجاجية، وعبوات ماكينة الحلاقة
البلاستيكية، وولاعات السجائر، والنظارات الشمسية... هي بضائع يستمر تصريفها على
مدار العام، أما ساعات اليد ودلايات العنق والأقراط، فترتبط بمناسبات مثل عيد الأم
وأعياد الميلاد إلا أن الأخيرة تكون بالطلب المسبق من البائع.
السمعة وتقدير الظروف
يستند البائع على
انتشار سمعته التجارية وذيوع صيته بين جموع الموظفين، وكذلك على تقديمه لبضائع أرخص
سعرًا من مثيلاتها المعروضة بالمحال القريبة من مقر العمل، ودائمًا ما يرشد البائع
الموظفين إلى أماكنها للتدليل على رخص ما يعرضه. وتدخل أيضًا جودة البضائع
والمنتجات في التأثير على سمعته كماركة تجارية، وكلما ازدادت شهرته ازدادت الثقة
فيه واتسع نطاق عملياته التجارية، بل ويكلف البائع الموظف مثلاً بأن يكون مسئولاً
عن تجهيز كافة مستلزمات الفتيات المقبلات على الزواج.
إلا أن البائع
المتجول لا يدخل في نطاق استجلاب السلع المعمرة الثقيلة والمكلفة (ثلاجة، غسالة،
تلفزيون)، فهو دائمًا يتحرك في نطاق مالي يعتمد على السلع ذات الأثمان التي يمكن
استرداد أقساطها من مرتبات الموظفين، ودونما إحساس بثقل هذا القسط سواء على البائع
أو المشتري، فهو لا يضع رأس ماله في سلعة واحدة أو أكثر وإنما يعتمد على الانتشار
السلعي لنوعيات رخيصة أو متوسطة السعر.
إن "البائع الموظف"
عند تحصيل الأقساط الشهرية المستحقة من الموظفين لا يتسم بالصرامة والحدة التي قد
تكون قائمة بالمحال التجارية التي تقوم بالتقسيط، فالظروف الشخصية والتي قد تعثر
المشتري عند السداد لأحد الأقساط مثل المرض أو وفاة أحد المقربين هي محل تقدير من
البائع والذي يمتنع عن التحصيل في هذا الشهر مما يزيد من شعبيته.
والفراشون هم عنصر
فاعل وحيوي في عملية البيع الداخلي المتجول في المصالح الحكومية، فهم يمثلون عنصر
الحماية وأجهزة الإنذار لدى البائع، فأحدهم يصاحبه في جولاته الداخلية بأدوار
المبنى حاملاً حقيبة البضائع، وهو من يساعده في العرض، وأيضًا يقف ليرصد حركة كبار
الموظفين في حالة مرورهم على المكاتب فينبه الموظف البائع، فضلاً عن أنه هو المسئول
عن تخزين البضائع في الدواليب وإحكام غلقها، وذلك يتم مقابل أجر شهري يدفعه البائع.
إن هذا النمط من
التجارة المتجولة قائم وفاعل بشكل أصبح منتشرًا ولا يمكن إغفاله، إلا أنه يستند إلى
أسباب اجتماعية واقتصادية تختص بمحيط دول العالم الثالث، ولا يمكن لأية اتفاقيات
دولية أن تجهز عليه أو تمحوه من الوجود، بل إنه قد يزداد!!.
انظر نماذج للبيع
المتجول في دول مختلفة:
**
كاتب مصري