|

|
|
بدء الدراسة يمثل مأزقا للأسر المصرية
|
مع
انتظام العام الدراسي الجديد في 20 سبتمبر 2003
في مصر تبدأ معاناة جديدة للأسر، ستكون أشد
وطأة من سابقتها، خاصة مع الارتفاع الملحوظ
لأسعار السلع والخدمات منذ قرار الحكومة بـ"تحرير
سعر الصرف في يناير 2003، وهو ما أدى إلى ارتفاع
سعر صرف الدولار إلى 6.70 جنيهات بعد أن كان قبل
9 أشهر 5.51 جنيهات.
وتفتح
الدراسة في مصر -التي ينتظم فيها 20 مليون طالب
بالمدارس والجامعات- أبوابا متعددة من
المصروفات تؤثر على ميزانية الأسرة المصرية
بدءا بمستلزمات المدرسة ومرورا بالمصروف و"السندوتش"
اليومي، وانتهاء بالدروس الخصوصية.
ويمثل
بند التعليم -وفقا لأرقام الجهاز المركزي
للإحصاء- 10% من ميزانية الأسرة المصرية في
عام 2002، وإن كان البعض يرى أن هذه نسبة
متواضعة وأن التقدير الواقعي قد يصل إلى 30%،
خاصة إذا علمنا أن بند الدروس الخصوصية
يستهلك وحده ما يزيد على 15 مليار جنيه، وفقا
لتقرير لجنة الشئون المالية والاقتصادية
بمجلس الشورى عام 2003.
غير
أن المشكلة لدى الأسر في مواجهة مصاريف
المدارس هي تدني الدخل الفردي نفسه؛ حيث لا
يتعدى 1300 دولار سنويا بأسعار صرف عام 2002 -وفقا
لتقديرات دولية- وحتى هذا الدخل لا يرتفع
بالقدر الذي يواكب نسبة ارتفاع الأسعار (15-40%)،
فالزيادة السنوية الحكومية للمرتبات تصل إلى
10%. وتتزايد حدة الأزمة إذا علمنا أن الطعام
الذي ترتفع أسعاره يوميا في مصر تنفق عليه
الأسرة المصرية نصف دخلها.
الزي
أولا
وأول
أعباء مصاريف التعليم هو الزي المدرسي،
وتتراوح أسعاره في المرحلة الابتدائية بين 30
إلى 70 جنيها مصريا، وفي المرحلة الإعدادية من
35 إلى 100 جنيه، وفي المرحلة الثانوية يتعدى
سعر الزي المدرسي 150 جنيها، هذا بالنسبة
للمدارس الأميرية (الحكومية)، أما بالنسبة
لمدارس اللغات فيتراوح سعر الزي المدرسي بها
من 75 إلى 250 جنيها.
اللافت
أن بعض المدارس تعقد صفقات سرية مع بعض
المحلات لتصميم الزي المدرسي بشكل ولون معين،
أو طبع ملصق (بادج) المدرسة عليه وتغييره من
عام لعام على حساب أولياء الأمور. رغم أن ذلك
مخالف لقرار وزير التربية والتعليم الذي يقضي
بتغيير الزي كل 3 سنوات.
وقد
اعتادت الأسر الإقبال على شراء الزي المدرسي
في بداية المرحلة التعليمية فقط توفيرا
للمصروفات؛ ليقضي الطالب بنفس الزي سنتين على
الأقل من المرحلة التعليمية التي يمر بها، مع
إصلاحه إن لزم الأمر. أو تضطر لشراء زي جديد
إذا قامت المدرسة بتغيير شكل أو لون زيها.
البند
الآخر في مصروفات الدراسة هو شراء الأحذية
والشنط الجلد. وسعر حذاء الطفل الصغير الذي
يدخل المدرسة أول مرة يبدأ من 25 جنيها حتى 150
جنيها، وباقي المراحل يختلف سعرها حسب نوع
الجلد، وإن كانت أغلب الأسر تبحث عن الأرخص،
ويتراوح بين 40 إلى 50 جنيها. أما بالنسبة للشنط
-ويتم شراؤها كل عام- فيتراوح سعرها ما بين 30
إلى 150 جنيها.
ويقول
محمد دسوقي، 42 سنة، موظف: "لدي أربعة أبناء
بمراحل التعليم المختلفة، وبداية الدراسة
تمثل لي مشكلة كبيرة؛ ففي شهر واحد يتم إنفاق
دخل الأسرة في 3 أشهر، لذا أستعد لبداية
الدراسة بعمل سلفة من العمل بضمان المرتب،
يتم خصمها من المرتب على باقي الشهور".
ورغم
أن أبناء دسوقي كلهم في مدارس حكومية فإن
تكلفة الدراسة في الشهر الأول تعدت 1500 جنيه،
فالابن الأصغر الذي يدخل المدرسة لأول مرة
تكلفت احتياجاته للمدرسة أكثر من 300 جنيه،
شملت زيا مدرسيا، ومصاريف الكتب وشنطة وحذاء
وكراسات وكشاكيل.
دروس
خصوصية
ورغم
أن البنود السابقة تمثل أعباء تتحملها الأسرة
برضا نفس؛ فإن الأمر الذي يحدث غصة في النفس
هو الدروس الخصوصية التي ارتفع سعرها مع
ارتفاع الأسعار بشكل عام، ويظهر ذلك بوضوح في
دروس الثانوية العامة بالذات التي وصل سعر
"الحصة الواحدة" فيها مع ارتفاع الأسعار
إلى 30 جنيها، أي 240 جنيها شهريا للمادة
الواحدة، إذا أخذ الطالب 8 حصص.
ويختلف
سعر الحصة من منطقة لأخرى، حسب مستوى الطالب
ومدرسته، فأسعار الدروس الخصوصية بالمدارس
الحكومية تختلف عن أسعار مدارس اللغات التي
قد تتضاعف.
وبسبب
الاستعداد لموازنة الدروس الخصوصية لم يشعر
"رشاد إبراهيم موسى" -52سنة- بالإجازة
الصيفية ولا ببداية عام دراسي جديد؛ لأن لديه
ولدين بالثانوية العامة بمرحلتيها، فما أن
ظهرت نتيجة المرحلة الأولى في العام الماضي
في شهر يوليو حتى بدأت الدروس الخصوصية
للمرحلة الثانية في شهر أغسطس.
وعندما
دخل ابنه الثاني المرحلة الأولى وذهب لنفس
المدرسين الذين ذهب إليهم أخوه العام الماضي
فوجئ رشاد بهؤلاء المدرسين يرفعون أسعارهم؛
تمشيا مع ظاهرة ارتفاع الأسعار، ويرى رشاد أن
نظام المرحلتين أرهق ميزانية الأسر المصرية.
أزمة
"الفينو"
ومن
البنود الهامة أيضا في ميزانية الأسر وهي
تستقبل العام الدراسي "ساسندوتش" الطفل
الذي أصبح يمثل هما يوميا لربة البيت، ليس في
إعداده وإنما في تكلفته، فمع ارتفاع الأسعار
تبحث الأسر عن الأرخص والأكثر قدرة على
الإشباع، أي على الكم.
وتلخص
"مديحة سرحان" -ربة منزل- أزمة السندوتش
بقولها: "كنت أقوم بشراء 10 أرغفة من الخبز
الإفرنجي (الفينو) بجنيه واحد لعمل سندوتشين
لكل ابن من أبنائي، ولكن بعد أن ارتفع سعر
الدقيق قامت المخابز بخفض الأرغفة إلى 8 فقط
بنفس الجنيه، ثم قاموا بتقليل وزنه.. فماذا
أفعل؟ هل أكتفي بنفس السندوتشين لكل ابن بصرف
النظر عما إذا كانت تكفيه أم لا؟".
والمشكلة
الأخطر وراء السندوتش أن إهماله قد يودي
لمشاكل صحية. وتشير دراسات المعهد القومي
للتغذية إلى أن 45% من المصريين يعانون من مرض
الأنيميا و60% من هذه النسبة هم من تلاميذ
المدارس بالمراحل المختلفة. كما تشير دراسة
في عام 2002 لمنظمة الصحة العالمية إلى أن مصر
تفقد مليار دولار سنويا من جراء الإصابة
بالأنيميا إذا قيس ذلك بقدرة العامل على
زيادة الإنتاج وقدرة الطالب على التحصيل،
وعلى التكاليف الصحية التي تنفقها الدولة
لمكافحة الأنيميا.
وبجانب
السندوتش فمن المفروض أن تعطي الأسرة الطالب
مصروفا يوميا لشراء ما يرغب فيه، أو لمواجهة
الظروف الطارئة، ويتراوح مصروف الأبناء من
نصف جنيه حتى 10 جنيهات يوميا لكل ابن، حسب
مستوى الأسرة ودخلها والمرحلة التي يتعلم
فيها الطالب.
التعليم
الخاص
بند
آخر يمثل عبئا، وهو مصروفات الدراسة بالمدارس
الخاصة التي تتفاوت أسعارها، فبعضها يصل إلى
2000 جنيه سنويا، بينما يصل البعض الآخر إلى 10
آلاف جنيه. وتظهر مشكلة ارتفاع الأسعار في
المدارس الخاصة واللغات بشكل واضح، وبسبب
ارتفاع سعر الورق زادت مصروفات الكتب للصف
الأول الابتدائي من 320 إلى 750 جنيها. كما ارتفع
سعر الزي المدرسي لنفس الصف من 75 إلى 120 جنيها،
والزي الرياضي من 120 إلى 170 جنيها، وحافلة
المدرسة من 650 إلى 720 جنيها.. إلخ، هذا بالإضافة
للمصروفات الاستثنائية مثل التبرع لتكملة
البناء في المدرسة، وحفلات الأطفال، والدروس
الخصوصية، وهدايا المدرسين في المناسبات
المختلفة.
مواجهة
الأوضاع
في
مواجهة هذه التكلفة المرتفعة للتعليم، تقوم
الدولة ببعض الإجراءات مثل:-
-
إنشاء معارض مستلزمات المدارس التي تشترك
فيها شركات منتجة للزي المدرسي، والأحذية،
والأدوات المكتبية، والشنط، والملابس
بتخفيضات تتراوح بين 20% و50%.
-
مساعدة الطلاب الفقراء على مواصلة تعليمهم من
خلال إلغاء مصاريف الكتب، وذلك بعد عمل بحث
اجتماعي يوضح حالة الطالب الاجتماعية، فإذا
كان والده متوفى رفعت عنه المصاريف كاملة، أو
تخفض من 15% إلى 50% حسب حالة الأسرة وعدد
الإخوة، ومن الممكن أن يتم عمل بحث آخر لنفس
الطالب لتقديم مساعدة مالية أو للالتحاق
بمجموعات التقوية بالمدرسة، وينطبق ذلك على
الطالب الجامعي وقبل الجامعي.
-
استمرار حرص الدولة على زيادة الدعم المقدم
للتعليم سنويا، وقد بلغت ميزانية التعليم في
الموازنة العامة للدولة 23 مليار جنيه، أي 15%
من الموازنة، ويبلغ متوسط ما تنفقه على
الطالب في مراحل التعليم الأساسي 1200 جنيه، أي
حوالي 170 دولارا، ومتوسط ما ينفق على الطالب
الجامعي 2500 جنيه، أي حوالي 350 دولارا.
ويقول
الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التربية
والتعليم المصري: إن ميزانية التعليم تزايدت
36 ضعفا خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى
أصبحت 23.8 مليار جنيه عام 2002، لكن البعض يرى أن
تخصيصات الموازنة غير كافية إذا كانت هناك
رغبة في تخريج طلاب بنوعية متميزة، لا مجرد كم
كبير دون مهارات أو تعليم جيد.
-
مواجهة أزمة الفينو؛ حيث قررت الحكومة تكليف
وزارة التموين وهيئة السلع التموينية
باستيراد 120 ألف طن قمح سنويا لتصنيع فينو
المدارس. وهذا القرار بتوفير القمح المستورد
لإنتاج فينو المدارس يحدث لأول مرة بعد توقف 12
عاما؛ حيث كانت الحكومة في الماضي تلتزم
باستيراد القمح اللازم لإنتاج مختلف أنواع
الدقيق.
-
تقليل تكلفة طعام الطالب؛ حيث تحرص هيئة
التأمين الصحي على إعداد وجبات غذائية لأطفال
المدارس تشمل فطائر مصنعة من مواد غذائية
تحتوى على مادة الحديد؛ لمنع الإصابة
بالأنيميا، وتبلغ تكلفتها 3 ملايين جنيه.
ماذا
تفعل الأسر؟
أما
على صعيد الأسر نفسها، فتحاول أغلب البيوت
المصرية تدبير هذه المصروفات بطرق عديدة، مثل
إصلاح الملابس القديمة، أو القيام بعمل سلفة
أو قرض بضمان المرتب، أو ادخار مبلغ من المال
لهذه الطوارئ، أو حتى بنظام الجمعيات.. إلخ.
يقول
د.علي حافظ منصور أستاذ الاقتصاد بكلية
الاقتصاد والعلوم السياسية: "أصبحت بداية
الدراسة مشكلة وأزمة في أغلب البيوت، فتحاول
الأسر تدبيرها بشكل شخصي (قرض بضمان المرتب،
شراء بالتقسيط، سلفة، جمعية... إلخ)، ولكن مع
الارتفاع المستمر للأسعار فلن تستطيع الأسر
تغطية أعباء الدراسة بشكل شخصي، خاصة أن
العادات والتقاليد تحكم ذلك؛ فالأسر التي
تعلم أبناءها ترفض التحاق الابن بالمدرسة بزي
قديم أو زي أقل جودة من زملائه؛ خوفا على
مشاعر الابن".
ويضيف:
"لذا لا بد من تدخل الدولة لفرض زي موحد على
طلاب المرحلة التعليمية، مثل بعض الدول، ولا
بد من مراعاة أن تكون أسعاره زهيدة، وخاماته
جيدة، وتباع بسعر التكلفة؛ حتى لا نفاجأ
بتسرب الأبناء من التعليم، خاصة في ظل ارتفاع
معدلات البطالة وعدم توافر فرص عمل للخريجين".
لكن
د. محمد يوسف الأستاذ بتجارة القاهرة ينفي
قدرة الدولة على فرض زي موحد أو تثبيت أسعار
مستلزمات الدراسة؛ لأن منطق اقتصاديات السوق
الذي تنتهجه مصر يمنع ذلك، ولكن يمكن تدخل
الدولة في تخفيض أسعار مستلزمات الدراسة من
خلال عرضها في معارض القطاع العام. كما يمكن
أن تنافس شركات القطاع العام الشركات الخاصة
في إنتاج مستلزمات المدارس بأسعار أقل.
وأخيرا..
فإن ارتفاع فاتورة العملية التعليمية
بالنسبة للأسر المصرية يعد جزءا من الأزمة
الاقتصادية التي تمر بها مصر منذ سنوات، وكان
من مظاهرها ارتفاع الأسعار الذي أثر في كل
القطاعات داخل المجتمع.
اقرأ
أيضًا: