English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

"هبة الرب" تطيح بالرئيس

2003/10/23

أحمد العدل

المظاهرات أسقطت دي لوزادا

عندما نجح الرئيس البوليفي السابق جونزالو سانشيز دي لوزادا في إبرام صفقة لتصدير الغاز الطبيعي إلى الولايات المتحدة والمكسيك عبر تشيلي، قال: "إنها هبة الرب"، ولم يكن يعلم أن ذلك الاتفاق الذي كان سيتكلف 5 مليارات دولار سيفجر ثورة شعبية في أكتوبر 2003 تطيح بحكمه الذي تولاه قبل عام.

وتقدم بذلك بوليفيا نموذجا جديدا للعالم على قدرة الفعل الشعبي في قارة أمريكا اللاتينية التي استقال فيها أربعة رؤساء خلال السنوات الست الأخيرة بفعل ضغوط واحتجاجات شعبية إثر أزمات اقتصادية طاحنة، وهؤلاء الرؤساء هم: دي لوزادا، والأرجنتيني فرناندو دي لا روا في عام 2001، والبيروفي ألبرتو فوجيموري في عام 2000، والإكوادوري عبد الله بوكرم في عام 1997.

وكان دي لوزادا مقتنعا بأن صفقة الغاز ستجلب ملايين الدولارات سنويا إلى بوليفيا لتنقذها من هوة الفقر الذي يعاني منه 70% من السكان البالغ إجمالي عددهم 8.5 ملايين نسمة، وفقا لتقديرات دولية.

لكن أحفاد المناضل تشي جيفارا الذي انتفض قبل أكثر من ثلاثة عقود بسبب خفض رواتب العمال تأكدوا من أن عائدات مشروع الغاز ستأخذ طريقها إلى جيوب طبقة رجال الأعمال المسيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية، حتى إن دي لوزادا نفسه ينتمي إلى هذه الطبقة ذات الأصول الأسبانية.

حرب الكوكا 

غير أن ثمة أسبابا أخرى لاندلاع تلك الثورة، منها ضعف الأداء الاقتصادي للحكومة في عدة قضايا، أهمها عدم القدرة على الوفاء بالاحتياجات التموينية للشعب؛ وهو ما أثار استياء عاما، حتى إن آخر استطلاعات الرأي قبل سقوط الرئيس السابق أشارت إلى أن شعبيته تدهورت إلى 8%.

كما أن هذا الاستياء سبقه رواسب تذمر بين الشعب بعد موافقة الحكومة على البرنامج الأمريكي للقضاء على زراعة الكوكا التي تنتج منها بوليفيا عُشر الإنتاج العالمي؛ وهو ما فجر احتجاجات المزارعين من أصل هندي في يناير 2003.

وتحولت تلك الاحتجاجات السلمية التي قادتها حركة "الكوكاليروس" إلى معارك حقيقية في الشوارع بين المزارعين والشرطة أطلق عليها البعض "حرب الكوكا"، وأدى ذلك إلى إلحاق خسائر ضخمة بالاقتصاد، خاصة عندما تحصن المحتجون في الغابات وأغلقوا الطرق الرئيسية، واضطرت حينها الحكومة إلى تغيير سياستها والدخول في مفاوضات مع المحتجين.

وعكست ضراوة المعارك أهمية "الكوكا" كمصدر رزق للمزارعين البوليفيين الذين يمضغونه أحيانا، ويصنعون منه شرابا شعبيا، غير أن مواجهة الحكومة العنيفة للمزارعين جاءت بسبب الضغوط الأمريكية على الرئيس السابق دي لوزادا من أجل القضاء على زراعة الكوكا التي تدخل في صنع مخدر الكوكايين. 

ورغم أن المبرر الأمريكي لممارسة هذه الضغوط هو محاربة المخدرات، فإن الكثير من المراقبين يرون أنها كانت من أجل شركة كوكاكولا الأمريكية التي ترفض منافسة مزارع بوليفيا لها في إنتاج الكوكا التي تستخدم في المياه الغازية.

أزمة ضرائب

دي لوزادا لم يهتم بالشرائح الاجتماعية الفقيرة

وما كادت حرب الكوكا تهدأ حتى أعلنت الحكومة في أوائل فبراير 2003 عن مشروع لفرض ضرائب جديدة على رواتب موظفي الدولة بهدف تخفيض عجز موازنة عام 2003 إلى 5.5%، وزاد الموقف تعقيدا ما جاء على لسان لوزادا حين اعترف بأن الدولة أُجبرت على وضع هذه الضريبة بناء على ضغط صندوق النقد الدولي؛ وهو ما أشعل غضب الشعب إزاء ذلك التدخل في الشئون الداخلية.

فقد أعلنت مجموعات من الشرطة في 11-2-2003 إضرابًا احتجاجا على تلك الضريبة، وفي اليوم التالي اندلعت مظاهرات طلابية وشعبية في العاصمة لاباز، واتجهت إلى القصر الرئاسي، ورشقته بالحجارة، واندلعت المواجهات مرة أخرى واضطر دي لوزادا للتفاوض مع المحتجين بعد أن سقط 33 قتيلا، بل إن الحكومة قدمت استقالتها.

ورغم أن الرئيس البوليفي السابق احتوى الأزمة، فإن ارتباطه بالولايات المتحدة ومصالح رجال الأعمال كونه أحدهم جعله لا يحاول تلبية مطالب الشرائح الاجتماعية (الطلاب والمزارعين والعمال...) التي تنامى غضبها ضد الحكومات البوليفية؛ بسبب تدهور أوضعها الاقتصادية.

وخطأ دي لوزادا نفسه وقع فيه سلفه جورج كيروجا الذي تولى الحكم لمدة عام بعد استقالة الجنرال العسكري هوجو بنزار في أغسطس 2001 الذي ارتبط هو الآخر بالولايات المتحدة وتأمين مصالحها في البلاد. وكان بنزار قد قاد انقلابا عسكريا عام 1971، وحكم بوليفيا حكما دكتاتوريا مطلقا لسبعة أعوام، لكنه بعد عشرين عاما عاد إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع ثم استقال بسبب إصابته بالسرطان.

وأدى الارتباط بالولايات المتحدة إلى ضغوطات عديدة على حكومات بوليفيا، حيث أعلنت هذه الحكومات سياسات اقتصادية تخدم استثمارات طبقة رجال الأعمال التي تمارس دورا الوسيط الاقتصادي مع واشنطن.

ومارست الحكومات المتعاقبة في التسعينيات سياسات تقشفية تقضي بتقليل الدعم الموجه للقطاعات الاجتماعية، وذلك لتخفيض الإنفاق العام وبالتالي الحد من عجز الموازنة، كما خفضت قيمة العملة المحلية، وقامت بإصلاح الهيكل الضريبي بما يخدم المستثمرين، وسرحت آلاف الموظفين إثر خصخصة شركات الخطوط الجوية والتليفونات والسكك الحديدية والطاقة الكهربية والبترول.. ورغم أن هذه الإجراءات أدت إلى إعادة الثقة الأجنبية بالاقتصاد البوليفي فإنها من جهة أخرى وسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء وقللت من دعم برنامج مكافحة الفقر؛ وهو ما أدى إلى تدهور أحوالهم بشدة في الثلاث سنوات الأخيرة.

سقوط دي لوزادا

ميسا يلوح للجماهير وآمال كبيرة معلقة عليه

كان مشروع الغاز الذي أعلنت الحكومة عنه في شهر سبتمبر 2003 القشة التي قصمت ظهر الرئيس السابق دي لوزادا، حيث اعترض عليه البوليفيون، وانفجرت المظاهرات من قطاعات الطلبة والعمال (الاتحاد العمالي البوليفي)، وامتدت شرارتها إلى باقي الفئات الاجتماعية التي استغلت الفرصة لتعلن رفضها لسياسات الحكومة خاصة المزارعين والموظفين الذين أضربوا وشلوا الحياة العامة، وراح ضحية هذه الاحتجاجات 80 شخصا وجرح المئات.

وخلال إحدى المظاهرات في مدينة لاباز قال رودريجو لينيلي العضو في اتحاد زراع الكوكا: "نريد فقط أن تقودنا حكومة ديمقراطية.. نريدهم أن يستمعوا إلى الشعب".

وأضاف قائلا: "قضينا عشرة أعوام من بيع الغاز الطبيعي إلى الأجانب، وكانوا يخبروننا بأن الأمور ستتحسن، ولكن ذلك الأمر لم يحدث، نريد أن نكون دولة حرة لا مجرد دمية في يد الولايات المتحدة".

أدت هذه الثورة الشعبية بالقوى السياسية المتحالفة مع دي لوزادا إلى الابتعاد عنه؛ حيث انسحب حزب "القوة الجمهورية الجديدة" من الائتلاف الحاكم، وقال "مانفريد رييس فيلا" رئيس الحزب: "لا نستطيع أن نقف في وجه الطوفان، يجب أن نبحث عن طريق في أقرب وقت؛ لأننا يجب ألا نقف ضد الديمقراطية".

وجد دي لوزادا نفسه وحيدا في قصر الرئاسة وحيدا في مواجهة الشعب والمعارضة السياسية، فقرر الاستقالة وغادر البلاد الخميس 17-10-2003 إلى الولايات المتحدة حليفته التي لم تستطع إنقاذه من الثورة الشعبية. وتولى إثر ذلك رئاسة البلاد نائبه كارلوس ميسا الذي وعد الشرائح الاجتماعية الفقيرة بتحسين أحوالها وتقليص آثار عمليات الخصخصة ومكافحة الفساد.. وأعاد الجيش إلى ثكناته، وأعلن مكافحة الفساد.

وفي الوقت الذي يستبشر البوليفيون خيرا بالرئيس الجديد الذي عمل صحفيا ولديه كتابات في التاريخ، يظل السؤال هل يستطيع الرئيس الجديد تلافي أخطاء السياسات الاقتصادية لأسلافه، وعدم الرضوخ لضغوط الولايات المتحدة وطبقة رجال الأعمال وما يمكن أن تمليه من سياسات اقتصادية لا تتفق مع رغبات الجماهير؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع