بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مسلمو اليونان وتحديات الرزق

2003/12/10

أثينا- د. خالد شوكات **

صورة أرشيفية لمدينة أثينا

ظلت اليونان إلى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين بلدا مصدرا للمهاجرين، حيث كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة والتقلبات السياسية العاصفة تدفع باستمرار اليونانيين إلى البحث عن فرص عمل وموارد رزق في بلدان الجوار القريب والبعيد على السواء، حتى إن المورد الأول لخزينة الدولة اليونانية لم يكن -إلى عقدين سابقين- إلا تحويلات أبناء الأقليات اليونانية المهاجرة المنتشرة في قارات العالم الخمس تقريبا، تماما كما هو شأن بعض الدول العربية والإسلامية اليوم.

غير أن انضمام اليونان إلى حظيرة الاتحاد الأوروبي سنة 1986 قد قلب موازين العلاقة بين بلاد الإغريق والمهاجرين رأسا على عقب، فبعد أن كان اليونان بلدا مصدرا للمهاجرين أصبح اليوم من أكثر الدول الأوروبية استقبالا للمهاجرين، وقد زاد أوضاعه تعقيدا الموقع الجغرافي المتميز بين الشرق والغرب، والحدود البحرية والبرية الشاسعة؛ وهو ما جعله ممر عبور لأنواع عدة من المهاجرين واللاجئين، ناهيك عن الراغبين في الاستقرار فيه بشكل نهائي.

وسواء أتعلق الأمر بمهاجرين اقتصاديين قدموا بهدف الاستقرار المؤقت أو الدائم، أم بلاجئين ومهاجرين سريين ينوون اتخاذ البلد محطة عبور انتقالية إلى بقية دول أوروبا الغربية، فإن الثابت أن 80% على الأقل -بحسب مصادر المنظمات غير الحكومية- من مهاجري اليونان ينحدرون من دول إسلامية وعربية، تأتي في مقدمتها ألبانيا المجاورة، ثم دول أخرى كالعراق وإيران ومصر وسوريا وأفغانستان وتركيا.

العدد غير معروف

إن أول مشكلة تعترض الباحث في أوضاع مسلمي اليونان الاقتصادية والاجتماعية هي عدم وجود مصادر رسمية تحدد عددهم على وجه الدقة، فكل ما يمكن أن يعثر عليه بهذا الصدد تقديرات غير رسمية تعود غالبيتها لجهات غير حكومية، وتتباين الأرقام فيها بشكل صارخ في كثير من الأحيان.

ويعود تباين الإحصاءات غير الرسمية لمسلمي اليونان إلى عدة عوامل، لعل أهمها الآتي:

  • الإقامة غير القانونية لعدد كبير منهم، خصوصا أولئك الذين قدموا إلى البلاد كلاجئين أو مهاجرين سريين ويريدون العبور منها إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، على الرغم من اضطرار غالبيتهم إلى الاستقرار شهورا بل سنوات، وإلى البحث عن عمل غير مصرح به لتوفير متطلبات العيش.

  • تشكيل المهاجرين الألبان -الذين يمثلون أكثر من نصف المسلمين تقريبا- حالة خاصة، فهؤلاء بحكم الجوار الجغرافي غير مستقرين، حيث يفضل كثير منهم العمل لمدة أشهر في اليونان ثم العودة إلى ألبانيا لفترة قد تطول أو تقصر، حيث يسهل التسلل بين البلدين بعيدا عن رقابة السلطات. كما أن عددا كبيرا من الألبان المسلمين يضطرون إلى تزوير هويتهم الدينية والزعم بأنهم مسيحيون لنيل عطف المؤسسات الكنسية النافذة في البلاد والسلطة.

  • عدم تطور قوانين الهجرة والأقليات -بما يكفي- في اليونان، والتغيير المستمر للقوانين المنظمة لإقامة الأجانب في هذا البلد حديث العهد باستقبال المهاجرين، بما يجعل مهمة السلطات المختصة في تحديد عدد الأجانب المقيمين على وجه الدقة بشكل شرعي صعبة ومعقدة.

  • عدم اعتراف السلطات اليونانية إلى الآن بالأقليات الدينية والقومية، على الرغم من الطابع العلماني للدولة، وبقاء هيمنة الكنيسة الأرثوذكسية على أجواء البلد العامة؛ وهو ما لا يشجع أبناء هذه الأقلية على الإعلان عن أنفسهم خشية التمييز والمتابعة.

  • ترامي الرقعة الجغرافية لليونان، حيث يتكون البلد من آلاف الجزر المتناثرة بين البحرين المتوسط وإيجة؛ وهو ما يجعل بعض الأقاليم بمثابة دول مستقلة، كما يجعل رقابة السلطات فيها أقوى أو أضعف بحسب اعتبارات تحددها السلطة المركزية في أثينا. ويفضل عدد كبير من المهاجرين المسلمين العيش في الجزر اليونانية النائية، بعيدا عن رقابة الأجهزة الأمنية.

على هامش الاقتصاد

وبشكل عام فإن مسلمي اليونان -الذين تتراوح التقديرات الرسمية في إحصاء عددهم بين 500 ألف ومليون نسمة- يعيش غالبيتهم على هامش الدورة الاقتصادية، أو يشكل غالبيتهم بالأحرى ركيزة اقتصاد الهامش المتمثل في عمال البناء والتنظيف والمقاهي والمطاعم والفنادق، فضلا عن انخراط عدد كبير منهم في عالم الجريمة المنظمة، خصوصا المنحدرين من أصل ألباني الذين تسيطر عصاباتهم على تجارة الجنس والدعارة والمخدرات.

وقد جلب التواجد في هامش الدورة الاقتصادية على المهاجرين المسلمين في اليونان الكثير من الصعوبات والمشاكل، التي تسببت في كثير من الأحيان في إعاقة قدراتهم على تنمية أوضاعهم ومواردهم واكتساب قوة مالية واقتصادية تمكنهم في المدى المنظور من الضغط على السلطات، في اتجاه تطوير التشريعات الخاصة بالإقامة والحقوق السياسية والثقافية والدينية.

وعلى الرغم من ذلك فقد أشارت دراسة أصدرها البنك الأهلي اليوناني في عام 2003 إلى أن المهاجرين المسلمين أصبحوا يشكلون ما يقارب 10% من القوة العاملة في اليونان، وأن إيداعاتهم في البنوك قد تكون تجاوزت 2.5 مليار يورو، موزعة على ما يزيد عن 200 ألف حساب مصرفي.

ويشكل حجم الإيداعات المصرفية لمسلمي اليونان، بحسب الدراسة نفسها ما يعادل 50% من الدخل القومي الخام لبلد كألبانيا، أو 5% من الناتج الخام لدول كبلغاريا أو رومانيا، وكافة الدول المذكورة تعتبر من الدول الأكثر فقرا في أوروبا.

وتؤكد دراسة البنك الأهلي اليوناني على عجز المهاجرين المسلمين في اليونان عن استثمار إيداعاتهم المصرفية بشكل جيد ومجدٍ، حيث تنحصر معاملاتهم المالية عادة على الإيداع أو تحويل مبالغ إلى عائلاتهم وذويهم في الدول الأصلية؛ وهو ما يعني اقتصار ربحهم على ما تسنده المصارف من فائدة على ودائعهم، ضمن نسب تظل محدودة جدا، قياسا بالاستثمار المباشر للأموال.

محاولات للخروج

لقد لعبت التشريعات اليونانية المنظمة لإقامة الأجانب -والمتخلفة قياسا بما هو سائد في باقي دول الاتحاد الأوروبي- دورا في عرقلة النمو الاقتصادي للمسلمين، حيث كانت هذه التشريعات تحظر على الأجانب حتى سنة 1997 -وهو تاريخ اعتماد الحكومة ما يعرف بنظام "البطاقة الخضراء"- حقوق الملكية وإنشاء الشركات.

وقد ساهم نظام "البطاقة الخضراء" المذكور -الذي يشبه إلى حد كبير النظام المعتمد في الولايات المتحدة الخاص بشئون إقامة الأجانب- في إفساح المجال أمام العديد من المبادرين من أبناء الأقلية المسلمة لإقامة مشاريع اقتصادية مملوكة لهم بالكامل، وتتراوح غالبيتها بين الحجمين الصغير والمتوسط.

وتتوزع غالبية المشاريع الاقتصادية للمسلمين في قطاعات التجارة والسياحة والخدمات، حيث أصبحت المطاعم المصرية واللبنانية ظاهرة لافتة في جل المدن اليونانية الكبرى، كأثينا وسالونيك، كما أنشأ العديد من المهاجرين المسلمين محلات "سوبر ماركت" و"كافيتريات" ومحلات لبيع الملابس الجاهزة المصنوعة عادة في كل من مصر وسوريا وتركيا، بالإضافة إلى إنشاء البعض لمدارس خاصة لتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي، تعمل على أساس ربحي، إذ تقدم خدماتها التربوية والتعليمية في مقابل رسوم مالية.

ومع ازدياد عدد المهاجرين المسلمين في اليونان خلال السنوات الأخيرة فقد أقدم عدد من التجار المسلمين على إنشاء محلات خاصة بتركيب وصيانة أجهزة "الدش"، لتعلق غالبية العائلات المسلمة بمتابعة القنوات التلفزيونية لبلدانها الأصلية، كما ظهرت الأفران والمخابز التي تصنع الخبز على الطريقة المعتادة في بعض الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى ظهور صحف ومؤسسات إعلامية خاصة مملوكة لمهاجرين عرب ومسلمين، على غرار جريدة "بانوراما" نصف الشهرية التي توزع في مختلف المدن اليونانية، وجريدة "الضفتان" وهي صحيفة نخبوية نسبيا.

تحديات لا بد من تذليلها

إن تنمية الواقع الاقتصادي لمسلمي اليونان ستظل -على الرغم من كافة المحاولات الإيجابية المرصودة- مرتبطة بقدرة المسلمين على تذليل الكثير من العقبات والتحديات المطروحة عليهم، وكذلك بالتطورات القانونية والسياسية والثقافية للمجتمع والدولة اليونانيين، على نحو يتماشى مع ما هو مستجد على صعيد دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، من تحولات إيجابية تؤكد في مجملها على ضرورة إضفاء مزيد من التعددية ومنح الأقليات المزيد من الحقوق والآليات التي تمكنها من إفادة المجتمع الذي تعيش فيه من جهة، والحفاظ على كينونتها من جهة ثانية.

ولعل أهم ما يمكن ملاحظته بالنسبة للوضع الاقتصادي للمسلمين في اليونان هو خلو هذا البلد -الملتحق حديثا بنادي الدول المتقدمة- من أية استثمارات عربية وإسلامية خارجية، خلافا لما عليه الحال في عدد من الدول الغربية، الشيء الذي لم يحفز باستمرار الدولة اليونانية -التي تمتلك علاقات صداقة وثيقة مع عدد كبير من الدول العربية- على النظر في موضوع حقوق الأقلية المسلمة بالأهمية والسرعة المطلوبين.

ويبدو التحدي الثاني الأبرز المطروح على مائدة مسلمي بلاد الإغريق الاقتصادية هو مسألة انخراط عدد كبير من المسلمين الألبان المقيمين في اليونان في دوائر النشاط الاقتصادي المحظور، وهي دوائر الجريمة المنظمة الثلاث: الدعارة والمخدرات والأسلحة، ولطالما تساوت في نظر الكثير من اليونانيين -للأسف الشديد- كلمتا "مسلم" و"مجرم" بسبب المعادلة الفاسدة التي ساهمت عصابات الجريمة المنظمة الألبانية في ترسيخها، لا في اليونان فحسب، بل في عدد كبير من الدول الأوروبية.

أما التحدي الثالث والأهم فهو طموح المسلمين أنفسهم، حيث ينتمي غالبيتهم إلى فئة العمال والحرفيين البسطاء المضطرين إلى البحث عن العمل كأجراء متواضعين في غالب الأمر، وهو ما يجعل فوائض دخولهم المالية متواضعة، وقدراتهم الاستثمارية محدودة.

المراجع:

  • جريدة بانوراما الصادرة في أثينا، العدد 114، أكتوبر 2003.

  • تقرير البنك الأهلي اليوناني، سبتمبر 2003.

  • حوارات شخصية أجريت مع عدد من المهاجرين المسلمين خلال زيارة إلى أثينا ومدن يونانية أخرى جرت في شهر أكتوبر 2003.

اقرأ أيضا:


** مراسل "إسلام أون لاين.نت" في هولندا وقام بكتابة هذا الموضوع أثناء زيارة له لليونان.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 6/7

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع