|
في
الأول من مايو 2004 يمحى أو يتغير خط تقسيم
أوروبا الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية
بصيغته القديمة على الأقل. ويبلغ في هذا اليوم
عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 25
دولة، وذلك بانضمام دول البلطيق السوفيتية
السابقة (إستونيا وليتوانيا ولاتفيا)، ودول
وسط أوروبا (تشيكيا والمجر وبولندا وسلوفاكيا
وسلوفينيا)، إضافة إلى جزيرتي المتوسط: (مالطا
والجزء اليوناني من قبرص) إلى الاتحاد
الأوروبي كأعضاء كاملي العضوية.
ولكن
محو خط تقسيم أوروبا ليس بالوضوح المطلق؛ حيث
تدرجت ألوان وآثار خط التقسيم السابق، وهو
يمحى أو ينتقل أو يتجه نحو الشرق. فرومانيا
وبلغاريا وتركيا تقف الآن كأبرز المرشحين
لعضوية الاتحاد الأوروبي، وتلي مرتبة الدول
الثلاث دول الاتحاد اليوغسلافي السابق
وألبانيا، وأخيرا أوكرانيا التي حصلت في قمة
"يالطا" التي جمعتها بداية أكتوبر 2003 مع
رئاسة الاتحاد الأوروبي على وعد لإطلاق
مباحثات الانضمام إلى الاتحاد في عام 2011. وحتى
بقية دول شرق أوروبا (روسيا وروسيا البيضاء
ومولدافيا) انتقلت إلى ما يعرف باقتصاد السوق
بغض النظر عن قضية طبيعة علاقاتها بالاتحاد
الأوروبي.
بعد
هذه التطورات التي بدأت بانهيار جدار برلين
فقَد مصطلح "شرق أوروبا" معظم معانيه
السياسية والاقتصادية والأيديولوجية، وأصبح
هذا المصطلح جغرافيا صرفا، ولكن هذه التطورات
العاصفة التي اجتاحت المنطقة، وغيرت خط
التقسيم من البداهة أن تترك بعض الفوارق على
ضفتي الخط السابق من حيث طبيعة تطور
الرأسمالية، ومن حيث طبيعة القوى الاقتصادية
والسياسية المتنفذة، وحالة الأجور والأسعار،
والنظرة إلى الخارج، ومعرفة الآخر: شعوبا
وحكومات وثقافات.
وهنا
يطرح سؤال مهم: هل في ظل هذه المرحلة الجديدة
في شرق أوروبا توجد بعض المنافذ التي تقدم
لرجال الأعمال العرب بعض الامتيازات أو
الميزات الاقتصادية في المرحلة الراهنة؟
إن
الإجابة بـ"نعم" قد لا تبدو متعجلة، أو
أنها لا تحظى بالفحص الضروري، ولكن عرض
المبررات قد يسمح للمعنيين باستقبال "نعم"
بشيء من الثقة، أو على الأقل بالاستعداد لبحث
الأسواق الناشئة في شرق أوروبا.
فبعد
الإعلان عن قيام الاتحاد الأوروبي الموسع (أي
25 دولة) ستصبح أراضي 8 دول من شرق أوروبا جزءا
أصيلا من الاتحاد الأوروبي، تستند إلى
القوانين ذاتها الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية، وهذا الوضع يوفر للمستثمر في
شرق أوروبا الامتيازات ذاتها في غربها، ولكن
بشرط أكثر يُسرا؛ لأن هذه الدول بحاجة ماسة
أكثر من الأعضاء القدامى للاستثمارات
الأجنبية، كما أن دول شرق أوروبا يمكن أن تكون
بمثابة رأس جسر إلى أوروبا بأكملها، خاصة
بالنسبة إلى الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة.
ومما
يساعد في تطور الاستثمارات العربية في شرق
أوروبا أن القيادات السياسية الجديدة في هذه
المنطقة ما زالت تعتقد أن علاقاتها مع الدول
العربية توفر لها فرصا ثنائية إيجابية
ومقبولة جدا. ويسوق أصحاب هذا الرأي لتأكيد
مقولتهم أن معظم قادة دول شرق أوروبا يظهرون
اهتمامهم بالدول العربية في بداية تسلمهم
للسلطة.
مشروع
باذنجان
وتوضح
بعض التجارب أن دول شرق أوروبا ما زالت أرضا
بكرا لاكتشاف بعض المواد لغرض التصدير أو
الإنتاج، ولنأخذ على سبيل المثال ثمرة
الباذنجان في براغ العاصمة التشيكية؛ حيث كان
يوجد في مركز المدينة في بداية التحولات عام
1989 معرض واحد لبيع الفواكه والخضراوات يجلب
سنويا كمية من الباذنجان، ربما لا تكفي
لاستهلاك عائلة واحدة خلال الموسم، ويشتريها
الناس لمعرفة هذه المادة السوداء على سبيل
الفضول ليس إلا، وكان استخدامها ينحصر بتقطيع
الباذنجان الذي يباع بالمفرد، ويوضع عليه
الملح، ويؤكل دون أي نوع من أنواع الطبخ.
وبفضل شروحات الطلبة العرب انتشر استخدام
الباذنجان في العاصمة، ولم تعد محلات بيع
الفواكه والخضراوات تستغني عن عرض هذه المادة
التي كانت مجهولة سابقا، وهذا المثال قد
ينطبق على كل الفواكه والخضراوات غير
المعروفة في شرق أوروبا.
والخبز
أيضا
والمثال
الآخر هو الخبز؛ حيث تعرف براغ أنواعا عديدة
منه، ومعروف على النطاق العالمي أن الخبز
يشكل ليس مادة غذائية وحسب، وإنما مادة
سياسية؛ حيث ارتبطت هذه المادة بالثورات
والاستقلال والصراع السياسي وغيره.
وقبل
حوالي 5 أعوام فقط دخل "الخبز العربي"
أو ما يسمى "أرابسكي خليب" إلى السوق
المحلية بقوة، وجلب اهتمام وشهية الناس.
وفي
ظل هذه الظروف الدولية التي تحاول أن تجعل كل
ما هو "عربي" يعني اللعنة.. يشكل الخبز
العربي دعاية طيبة؛ لأنه ليس مادة غذائية
فحسب، وإنما يعني ذوقا معينا من الغذاء؛ فحتى
الذي لا يحب العرب في براغ لا يستغني عن شراء
الخبز العربي الذي يستخدم أيضا لصناعة "البيتزا"
الإيطالية. لقد فرض هذا الخبز نفسه كحقيقة
تجارية وغذائية ومشروع عمل.
إن
تاريخ دخول الخبز العربي إلى براغ بدأ في عام
1989 عن طريق مطعم هندي افتتح في مركز المدينة،
وبدأ يقدم شيئا يشبه الخبز العربي، تحديدا
رغيف الخبز العربي تحت اسم "نان"، وبدأت
الجالية العربية تشتري كميات كبيرة من هذا
الخبز إلى أن توقف إنتاجه نهائيا بعد بضعة
أشهر لأسباب تخص المطعم نفسه.
لقد
كانت التجربة الأولى التي علقت في ذهن بعض
المستثمرين الصغار من الطلبة العرب، وبدأت
أولى التجارب العربية قبل بضعة أعوام بفتح
فرن لإنتاج الخبز العربي، وتسويقه تجاريا،
وتوسعت هذه التجربة بعد افتتاح أفران أخرى،
ونستطيع أن نقول اليوم: إن العرب يطعمون براغ
خبزا عربيا!
والنماذج
السابقة محدودة من ناحية حجم الاستثمارات،
وتعتمد على فكرة بسيطة؛ وهي إملاء فراغ ما،
ونقل بضاعة ثقافية أو استهلاكية تعرف لأول
مرة، وهذا طبعا يكون بالاتجاهين؛ فمثلا هناك
تجار عرب صغار يشترون كميات صغيرة من أحجار
الصوان (الجرانيت) من الجمهورية التشيكية
لنقلها إلى بعض الدول العربية، وقد حققت هذه
التجارة الصغيرة منافع مهمة لأعداد من التجار
الصغار، بالمقابل يمكن نقل أنواع لا حصر
لها من المشغولات اليدوية العربية، خاصة تلك
المشغولات التي تستخدم كهدايا في الأعياد
والمناسبات الشخصية.
السياحة..
السياحة
أما
بالنسبة للاستثمارات المتوسطة ففي البدء
يطرح سؤال عن نوعية المجالات المتوفرة؟ حاليا
يبدو مجال السياحة هو الأوفر حظا في شرق
أوروبا. حيث إن الكثير من مواطني هذه المنطقة
لديهم ميل لزيارة الدول العربية، وبصفة خاصة
تلك التي تملك شهرة تاريخية مثل مصر ولبنان؛
فعلى سبيل المثال ارتفع عدد السياح العرب إلى
الجمهورية التشيكية من 7 آلاف سائح في عام 2002
إلى 15 ألفا في عام 2003.
وفي
المقابل ازدهرت السياحة العربية إلى شرق
أوروبا بسبب عدة عوامل؛ منها:
-
أن موضوع الحرب على ما يعرف بالإرهاب تحول
موضوعيا إلى ضغوط تمارَس على السائح العربي
في الولايات المتحدة والغرب عامة؛ مما أدى
إلى تغيير في اتجاه السياحة العربية؛ أي زاد
الاتجاه السياحي العربي والإسلامي شرقا.
-
اتساع المعلومات حول مزايا السياحة في شرق
أوروبا مثل اعتدال الأسعار وضعف دور القوى
العنصرية.
-
إلغاء الدول العربية لحالات الحظر التي كانت
مفروضة سياسيا ضد دول شرق أوروبا سابقا.
-
بعض الأقاليم والمدن في شرق أوروبا يمكن أن
تستهوي أعدادا من السياح العرب، خاصة تلك
التي ارتبطت في وعيهم بأحداث عاصفة، تعرض
فيها المدنيون الأبرياء إلى الاضطهاد
والتطهير العرقي، مثل البوسنة وكوسوفو
ومقدونيا وغيرها، ويشعر السائح العربي بشيء
من الارتباط الروحي مع المناطق المشار إليها.
دبلوماسية..
استثمارية
إن
المفارقة العجيبة في شرق أوروبا بالنسبة
للاستثمار العربي أن الاستثمارات الصغيرة
حلت محل الاستثمارات "الكبرى"، وأخذت
تلك الاستثمارات صيغة: دكاكين صغيرة، مقاه
عربية، مطاعم جوالة... وهذه المؤسسات فضلا عن
كونها مصدر رزق لأصحابها تحولت أيضا إلى مصدر
دعاية إيجابية، تؤدي دورا يفوق دور
الدبلوماسية العربية الرسمية، ويعوض غياب
الاستثمارات العربية الكبيرة، حكومية كانت
أم أهلية.
وأخيرا
يبدو من الضروري الإشارة إلى ما تقدمه دول شرق
أوروبا من امتيازات للمستثمرين على مختلف
مستوياتهم، ومنها ما يلي:
-
وجود قاعدة قانونية تخدم المستثمرين.
-
سهولة الحصول على تسهيلات ضريبية وإعفاءات،
خاصة في سنوات التأسيس الأولى للشركات بكل
أصنافها.
-
تدني الخوف من استثمارات الأجانب وخاصة العرب
مقارنة مع الغرب.
-
وجود مساحة واسعة للعمل في كل الحقول؛ أي ما
زالت الساحة تتسع لأعداد غفيرة من المتسابقين.
ومهما
تكن الشروط إيجابية فينبغي على المستثمر أن
يكون حذرا من مخاطر التعامل مع الشركات
الوهمية وخبراء الاقتصاد غير المرئي
والتجارة السوداء، كما أن المعرفة القانونية
والمحاسبية تعد صمامات أمان لنجاحه التجاري،
وصيانة عمله، والحفاظ على مكتسباته وأرباحه.
كما ينبغي على المستثمر أن يأخذ في اعتباره أن
أوساطا غير قليلة من السكان تنظر إلى عمليات
الخصخصة والاستثمارات الأجنبية منها بصفة
خاصة على أنها تندرج ضمن عملية يطلقون عليها
"عملية بيع البلاد".
وهنالك
دائرة أضيق من الناس تنظر إلى بعض
الاستثمارات الأجنبية كجزء من عملية التجريد
الموسع للصناعية الوطنية من مصادر الحماية
والدعم والامتيازات الضرورية، على حد
تقديرهم.
إن
العرض الذي تقدمنا به هو محاولة بسيطة وعامة
لفتح آفاق الاستثمار العربي في شرق أوروبا
للشباب الصغار ورجال الأعمال، على أن يتبعها
محاولات أكثر تفصيلا للفرص المتاحة في
القطاعات الاقتصادية التي يمكن الاستثمار
فيها في شرق أوروبا.
اقرأ
أيضًا:
**
أستاذ جامعي يعيش في
جمهورية التشيك.
|