|

|
|
عاطف عبيد
|
ثلاث
سنوات من الارتفاع المستمر لأسعار السلع
الأساسية بالسوق المصرية، وقد زادت حدة هذا
الارتفاع خلال شهور العام الحالي (2003) عقب
القرارات الحكومية المسماة بتحرير سعر الصرف
في أواخر يناير 2003 لتنتقل عدوى الارتفاع
السعري إلى السلع الزراعية التي لا ترتبط
بشكل قوي بالدولار، كما انتقلت العدوى إلى
أسعار الخدمات التي يقدمها الحرفيون.
وقد
تراوحت نسبة ارتفاع الأسعار خلال العام
الحالي ما بين 15% إلى 40% (وفقا لتصريحات رسمية)،
إلا أن غالبية المستهلكين يرون أن نسب
الارتفاعات تتجاوز ذلك بكثير.
ويبدو
أن الحكومة لم تكن متنبهة لآثار قرارها
المسمى بتحرير سعر الصرف على ارتفاع أسعار
السلع، حيث إنها لم ترافقه بإجراءات مكملة.
ومن هنا كان تدخلها تاليا لموجة ارتفاع
الأسعار التي شهدتها الأسواق؛ فقامت بتوفير
كميات من السلع الأساسية بأسعار ما قبل تحرير
سعر الصرف، إلا أن استمرار انخفاض قيمة
الجنيه أمام قيمة الدولار أفقد التدخل
الحكومي قدرته على ضبط الأسعار ليستمر
ارتفاعها شاملاً الزيت والسكر والأرز
والدقيق والمكرونة والسمن واللحوم والأسماك
والدواجن والفول والبقوليات، وغيرها من
السلع الأساسية.
من
المتهم؟
ومع
الإخفاق في حل مشكلة ارتفاع
الأسعار فقد تم توجيه الاتهام إلى أحد
الأطراف المتصلة بالقضية واعتباره المسئول
الأوحد عن المشكلة، وكانت الشماعة هي جشع
تجار التجزئة. ومن الطبيعي أن يكون عدد من
هؤلاء يزيدون من هامش أرباحهم إلا أن
اعتبارهم السبب الوحيد للمشكلة يعد نوعًا من
التسطيح المخل لأسباب المشكلة وعلاجها.
فقضية
ارتفاع أسعار السلع تتعلق بأوضاع الاقتصاد
المصري الذي يعاني من اختلال مزمن في الميزان
التجاري ما بين صادرات محدودة النمو وواردات
ضخمة، وحسب تصريحات رئيس الوزراء المصري د.
عاطف عبيد مؤخرا فإن مصر تستورد 90% من
احتياجاتها من الزيوت، و80% من الذرة، و50% من
القمح، و50% من الفول، و33 % من السكر.
وقال
رئيس الوزراء أيضًا: إن الأسعار العالمية قد
ارتفعت بالنسبة لطن القمح من 110 دولارات إلى 190
دولارًا، وطن الزيت من 300 إلى 900 دولار، وطن
السكر من 120 إلى 240 دولارًا.
وبالنظر
إلى قيمة الواردات المصرية من بعض السلع خلال
العام المالي 2001-2002 والمنتهي في يونيو 2002 نجد
أن قيمة الواردات من القمح قد بلغت 489 مليون
دولار، ومن الذرة 495 مليون دولار، ومن الشحوم
والدهون والزيوت الحيوانية والنباتية 373
مليون دولار، ومن السكر المكرر ومصنوعاته 48
مليون دولار.
ومن
هنا فإن قيمة الدعم المخصص للسلع التموينية
الرئيسية من خبز وسكر وزيت -والبالغ بموازنة
2003/ 2004 نحو 3.591 مليارات جنيه، أي حوالي 553 مليون
دولار- لا تكون كافية.
وهكذا
فإنه في حالة ثبات سعر صرف الدولار محليًا فإن
قيمة الدعم لن تستوعب حجم الزيادات في
الأسعار العالمية للسلع الأساسية المستوردة.
ومن هنا فالطبيعي أن ترتفع أسعارها. وزاد من
حجم المشكلة الارتفاع المستمر لسعر صرف
الدولار إزاء الجنيه؛ حيث تضاعف خلال 3 سنوات
من 3.40 إلى 6.70 جنيهات، وذلك في ظل اقتصاد بلغت
به قيمة السلع الوسيطة المستوردة 3.7 مليارات
دولار عام 2001-2002، وواردات السلع الاستهلاكية
مليارين و0.8 من الدولار، والسلع الاستثمارية
من الآلات والأجهزة 3 مليارات دولار، ومن
المواد الخام 3.3 مليارات دولار.
فمن
الطبيعي أن تنعكس الزيادة في سعر الصرف على
أسعار هذه السلع المستوردة إلى جانب ارتفاع
الدولار الجمركي (أي سعر الدولار الذي يحاسب
عليه المستوردون من قبل مصلحة الجمارك).
البقوليات
والدولار
وقد
يرى البعض أن هناك سلعًا زراعية مثل الخضر
والبقوليات قد زادت أسعارها رغم أنه ليس لها
علاقة بزيادة سعر الصرف، إلا أن تدقيق الأمر
يبين أن هذه السلع يرتبط إنتاجها باستيراد
بذور وكيماويات ومواد تعبئة وتغليف، بل
ووسائل نقل؛ وهو ما يجعلها غير بعيدة عن
التأثر بتغير سعر الصرف، كما أن المنتجين
والموزعين يريدون تعويض ما لحق بهم من أضرار
كمستهلكين نتيجة انخفاض قيمة الجنيه المصري.
وهكذا
فإن التكلفة لدى المنتجين الذين يستخدمون
سلعًا وسيطة مستوردة قد زادت، ونفس الأمر لمن
يستخدمون معدات وقطع غيار وخامات مستوردة،
كذلك زادت التكلفة لدى المستوردين للسلع.
كما
تفاقمت مشكلة الأسعار مع استمرار بعض الأوضاع
الاحتكارية بالسوق؛ فواردات السكر تنحصر بين
5 موردين كبار، ونفس العدد لتجارة الزيوت
واللحوم والأسماك المجمدة والدقيق. وتجارة
الشاي تدور بين 4 من الكبار، أما تجارة القمح
والدقيق الفاخر فتدور بين 3، وهكذا زادت أسعار
السلع بنفس القدر أو أعلى منه خاصة مع توقع
استمرار تدني قيمة الجنيه.
ولذلك
فمن الأمور المطلوبة محاربة الاحتكار الحالي
-سواء في الإنتاج أو الاستيراد أو التوزيع-
وإصدار قانون تنظيم المنافسة. ومنع الاحتكار
هو القانون الذي مضت 9 سنوات على وعود 3 من
رؤساء الوزارات المصرية بقرب إصداره وتفعيل
أدوات الرقابة على الأسعار وتوفير المعلومات
عن المنتجات والأسواق ودراسات الأسواق
ودراسات التنبؤ والإنذار المبكر.
ومن
الطبيعي أيضا أن تتأثر أسعار الخدمات بما
حدث؛ فالحرفي الذي كان مبلغ 600 جنيه على سبيل
المثال يغطي احتياجاته من السلع سيجد نفسه في
حاجة إلى 800 جنيه لشراء نفس الكمية، ومن هنا
سيتجه إلى رفع سعر الخدمة التي يقوم بها ليعوض
الفارق أو أكثر تحسبًا لأي زيادة.
تداعيات
سلبية
ولا
شك أن ارتفاع الأسعار يرتبط بعدد من الظواهر
الاجتماعية السلبية، أبرزها زيادة نسبة
الفقر وتفشي الرشوة والاختلاس والتزوير
وتأخر سن الزواج والانحراف الأخلاقي واللجوء
للوصفات البلدية للعلاج بديلا عن الأدوية
مرتفعة الثمن.
غير
أن الدعم الحكومي ما زال عاجزًا عن وقف هذه
الارتفاعات مع تدهور قيمة الجنيه المصري
وارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية
عالميا، فإذا كان إجمالي الدعم الحكومي
بموازنة العام المالي الحالي 2003-2004 قد بلغ 8
مليارات جنيه أي حوالي 1.230 مليار دولار، فإن
هذا الدعم يتوزع ما بين 3.6 مليارات جنيه للسلع
الغذائية الأساسية ونصف مليار جنيه لدعم
الصادرات لدعم فروق أسعار الأقطان التي يتم
تسليمها للمغازل المحلية و420 مليون جنيه
للأدوية الأساسية، و413 مليون جنيه لمساندة
ديون المزارعين ببنك الائتمان الزراعي، و320
مليون جنيه لدعم نقل الركاب بالقاهرة الكبرى
والإسكندرية فقط، أي أن باقي الأقاليم لا
تستفيد من هذا النوع من الدعم.
ما
العلاج؟
وهكذا
فإن علاج قضية ارتفاع الأسعار يرتبط بتصحيح
العجز المزمن في الميزان التجاري، وكذلك
الخروج من حالة الإنتاجية المتدهورة في كثير
من المنشآت. وإحلال الإنتاج المحلي محل
المنتجات المستوردة، خاصة التي لها بديل محلي
جيد، وهي السلع التي وعد اتحاد الغرف
التجارية بحصرها حتى تكون تحت نظر
المستوردين، إلا أن الأمر تاه في زحام
الارتفاعات المتوالية للأسعار.
يضاف
إلى ما سبق ضرورة تفعيل 64 جمعية لحماية
المستهلك، وهي تنتظر إصدار قانون حماية
المستهلك الذي طال انتظاره من قبل المستهلكين.
ويجب
أيضا التصدي لقضية الطاقات الصناعية العاطلة
التي تتجاوز نسبة الـ30% في كثير من الصناعات،
بل إن مصانع الأدوية التي تطالب برفع أسعار
منتجاتها لا تعمل سوى بنسبة 35% من طاقتها. كذلك
قضية الفاقد الصناعي والزراعي، خاصة أن بعض
المحاصيل الزراعية ترتفع بها نسبة الفاقد إلى
30%.
كما
يحتاج الأمر إلى الاتفاق الحكومي على مستوى
معين من الأسعار لتحديد حجم النقود التي يتم
ضخها للسوق للتلاؤم مع الإنتاج القومي عند
هذا المستوى وتحقيق التوازن في الموازنة
العامة للدولة -والتي تعاني عجزًا متزايدًا
منذ سنوات- وذلك لضمان استقرار مستوى الأسعار
المتفق عليه؛ لأن كل عجز بالموازنة هو بمثابة
تضخم.
وفي
إطار العلاج الجذري يحتاج مناخ الاستثمار إلى
تنقيته من الضرائب العالية على المنتجين
والرسوم المحلية والبيروقراطية في إصدار
التراخيص ومن الفساد الإداري حتى تتحقق زيادة
الإنتاج والإنتاجية معا.
مسكنات
حكومية
وفي
الوقت الذي تحتاج فيه مواجهة ارتفاع الأسعار
لتصحيح هيكلي فإن الحكومة أقدمت على خطوات
يمكن وصفها بـ"التسكين المؤقت"، وهي
تهتم بتهدئة الأمور لبعض الوقت دون اتخاذ
إجراءات تتجه للحل الجذري.
فقد
استخدمت منافذ المجمعات الاستهلاكية التابعة
لها في طرح كميات من السلع بأسعار أقل من
السوق لإعادة التوازن للأسعار، إلا أن حجم
تعاملات تلك المجمعات لا يمثل سوى نسبة 10% من
السوق، كما تتركز في المدن فقط وتعاني من
خسائر وضآلة رءوس أموال شركاتها، واعتمادها
على الاقتراض من البنوك في التمويل وتكبيلها
بإدارة حكومية بيروقراطية.
كذلك
هناك أداة توزيع مهملة من جانب الحكومة تتمثل
في مئات الجمعيات الاستهلاكية المنتشرة في
أنحاء القرى والمدن، والتي حققت تجارب ناجحة
في عدد من المدن المصرية.
وفي
إطار التحركات الحكومية أيضًا فقد تمت إقامة
معارض بالقاهرة والأقاليم لبيع السلع بأسعار
منخفضة، إلا أن هذه وسائل مؤقتة غير دائمة في
ظل سوق تفتقد إلى الثقة في تحقيق الاستقرار
لأسعار السلع، حيث تتجه التوقعات إلى
سيناريوهات سلبية، ويرافق ذلك حالة من عدم
الثقة بالتصريحات الحكومية خاصة فيما يخص
الأسعار على مدار سنوات طويلة.
ويرى
وزير التموين المصري أن زمن التسعيرة الجبرية
قد مضى بالانضواء تحت مظلة الاقتصاد الحر
والارتباط بعدد من الاتفاقيات الدولية التي
تلزم مصر بحرية السوق، ومن هنا فلا مجال لديه
للتدخل سوى الاجتماع بكبار التجار في إطار
اتحاد الغرف التجارية للاتفاق على أسعار
معينة للسلع دون التدخل لتحديد أسعار تلك
السلع.
وفي
ظل الإجراءات المؤقتة فإن توقعات استمرار
زيادة الأسعار هي السائدة بين المستهلكين،
ومن هنا يتجه البعض لتخزين كميات من السلع
تحسبًا لتزايد أسعارها، كما يتجهون لتحويل ما
لديهم من جنيهات إلى دولارات تحسبًا أيضا
لزيادة سعر صرفه.
اقرأ
أيضًا:
**صحفي
اقتصادي مصري