بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

رمضان "بائس" بسوريا

2003/11/02

دمشق- عبد الرحمن الحاج

البطالة.. التحدي الأكبر لدى السوريين

لا يهتم السوريون بإحصائيات الخبراء حول مشكلة اقتصاد بلادهم؛ فالحقيقة بالنسبة لهم هي فقط هذا الواقع الصعب الذي يعيشونه، المتمثل في البطالة التي تعم قطاعات واسعة منهم (يقدرها الاقتصاديون بمليون ونصف؛ أي ما يزيد عن 20% من الطبقة المنتجة، في حين تصر الحكومة على أنها لا تزيد عن نصف مليون، وفي أقصى حد تصل إلى 9%)(1)، فضلا عن فرص العمل الضئيلة، والأجور المتدنية، والعقارات غالية الثمن.

كما يعيش أكثر من نصف السوريين البالغ إجمالي عددهم 17.5 مليون نسمة تحت "خط الفقر" حسب تقدير بعض الخبراء(2)؛ فسوريا تحتل المرتبة 110 من بين 160 دولة في الأمم المتحدة! (حسب التقرير الصادر عن الأمم المتحدة 2003 الذي وضعته بالاشتراك مع سوريا).

ورغم أن الناس قد ينسون هذه المشاكل أو يتناسونها في زحام أشغالهم؛ فإنها قد تنفجر فجأة أمامهم كلما جاءتهم إحدى المناسبات العامة والخاصة؛ فقد خرجوا لتوِّهم من تكاليف المدارس التي تطلبت الثياب الجديدة؛ حيث بدأ هذا العام المدرسي تغيير ألوان الزى المدرسي من اللون العسكري إلى الألوان الزاهية، بينما لا يقل عدد أولاد الأسرة في المعدل المتوسط عن أربعة، وهكذا وجدت الأسرة نفسها في أزمة مالية صعبة، ورغم أن الحكومة دفعت تعويضات مادية؛ فإنها في الواقع خففت العبء، ولم تخلصهم منه.

والآن بدأت تباشير الشتاء القارس في سوريا؛ وهو ما يتطلب إنفاقا كبيرا لأجل توفير الطاقة، وتتفاقم المشكلة حيث تزداد البطالة في الشتاء إلى الضعف على الأقل؛ فمعظم الأعمال التي تتطلب طقسا طبيعيا تتوقف.

ثم هاهي مناسبة شهر "رمضان" المبارك تأتي متزامنة مع قدوم الشتاء، وهي مناسبة يحتفي فيها السوريون بمطعمهم المميز، في سياق نظام حياة مؤقت مختلف عن نمط الحياة الرتيبة، وكم سيكون بائسا -في نظرهم- ذلك الذي لا يجد على مائدته سوى الطعام اليومي، وهو غالبا طعام من لون واحد! ومن أين لهم الآن ذلك في ظل أزمة اقتصادية تتصاعد وضغوط أمريكية تحاول خنق سوريا.

"العلوج يحدُّوننا شرقا!"

"تغيرت الجغرافيا من حولنا، أصبح يحدنا من الشرق العلوج!"، بهذا التعبير الساخر يتندر بعض السوريين وهم يعبرون عن سخطهم ومخاوفهم معا في آن واحد من الوجود الأمريكي في العراق المحتل، على مشارف الحدود السورية الشرقية الكبيرة؛ إذ لم يكد الأمريكيون يضعون أقدامهم في العراق حتى بدأ التهديد الأمريكي لسوريا بالاتهامات المعروفة: دعم الإرهاب، برنامج أسلحة دمار شامل، وتهريب الأسلحة العراقية (الوهمية) وإخفائها في الأراضي السورية، وإيواء أركان النظام العراقي السابق، وتهريب المقاتلين العرب. لم تكن تعني هذه الاتهامات لعامة الناس سوى أن أمريكا تريد أن تفعل في سوريا ما فعلته في العراق، لكن هذه المخاوف -التي استبدت بالنظام أيضا- كانت تثير التوتر وأجواء الترقب والحذر.

وحصيلة ذلك عمليا انخفاض سعر الليرة السورية نسبة إلى الدولار بـ20% إلى 25%؛ بسبب هروب بعض رؤوس الأموال المحلية، وتوقف تدفقها من جهة ثانية، وانخفاض حركة التجارة والسيولة المادية في أجواء توتر شديدة؛ مما أضعف القوة الشرائية، وارتفاع الأسعار التموينية بعض الشيء.

وقد عادت الليرة السورية للارتفاع ثانية، كما أعلن غسان الرفاعي وزير الاقتصاد (في حكومة ميرو السابقة)، وكما يشعر الناس بذلك فعليا، بعد استيطان "العلوج" في العراق، وذلك يعود إلى أن الأمريكيين لم يستطيعوا الاستقرار والتنعُّم بالأمن؛ فالقتلى منهم يسقطون بمعدل 2-3 جنود يوميا، وخسائرهم من المقاومة العراقية تفوق خسائرهم في حرب الغزو نفسها. وكان ذلك سببا آخر في التوجه نحو سوق العقارات، واشتداد الطلب عليها؛ مما رفع أسعارها بشكل ملحوظ، وتكلفة الإيجار الذي يشكل أساس السكن لمحدودي الدخل الذين يشكلون الشريحة العظمى من الناس.

لقد تكبد الاقتصاد السوري خسائر فادحة بغزو العراق؛ فحجم التبادل التجاري بين سوريا والعراق -الذي بدأ منذ ثلاثة أعوام فقط- تجاوز ملياري دولار عام 2002م؛ مما يعني أن التجار السوريين أصبحوا يعتمدون بشكل كبير على السوق العراقية.

إلا أن الغزو الأمريكي الذي عاقب الاقتصاد السوري أولا بوقف أنبوب النفط العراقي المار عبر الأراضي السورية الذي كان يدر على سوريا مليار دولار سنويا أثر في حركة رؤوس الأموال، ووضع صعوبات جديدة أمام الدخل الفردي الذي بدأ بالانخفاض فعليا بتدني سعر الليرة السورية.

لكن في الوقت الذي كان فيه ناجي العطري رئيس الوزراء الجديد منهمكا في تشكيل حكومته للإصلاح الإداري، كانت واشنطن بصدد استصدار قانون لمحاسبة سوريا، وهو قانون يركز على تحجيم حركة الدبلوماسية السورية، وتضييق الخناق على الاقتصاد السوري، عبر مقاطعة الشركات الأمريكية، ومنع تصدير التكنولوجيا الرقمية التي يستند عليها اقتصاد العولمة.

وبالرغم من أن القانون الأمريكي الذي أقره مجلس النواب في 15-10-2003 ما زال في طور المرور بالقنوات التقليدية في الولايات المتحدة (ينتظر التصويت عليه في مجلس الشيوخ؛ ليحال إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش ليوقع عليه، ثم يصبح عندئذ ساري المفعول) فإنه يأتي في إطار التهديد الأمريكي في "تطفيش" الاستثمارات الخارجية، وإلحاق الضرر بالتالي بالاقتصاد السوري الذي يعاني أساسا من أزمات مستفحلة.

ولا يعرف السوريون الذين قاطعوا "البضائع الأمريكية" بحملة شعبية دعمتها الحكومة في السنوات الأخيرة تأثيرات قانون محاسبة سوريا (الذي يقلل من أهميته وتأثيره كثير من الدبلوماسيين السوريين)؛ حيث لا يري السوريون في هذا القانون سوى كلمة "محاسبة" التي تعني بالنسبة لهم تهديدا جديدا يؤكد مخاوفهم من احتمالات التهديد العسكري المباشر، خصوصًا أن كثيرًا منهم لم يعودوا يفرقون بين الأمم المتحدة وأمريكا! كل ذلك يجعل المواطنين يفكرون في تأمين مدخرات تحسبا لظروف المستقبل غير معروفة القرار بعد.

وترافق في الشهر نفسه مع الضغوط الأمريكية الهجوم العسكري الإسرائيلي على مواقع مدنية، زعم الإسرائيليون أنها معسكرات تدريب لحركة الجهاد الإسلامي؛ الأمر الذي سيؤدي بشكل غير مباشر إلى خروج بعض الاستثمارات إلى الخارج.

اقتصاد فاقد الهوية

يجمع الخبراء الاقتصاديون -من سوريين وغيرهم- على أن هناك أزمة اقتصادية عميقة(3)، تتلخص في اقتصاد يستند إلى قطاع عام فاسد بيروقراطيا ومترهل إلى أقصى الحدود، وقطاع خاص جرى تدمير قدراته بشكل شبه كامل، وركود اقتصادي كبير، وبطالة متفاقمة، تزداد كل عام 300 ألف يد عاملة تعجز السوق عن استيعابها، وكفاءات وطنية مهاجرة، ورؤوس أموال هاربة (تقدر بـ10 مليار دولار)(4).

لقد بدأ الشعور بالأزمة يزداد منذ منتصف الثمانينيات، وانتظر مطلع التسعينيات ليبدأ الإصلاح الاقتصادي بقانون الاستثمار رقم 10، لكنه قانون قيل: "إنه فُصل بحجم فئة مستفيدة محددة داخل السلطة"، ثم جاء العهد الجديد (الرئيس بشار الأسد) في 2001م؛ حيث بدأ تعديل المنظومة التشريعية الاقتصادية باتجاه اقتصاد السوق (وكان اقتصاد السوق تعبيرا ظل لأعوام بمثابة سبة)، مع الحفاظ على دور القطاع العام(5)، على الرغم من مناقضة هذا التوجه للدستور السوري الذي ينص على الطابع الاشتراكي للاقتصاد السوري.

هذا الأمر جعل الاقتصاد السوري يدخل مرحلة انتقالية، ذات منطق يشبه "نظريا" -إلى حد كبير- منطق التجربة الصينية. لكن الواقع الفعلي أن آلاف التشريعات التي فرخها المجلس التشريعي والمراسيم التشريعية الرئاسية لم تستطع تعديل الوضع كثيرا؛ فلم تستطع جذب الاستثمارات الخارجية، أو تحقيق نمو على مستوى الدخل الفعلي للأفراد.

ورغم أن معدل النمو الاقتصادي أثبت ارتفاعا، خصوصا في عام 2001م حيث وصل إلى 3.5% بعدما كان في متوسطه في النصف الثاني من التسعينيات لا يزيد عن 2.5%.. فإن هذا النمو لم يشعر به السوريون كثيرا! ذلك لأن الدخل القومي يوزع الأرقام بالتساوي؛ فالتفسير الوحيد لدى كثير من الاقتصاديين هو أن المستفيد الفعلي قلة ممن حظوا بالسلطة والثروة معاً(6)؛ وهو ما يجعل كثيرا من الاقتصاديين السوريين يعتبرون القوانين التشريعية أو مذكرات التطبيق الإدارية لها مفصلة بدقة لأشخاص محددين سلفاً(7).

بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك بالقول بأن هذه القوانين لا تصدر إلا من أجل أشخاص محددين. فأبناء المسئولين يتحكمون في أكثر المشاريع ربحا، ويستولون على وكالات الشركات الأجنبية، وعلى معظم الاستثمارات الكبيرة المحلية والخاصة الجديدة(8).

ويتفق الاقتصاديون في سوريا على أن بطء التحول نحو اقتصاد السوق أو الفشل في جذب الاستثمارات يعود إلى فقدان الثقة في القوانين والجهاز القضائي؛ بسبب تدخل المسئولين في مجريات القضاء. وهكذا يذهب معظم المهتمين بالاقتصاد السوري إلى أن الإصلاح الاقتصادي -الذي فقد هويته- في سوريا سيبقى دون جدوى ما لم يسبقه إصلاح سياسي، فيما يذهب المعارضون إلى أن قصة الإصلاح الاقتصادي أولا هي حجة النظام للهروب من المشكلة الفعلية؛ أي الهروب من الإصلاح السياسي رأس المشكلة(9). ويستشهدون بفشل الإصلاح بتحول الرئيس بشار الأسد من الإصلاح الاقتصادي إلى الإصلاح الإداري الذي كلف الحكومة الجديدة بمهمته.

في كل الأحوال فإن المتضرر الرئيسي هو المواطن البسيط؛ فهو يعيش الوطأة يوميا، وهي في تزايد وليست في نقصان. ومع أن الحكومة رفعت رواتب الموظفين مرتين خلال عامي 2000 و2002 ليصبح متوسط راتب الموظف العادي قرابة 110 دولارات(10) شهريا؛ فماذا تفيد هذه الزيادة في وقت يحتاج فيه الموظف إلى أكثر من 300 دولار ليحقق الكفاف، ويواجه مناسبات رمضان والشتاء وغيرهما؟!


[1] حسب تقدير الخبير الاقتصادي السوري نبيل سكر فإن "نسبة البطالة الرسمية هي 20% وهناك البطالة المقنعة ونسبتها أعلى. ومن بين العاطلين عن العمل هناك 12% من خريجي الجامعات و30% من خريجي المدارس". وحسب وزير الاقتصاد غسان الرفاعي 01/09/2003م: "فشلت سياسات التقشف في تخفيف الهدر والإنفاق الحكومي وعجزت مكاتب التوظيف عن خلق فرص لجيش من خريجي المعاهد والجامعات كما فشلت التسهيلات التي منحت قروضا ميسرة لبعض العاطلين".

[2] تقول الحكومة إن "25% من السكان هم تحت خط الفقر (بحسب تعريف الأمم المتحدة أي إن دخل الفرد يوميا أقل من دولار) النسبة بتقديري تتجاوز الخمسين في المائة" على حد تعبير حميد مرعي (الخبير الاقتصادي ومعاون وزير التخطيط السابق)، صحيفة "السفير"، 12/8/2003م.

[4] يعود الخلل الأساسي في الاقتصاد السوري ـ حسب بعض الاقتصاديين ـ إلى أن نموه لا يعتمد على عوامل ذاتية مستديمة، بل يعتمد على النفط والمساعدات بصورة أساسية، و لم يعتمد في النمو على قطاعات مثل الزراعة أو الصناعة على الرغم من وجود القدرة والإمكانيات.

[5] يعتبر الخبير نبيل سكر أن القطاع العام "تجاوز مرحلة الإصلاح ويجب أن ندعه يموت، وكل ما يمكن هو ترميمه بصورة مؤقتة في انتظار نهوض القطاع الخاص"، لكن الخوف من إنهاء القطاع يعود إلى حجم العمالة التي يؤويها، فتعطيله فجأة قد يسبب كارثة اقتصادية، ولهذا ينتظر من القطاع الخاص استيعاب العمالة التي تشتغل في القطاع العام.

[6] يشير حميد مرعي (الخبير الاقتصادي ومعاون وزير التخطيط السابق) إلى توزيع الدخل كإشكالية ثانية، "فالسلطة ـ [حسب تعبيره] ـ تقول إن الدخل العام (الناتج القومي الإجمالي) ارتفع في سوريا، وقد يكون ذلك صحيحا، إلا أن الإشكالية هي في توزيع الدخل وهو توزيع غير عادل لأن هناك فئة صغيرة غالبية الأموال بيدها". يضيف مرعي: إن دخل الفرد السنوي "يقدر بنحو 1300 دولار أي أكثر من السابق، ولكنه رقم غير فعلي؛ بسبب تقسيم الرقم على عدد السكان بالتساوي". صحيفة السفير، 12/8/2003م.

[7] الاقتصاد السوري: المشكلات والحلول، عارف دليلة، 2/9/2001 منتدى جمال الأتاسي ـ التجمع الوطني الديمقراطي.

 

[8] ورغم هذا التحسن النسبي إلا أن معدل النمو مازال دون معدل النمو السكاني في القطر الذي يسجل حوالي (3.2%). تقرير مجلس الإدارة لعام 2002 لغرفة تجارة دمشق.

[9] سوريا.. الإصلاح السياسي أولا، أكرم البني، aljazeera.net، (موقع الإنترنيت لقناة الجزيرة)، الثلاثاء /9/2003م.

[10] وهي تبلغ ربع دخل الفرد في لبنان، الذي لا يملك لا نفطا ًولا زراعة واسعة أو صناعة متطورة.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع