بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

رفاهية بريمر أولا..!

2003/11/12

|بغداد- أ. د. أسامة عبد المجيد العاني **

عراقيون يتظاهرون من أجل توفير الدواء 

مضى أكثر من 6 أشهر على سقوط النظام في بغداد، والأحلام الوردية التي وعد بها المحررون تكاد من ضآلتها أن توصف بالندرة، ولم يتحقق الأمان المزعوم؛ فصوت الانفجارات يسمع يوميا في العراق، ولم تلب حاجات المواطن الأساسية من الوقود والكهرباء، رغم الحلول التي يعلن عنها بين الحين والآخر.

أما عن الخدمات الأخرى فحدث ولا حرج، فالمياه موعود بتحسينها والمشافي والكليات والمدارس ما زالت تئن من وطأة التدمير أو السلب والنهب، بل إن التي ظلت سليمة فيها بجهود المخلصين من أبناء هذا الوطن تخضع بين الحين والآخر لوطأة التهديد.

وقوات الاحتلال لا تقدم حلاً جذرياً، فهي مهتمة بتأمين نفسها من الهجمات التي تتصاعد ضدها يوما بعد يوم، والشرطة العراقية مغلوبة على أمرها، وفقدت احترامها وهيبتها.

أما عدد العاطلين عن العمل فهو في ازدياد، وظلت فرص العمل الموعود بها بعيدة المنال حتى وصل عدد العاطلين إلى 6 ملايين شخص، كما يدعي اتحاد العاطلين عن العمل، فيما يشير تقرير أعدته الأمم المتحدة بالاشتراك مع البنك الدولي صدر في شهرأكتوبر إلى أن 50% من قوة العمل العراقية عاطلون، أو لا يجدون عملا ثابتا في البلد الذي يبلغ عدد سكانه 26 مليون نسمة.

إن إلقاء نظرة سريعة على أبرز تطورات الاقتصاد العراقي خلال الأشهر الماضية سيكشف عن نتائج ليست في صالح المواطن العراقي.

تقسيم الموظفين

ربما يعد أبرز فعل اقتصادي مس حياة المواطن العراقي بعد الاحتلال هو تقسيم الموظفين بين مستمر في الخدمة ومعزول، فعزلت قوات الجيش والشرطة ووزارة الإعلام وغيرها من الدوائر بحجة ارتباطها مباشرة بأواصر النظام المخلوع. أما المسموح باستمرارهم في السلك الوظيفي فقد قسموا إلى درجات وظيفية خمسة، حددت رواتبها تارة بالدينار العراقي وتارة بالدولار الأمريكي. وتضاعف مقدار الدخل خصوصاً لموظفي الدرجة الرابعة والخامسة مقارنة بشهر مارس من العام نفسه.. فيا للكرم الذي أغدقته الإدارة المدنية على أفراد الشعب العراقي، وكأنها مساعدات إنسانية من الخزينة الأمريكية، ولكن حقيقة المبالغ المقدمة ما هي إلا أموال عراقية مودعة لدى البنوك الأمريكية قبل 2-8-1990 كغطاء لاعتمادات مستندية عراقية لدى البنوك الأمريكية يتراوح مقدارها ما بين (1.4 - 1.8) بليون دولار، وضعت قوات الاحتلال الأمريكي يدها عليها برئاسة بوش مخالفة بذلك مقررات الأمم المتحدة التي تنظم علاقة قوات الاحتلال بالبلد المحتل.

وخلافا لهذا الفعل الاقتصادي، فقد أدير العراق منذ احتلاله لصالح الشركات الأمريكية، فرفع العقوبات الذي تم بموجب قرار مجلس الأمن 1483 الصادر في شهر مايو 2003 أفسح المجال للولايات المتحدة للتصرف التام في ثروات العراق -خاصة النفط- وترسية العقود النفطية للجهات التي تراها مناسبة مثل (شركة هاليبرتون) الأمريكية، وكذلك شركة (بكتل) الأمريكية التي تولت مسئولية إعادة الإعمار في العراق بعقد قيمته 680 مليون دولار.

خصخصة وملكية أجنبية

وحتى تكتمل السيطرة الأمريكية فقد تحركت سلطات الاحتلال لخصخصة الاقتصاد العراقي

باستثناء قطاع النفط، وتم الإعلان في شهر أغسطس 2003 عن خطة لخصخصة 52 شركة حكومية تضم 186 مصنعًا تم تصنيفها إلى 7 فئات، هي: النسيج والأغذية والبناء والكيمياء والبتروكيماويات والصيدلة والهندسة. ولم تشر الخطة إلى مصير آلاف العمال العراقيين العاملين في هذه المصانع أو إمكانية فرض الاستعانة بهم على المشترين.

أعقب ذلك بشهر واحد فتح الباب للاستثمار الأجنبي في العراق؛ حيث أعلن وزير المالية العراقي كامل الكيلاني عن السماح بملكية كاملة للأجانب في كل القطاعات باستثناء الموارد الطبيعية، فضلا عن ملكية مباشرة ومشاريع مشتركة ومعاملة الشركات الأجنبية على قدم المساواة مع الشركات المحلية.

كما تضمنت قرارات الوزير السماح للمصارف الأجنبية بدخول العراق على شكل فروع أو مكاتب تمثيلية أو من خلال مشاريع مشتركة مع مصارف محلية. وكذلك السماح لـ6 مصارف أجنبية بامتلاك مصارف محلية بنسبة 100% في غضون السنوات الخمسة المقبلة.

وقد أصدر مجموعة من السياسيين ورجال الأعمال بيانا نشرته صحيفة الحياة يوم الأربعاء 12-11-2003 اعتبروا فيه أن إتاحة الملكية الأجنبية الكاملة دون قيود في جميع أنحاء العراق لها تداعيات خطيرة على مستقبل العراق، خاصة أنه أمر لم يحدث في أي بلد (تقريباً) من بلدان العالم. ومع أن الأمر يستثني قطاع مصادر الثروة الطبيعية فإن هذا الاستثناء ليس ذا قيمة فعلية كما يتضح من تصريحات وزير التجارة لإذاعة لندن التي أشار فيها إلى أنه يتوقع مساهمة الأجانب في تملك أصول النفط العراقية، وكما يتضح بدرجة أكبر من دعوات البعض لرهن النفط العراقي أو نقل الاحتياطي النفطي إلى الولايات.

ورأى البيان أن إباحة العراق للمستثمر الأجنبي قد تفتح الباب للاستثمار الإسرائيلي والصهيوني، كما أن عدم وضع قيود على الأموال الداخلة والخارجة إلى العراق يعني أن السلطة الوطنية العراقية في هذه الأحوال لا تملك القدرة على التصرف بحرية، لأن رأس المال الأجنبي قد يهرب ويؤدي إلى انهيار البلد اقتصادياً (كما حدث في بعض الدول الآسيوية). كما يزداد الأمر سوءا مع بيع القطاع العام، وهو ما يعني تسريح آلاف العمال وتحكم الأجانب في مصائر العراقيين.

واستفاد المحتل الأمريكي من هذا الواقع الاقتصادي المنفتح على الأجانب بأن جعله إغراء للدول الغربية الباحثة عن زيادة استثماراتها، وربما كان ذلك وراء وعد الدول المانحة في مؤتمر مدريد يومي 23 و24 أكتوبر 2003 بالمشاركة في إعادة إعمار العراق بما قدره 33 مليار دولار حتى سنة 2007. وأشادت الولايات المتحدة والسلطات العراقية الجديدة الموالية لها بنتائج هذا المؤتمر باعتباره يمثل "نجاحا"، وذلك رغم أن العراق يحتاج -كما يقول البنك الدولي والأمم المتحدة- إلى 56 مليار دولار للسنوات الأربعة القادمة.

الآفاق المستقبلية

بريمر أصدر قرارات تستنزف ثروات العراق

أما الآفاق المستقبلية فقد وردت في مقال صحفي تحت عنوان "عملية رفاهية العراق" للحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر في (وول ستريت جورنال) نشرت ترجمته في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 21-6-2003، ووضع فيه الحاكم المدني تصوراته حول الاقتصاد العراقي، محددا وسائل أساسية لتحقيق الرفاهية المزعومة تتمثل في الآتي:

1.تحقيق النمو الاقتصادي من خلال اعتماد آلية السوق وتفعيل دور القطاع الخاص ليتولى زمام المبادرة في النمو.

2.إعادة توزيع إجمالية للموارد والأشخاص بإبعادهم عن سيطرة الدولة لصالح المؤسسات الخاصة، أي ما يطلق عليه اصطلاحا (بالخصخصة).

3.تعزيز التجارة الخارجية.

4.حشد رأس المال المحلي.

5.حشد رأس المال الأجنبي (أي فتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي).

ويعترف السيد بريمر ضمنياً بأن هناك آثارا سيخلفها الصراع الهادف إلى تحرير الاقتصاد، ويركز على ضرورة توفر شرطين أساسيين لنجاح التحرير، أولهما ترسيخ القانون والنظام، والثاني تشكيل نظام سياسي يعكس أهداف كل العراقيين -أي بتصوره- وهو تصور الفكر الرأسمالي ككل، حيث تصور أن حرية السوق مقترنة بوجود النظام الديمقراطي.

ويستعرض بريمر في مقالته النتائج الاقتصادية السريعة المتمثلة في استئناف تصدير النفط العراقي الذي يتوقع زيادة قيمة صادراته عن 5 مليارات دولار مع نهاية العام الحالي، ويضيف بأنه تم وضع ما يزيد عن 400 مليون دولار من مشتريات الطاقة بين أيدي الشعب من خلال المدفوعات العاجلة لرواتب القطاع العام والرواتب التقاعدية والمدفوعات الطارئة.

ويستشهد الحاكم الأمريكي على حيوية الاقتصاد العراقي من خلال شوارع بغداد التي تعج بالحياة، حيث يبيع التجار وأصحاب المحلات سلعا لم تكن متوفرة قبل شهور قليلة، ربما يكون من أبرزها أنواع المشروبات الغازية ذات العبوات الزجاجية والمعدنية، إضافة إلى أنواع "ستالايت" التي كانت ممنوعة حينها!.

ويشير أيضا إلى الصعوبات المتوقعة؛ فيذكر أن الجزء الأصعب في عمليات الانتقال سيحين عند موعد (تقليص الدعم) إلا أنه يفترض معالجته من خلال حماية اجتماعية تعوض العاملين المتأثرين من إغلاق بعض الشركات المملوكة للقطاع العام. وكدليل على نجاح وصفته يشيد بريمر بتجربة الدول الاشتراكية في التحول إلى نظام السوق وما حققته من نتائج باهرة.

ويمكن تلخيص ما جاء في المقال بأن الولايات المتحدة تنوي تحقيق الرفاهية الاقتصادية من خلال العصا السحرية المتمثلة في تحويل الاقتصاد العراقي إلى آلية السوق وإطلاق عملية الخصخصة.

شبكات الحماية الاجتماعية

غير أن أبرز النتائج المتوقعة عن الخصخصة تسريح أعداد إضافية من العاملين، وبالتالي زيادة معدلات البطالة المرتفعة أصلا، وقد حاول بريمر حل المعضلة بالإشارة في مقاله إلى إمكانية معالجة المتضررين عن طريق شبكات الحماية الاجتماعية، وهو إجراء رافق السياسات التي طبقتها الدول المتبعة لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين. وتقتضي هذه الشبكات تأسيس صناديق تعويضات ومساعدات للفئات الأشد تعرضا للفقر وسوء توزيع الدخل من جراء تسريح أعداد إضافية من العاملين بسبب الخصخصة(*).

والملاحظ أن هذه الشبكات لم تنجح في بعض الدول النامية في تخفيض معدلات الفقر بسبب ضآلة المبالغ المخصصة لهذه الشبكات وعدم إمكانية تغطيتها لجميع المحتاجين، وعدم قدرتها على حل مشكلة البطالة مع تعطل برامجها بسبب النقص الحاصل في شبكة المعلومات المطلوبة.

وإذا ما أريد التركيز على أبرز المخاطر التي يمكن أن تنجم عن خطة رفاهية الاقتصاد العراقي كما يراها بريمر فستبرز مشكلة (رفع الدعم) التي يمكن أن تلحق ضررا كبيرا بكاهل المواطن العراقي من ذوي الدخل المحدود إذا ما ألغيت البطاقة التموينية التي تمثل دعما أساسيا لدخله؛ فالفرد العراقي يدفع مقابل حصته في المواد الأساسية (أرز، سكر، شاي، سمن، حليب، طحين، مساحيق غسيل) مبلغا قدره 500 دينار، ويتوجب عليه دفع حوالي 4 آلاف دينار فيما لو أراد الحصول عليها من السوق، علما بأن اليوم الذي سيعلن فيه إلغاء البطاقة التموينية سترتفع الأسعار أضعافا عدة.

وإذا ما افترضنا أن الارتفاع سيحصل بمقدار ضعف واحد -وهو أمر مستبعد عن سمات السوق العراقية- توجب على الفرد دفع 8 آلاف دينار للحصول على حصته نفسها. وإذا ما اعتبرنا أن متوسط عدد أفراد العائلة العراقية 5 أفراد فهذا يعني تحميل العائلة العراقية حوالي 40 ألف دينار، وهو نصف الدخل الشهري المعدل لدرجات السلم الوظيفي الثلاثة الدنيا.

وللأسف فإن الرفاهية الاقتصادية تبدو بعيدة المنال عن المواطن العراقي. ومع ما يعلن من أن أعمال إعادة الإعمار ورفع الحصار -وبالتالي فتح باب التبادل الخارجي- ستوفر فرص عمل ضخمة في السوق العراقية فإن هذه النتائج لن تكون فاتنة بصورة كبيرة لشدة الإجهاد الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي، وكذلك فلا يتوقع أن تظهر هذه النتائج قبل مدة لا تقل عن عقد من الزمن إذا ما سارت الأمور على ما يرام.

ما الذي ينبغي عمله؟ هذا السؤال راود الكثيرين من قراء هذه المقالة وأيضا ممن لم يقرأوها، والإجابة ليست سهلة؛ إذ تتطلب وضع خطة دقيقة وشاملة تغطي جميع مرافق الاقتصاد العراقي، واضعة هدفا أساسيا تبتغي الوصول إليه، وهو تحقيق (رفاهية المواطن) الذي طالما ظل محروما منها.

اقرأ أيضًا:

  • ديون العراق.. هم ثقيل


    (*) الخصخصة (Privatization): تدرج هذا المفهوم ابتداء من تنشيط القطاع الخاص من خلال السماح له بإيجار، أو المشاركة في إدارة، أو ملكية نسبة معينة من الأسهم في المؤسسات العامة، ثم تطور هذا المفهوم ليصبح تحويل الملكية العامة إلى خاصة عن طريق بيعها، أي إعدام القطاع العام حسب وصف المؤسسات المالية الدولية لكونه قطاعا خاسرا يمثل عبئا على مالية الدولة ولا يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي ولا يتبع إلا الأساليب المتخلفة في الإدارة والإنتاج.

    ويرى ميشيل شوسودوفسكي مؤلف كتاب عولمة الفقر أن برنامج تحويل الملكية العامة إلى القطاع الخاص أدى بدوره إلى تحويل جزء مهم من أصول الدولة إلى الجريمة المنظمة (من خلال المزاد العام للشركات الحكومية).


    ** أستاذ الاقتصاد بجامعة بغداد ومعاون عميد كلية الإدارة والاقتصاد بالجامعة المستنصرية ببغداد.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع