|

|
|
بعض المخرجين استطاعوا التغلب على عثرات التمويل |
تمثل
مسألة التمويل عثرة ضخمة أمام إنتاج الأفلام
والمسلسلات الفلسطينية، وتزداد صعوبة في ظل
أوضاع الاحتلال الإسرائيلي وعدم وجود جهاز
يتبنى إنتاج الأعمال السينمائية ويمولها؛
مما قد يلجأ البعض معه إلى التمويل الغربي وما
يتضمنه من تأثير على اتجاهات هذه الدراما
وتعارضها أحيانًا مع القضايا الوطنية
الفلسطينية.
غير
أن هذه العثرة لم تجعل المخرجين والمنتجين
الفلسطينيين يستسلمون، بل استطاع بعضهم
الاستمرار وإنتاج ما استطاع عليه، سواء فيلما
أو مسلسلا ودراما وثائقية.. فكيف فعلوا ذلك؟
وما هي العقبات التي تواجههم؟ وكيف ساعد
المواطنون الفلسطينيون في تخفيف أعباء تكلفة
إنتاج الأفلام أو المسلسلات؟
بالروح..
بالدم
لعبت
مصادر التمويل دورًا أساسيًّا في توجهات
السينما الفلسطينية منذ نشأتها الأولى،
وتحديدًا بعد هزيمة عام 1967، والتي تم على
إثرها إنشاء أول وحدة سينمائية ضمن إطار
منظمة التحرير الفلسطينية، حيث أخذت على
عاتقها إبراز الجانب الحقيقي للشعب
الفلسطيني، ومحو الصورة السلبية التي طبعتها
السينما الغربية والصهيونية عن المواطن
الفلسطيني.
ونظرًا
لاعتماد هذه الوحدة في تمويل إنتاجها على
الصندوق القومي الفلسطيني، فقد أنتجت فيلمين
وثائقيين، وهما: فيلم "لا للحل الاستسلامي"
الذي يصور مظاهرات الفلسطينيين في مخيماتهم
احتجاجًا على معاهدة روجرز، وفيلم "بالروح
وبالدم - 1971"، الذي يصور آراء الفلسطينيين
في أحداث عام 1970 بالأردن، وقد مثلت هذه
الأفلام حينها الرؤية الفلسطينية، بغض النظر
عما مثلته من خطوط حمراء للآخرين.
ومنذ
الخروج من بيروت وحتى قيام السلطة الفلسطينية
استمر تمويل الأعمال السينمائية الفلسطينية
بصورة غير منتظمة من خلال الصندوق القومي
الفلسطيني نتيجة لانهيار وتشتت أقسام دائرة
الثقافة والإعلام، ومنها الوحدة السينمائية
التي كان يتم العمل السينمائي الفلسطيني من
خلالها.
ومع
ذلك تخلل هذه الفترة عدة أفلام سينمائية ذات
طابع توثيقي وروائي، ومن إنتاج غير فلسطيني،
أو مشترك، وأهمها كان فيلم "عرس الجليل –
1987" للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي،
والفيلم من إنتاج بلجيكي – فرنسي – بريطاني
– ألماني، وقد حاز على جائزة السعفة الذهبية
في مهرجان كان السينمائي في فرنسا عام 1988. لكن
البعض هاجمه بسبب وجود مشاهد عارية به، كما
قامت السينما المصرية والسورية والعراقية
بإنتاج أفلام عن القضية الفلسطينية. ***
تمويل
السينما بعد أوسلو
خضعت
السينما الفلسطينية بعد اتفاق إعلان المبادئ
الموقع في أوسلو بين منظمة التحرير
الفلسطينية وإسرائيل في 13-9-1993 للعديد من
الاعتبارات والعوامل التي ارتبطت بتطورات
العملية السلمية، والمفاهيم المختلفة
للسلام، والتي بدورها أثرت وبشكل مباشر على
تمويل السينما الفلسطينية، واتجاهاتها.
ويمكن إيجاز أهم مصادر تمويل السينما
الفلسطينية بعد قيام السلطة الفلسطينية في
الآتي:
1
- التمويل المشترك: نقصد بذلك هو الإنتاج
السينمائي الفلسطيني الذي يتم تمويله من أكثر
من طرف –باستثناء إسرائيل- وخاصة الدول
الأوروبية. وغالبًا ما تخضع هذه النوعية من
الأفلام في توجهاتها لرؤية المخرج وفلسفته،
ورؤية الدول الممولة للعملية السلمية.
وأهم
الأمثلة على ذلك هي أفلام المخرج الفلسطيني
رشيد المشهراوي الذي يجسد فيها واقع الاحتلال
السيئ واستمرار آثاره، وهذا ما جسده في فيلم
"حتى إشعار آخر"، وهو من إنتاج فلسطيني –
هولندي، وفيلم "حيفا – 1996"، وهو من إنتاج
هولندي- ألماني- فرنسي - فلسطيني.
2
- التمويل الإسرائيلي: تقوم بعض شركات الإنتاج
الإسرائيلية -وأحيانًا بالتعاون مع جهات
خارجية- بتمويل أفلام سينمائية فلسطينية، من
إخراج مخرج فلسطيني، وغالبًا ما يكون لديه
الجنسية الإسرائيلية.
ودائمًا
يغلب على هذا النوع من الأفلام وجهة النظر
الإسرائيلية، أو تتضمن أهدافًا تتنافى مع
المفاهيم التقليدية لنظرة الفلسطينيين
للاحتلال الإسرائيلي، أو دعوة للتحرر
والانفتاح الهادم بحجة التحرر والمساواة
والديمقراطية، وتقارب الشعوب والتعايش
المشترك. ومن نماذج هذه الأفلام "درب
التبانات" و"ملف اختفاء".
3
- التمويل الفلسطيني: يمكن تقسيم تمويل
الإنتاج السينمائي الفلسطيني إلى نوعين
أساسيين، وهما:
أ-
التمويل الخاص: يمثل هذا النوع الشركات
الفلسطينية الخاصة المساهمة، وأهمها شركة
مشهراوي، وشركة العالمية للإنتاج الفني،
وشركة أمجاد، وشركة ميادين، وشركة رمتان، أو
بعض رجال الأعمال الفلسطينيين الذين يحدوهم
الأمل في تحقيق الربح عند الاستثمار في هذا
النوع من الأعمال، ومن الأمثلة على ذلك مسلسل
"وأنت يا قدس" الذي بلغت تكلفة إنتاجه 75
ألف دولار، وشاركت فيه ثلاث جهات، هي: شركة
العالمية للإنتاج الفني التي ساهمت بمبلغ 30
ألف دولار، وشركة أمجاد للإنتاج الفني بملغ 30
ألف دولار، والمبلغ المتبقي مساهمة الممثلين
وبعض الفنيين عن أجورهم وأتعابهم، على أن يتم
دفع مساهمتهم بعد التسويق.
غير
أن هذا النوع من التمويل الخاص تواجهه عقبات،
فمسلسل "وأنت يا قدس" لم يوف ثمن إنتاجه
بسبب تأجيل بعض المحطات التي عرضته على
شاشاتها الدفع إلى ما بعد 6 أشهر أو عام،
والبعض الآخر سلم موزعين موجودين في الأردن
ثمنه إلا أن الظروف أحالت دون تسديدهم تلك
المبالغ حتى الآن.
ولم
يكن نفس الحال بعيدا عن المسلسل الوثائقي (اللاجئون
إلى أين)؛ حيث اضطر عاطف عيسى كمنتج ومخرج
ومؤلف لتغطية أمور الإنتاج على حسابه الخاص
طيلة 3 سنوات هي سنوات العمل بهذا المسلسل،
وبلغت قيمته 30 ألف دولار، وتكرر الأمر مع
مسلسل "وأنت يا قدس"؛ حيث ما زال هناك
آلاف الدولارات كديون مجمدة على عيسى لحين
التسويق، وهي تتراوح -حسب قول عيسى- ما بين 50
–60 ألف دولار.
ويجدر
بالذكر أن بعض الاتجاهات السياسية
الفلسطينية تقوم بتمويل إنتاج أفلام
فلسطينية وثائقية تعبر عن حدث ما، وأهم
الأمثلة على ذلك هو الفيلم الوثائقي
الفلسطيني "مجزرة في محراب خليل الرحمن"
الذي جسد بكل روعة وكفاءة المجزرة التي قام
بها إسرائيليون، وعلى رأسهم المجرم العنصري
الحاخام اليهودي / حاييم جولد شتاين في شهر
رمضان المبارك عام 1994، حيث تم إطلاق النيران
على المصلين الفلسطينيين أثناء سجودهم في
صلاة الفجر، وقتل العديد منهم. وكذلك فيلم "صور
متحركة" للأطفال، وهو فيلم تربوي هادف، وقد
قامت بإنتاجه شركة أمجاد بالتعاون مع قسم
الإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة.
ب-
تمويل
القطاع العام: منذ قيام السلطة الفلسطينية
وممارستها لصلاحياتها المنوطة بها ضمن
اتفاقيات أوسلو تم إنشاء العديد من الوزارات
والمؤسسات، وكان منها وزارة الإعلام، ووزارة
الثقافة، وتلفزيون فلسطين، والفضائية
الفلسطينية، وهي المفترض نظريا أن يكون لها
الصلة المباشرة بالإنتاج السينمائي، إلا أن
الواقع الذي نشأ وصارت عليه الأمور بعد ذلك،
أن كلاً من وزارتي الثقافة والإعلام تجنبت
الخوض في هذا النوع من الأعمال للعديد من
الأسباب والاعتبارات، علماً بأن هناك دائرة
خاصة بوزارة الثقافة، وهي دائرة السينما،
ولكن قد اقتصر الإنتاج السينمائي ضمن القطاع
العام عملياً على تلفزيون فلسطين والفضائية
الفلسطينية اللذين يعتبران في نفس الوقت شبه
إدارة واحدة ويتبعان مباشرة لمكتب الرئيس.
وقد
كان أول عمل يساهم في تمويله جزئياً
تلفزيون فلسطين مسلسل "ليالي الصيادين"،
ثم مسلسل "درب الشوق" الذي يعتبر من
إنتاج القطاع الخاص. وقد تبعها مجموعة من
الأعمال المعدودة في أوقات متفرقة، ولقد لاقت
الكثير من الانتقادات لافتقارها إلى الحد
المطلوب للعمل الفني الجاد.
ومما
يؤسف له القول بأن التمويل ضمن موازنة
تلفزيون وفضائية فلسطين ليس العامل الأساسي
في ضعف المستوى، وإنما يعود ذلك لاعتبارات
أخرى، أهمها تهميش الكفاءات الملتزمة
والجادة، وتغليب المصالح الشخصية على
المصلحة العامة. وعلى سبيل المثال يتم
التعامل مع الممثل الفلسطيني بالتعاقد عن كل
عمل، وبأجر بالكاد يكفي الممثل، لتغطية
حاجاته الأساسية. وفي المقابل يتم إغداق
الإنفاق على الحفلات والسهرات التي يشرف على
إعدادها وتنظيمها التلفزيون.
ويوضح
العديد من الممثلين سبب قبولهم لهذا
الأمر، بأن العمل الذي يقومون به -والذي
غالباً ما يعكس قضية فلسطينية- عمل وطني، ومن
الواجب المساهمة به، وعلى أمل أن يتم تحسن
الوضع مستقبلاً، إضافة إلى ما يتم تقديمه لهم
من وعود بصرف المكافآت بعد تسويق الإنتاج
والحصول على الإيراد العائد منه. وبالطبع هذا
الأمر يتوقف على حسن نوايا القائمين على
الإنتاج والتسويق.. مع التنويه بأنه لا يوجد
ضمن كادر تلفزيون فلسطين أو الفضائية
الفلسطينية وظيفة ممثل، وإنما يوجد وظائف يتم
إدراجها تحت أسماء مختلفة، وأهمها: فني،
إداري، مخرج.
وهذا
بحد ذاته ما يدفع المخرج مرغماً -وتوفيراً
لنفقات الإنتاج- إلى الاستعانة بموظفين ليس
لهم صلة بالتمثيل، وقد يفرضون عليه لاعتبارات
أخرى، وبالطبع هذا يكون سبباً في خفض جودة
العمل، وتدني مستوى الأداء العام له.
صمود
أهل المهنة
ورغم
ظروف التمويل الصعبة، فقد تحايل المخرجون
الفلسطينيون على هذه الظروف واستطاعوا إنتاج
أعمالهم الدرامية بمبالغ بسيطة، وكما يقول
المخرج والكاتب الفلسطيني سويلم العبسي: إنه
نتيجة للخبرة الطويلة التي نالها هو وغيره من
المنتجين والمخرجين الفلسطينيين، فقد عرف
كيف يتحايل على الظروف المالية؛ كي لا تحول
بينه وبين الخروج بفكرته إلى حيز التنفيذ.
ويشير
سويلم في هذا الصدد إلي مسألة ضغط نفقات أي
عمل درامي من خلال المساعدات التي تقدمها
العائلات الفلسطينية حيث تستضيف طواقم العمل
الدرامي. ولا تتوانى هذه العائلات عن تقديم
وجبات الطعام للجميع وإخضاع كافة ممتلكاتهم
لخدمة العمل.
أما
المخرج والمنتج الفلسطيني عاطف عيسى فيعتبر
أن الوازع الوطني يدفع هذه العائلات للقيام
بهذه الأعمال، ويقول: "عندما احتجنا في أحد
الأعمال الدرامية لملابس للممثلين صنعت
مصانع الخياطة في غزة كل ما نحتاجه على نفقة
أصحابها"، كما أن بعض الممثلين قد لا
يطلبون مقابلا، كما أن المخرج ومعه مصممو
الديكور يعملون على خفض نفقات الديكور التي
عادة ما تلتهم الجزء الأكبر من أي عمل درامي.
ففي
مسلسل "درب الشوك" الذي يتناول بعض مظاهر
الحياة الاجتماعية البدوية في فلسطين كان
العمل بحاجة إلى تأجير 10 بيوت من الشعر، لكنه -كما
يقول المخرج سويلم العبسي- نتيجة لارتفاع
ثمن مثل تلك البيوت فقد قمنا بشراء قماش
متين وصبغه وعمل كل ما يلزم لتحويله إلي بيت.
مؤسسة
للتمويل
وفي
الوقت الذي يرفض فيه البعض من المنتجين
والمخرجين فكرة التمويل الغربي فإن البعض رأى
ضرورة اللجوء لبعض المؤسسات لتبني بعض
الأعمال المفتقرة للإنتاج، وهو ما حدث في "الأيدي
الصغيرة" العمل الفني الذي يتحدث عن عمالة
الأطفال في غزة. فعندما بدأت الفكرة في ذهن
المخرج عيسى ووقف الافتقار إلى المادة حائلا
دون تنفيذ العمل، لم يتوان عيسى لحظة عن البحث
عن أي شيء قد يخرج العمل إلى حيز الوجود؛ فذهب
إلى مؤسسة برنامج غزة للصحة النفسية لتتبنى
هذا العمل إنتاجيا.
لذلك
يطالب المخرجون بإيجاد مؤسسة؛ لتلم هذه
الجهود وتمول هذه المشاريع وتتحدى المعوقات
المالية التي تواجهها أعمالهم. ويوضح سويلم
أنه لو وضع المنتج الفلسطيني أمام ناظريه
العائد المادي للتوزيع لتراجع عن إنتاج
الكثير من الأعمال؛ لضعف هذا التوزيع، مرجعا
أسباب ضعف التوزيع إلى الجانب الرسمي
الفلسطيني المقصر في هذا الجانب، وموجها
اللوم إلى التلفاز الفلسطيني الذي لا يشتري
أعمالهم، ويتساءل سويلم: من سيشتري أعمالنا
التي تسجل وقائع يحرم على الذاكرة الفنية عدم
تسجيلها؟!!
اقرأ
أيضًا:
*
أستاذ اقتصاد فلسطيني
**
صحفية
فلسطينية
***
أنتجت السينما المصرية والسورية، العديد من
الأفلام، وأهمها: "فتاة من فلسطين، نادية،
أرض الأبطال، الله معنا، أرض السلام، فتاة من
إسرائيل، والمعتقل". ويلاحظ أن معظم
الأفلام التي أنتجتها السينما المصرية تعود
لشركات القطاع الخاص، وأنها عبرت في معظمها
عن تطور الرؤية المصرية الشعبية التي تعادي
المحتل الإسرائيلي.
أما
بالنسبة للأفلام التي أنتجتها السينما
السورية، فأهمها: " أجراس الخطر، فداك يا
فلسطين، ثلاث عمليات تحت الشمس، رجال تحت
الشمس- 1970، السكين، المخدوعون، كفر قاسم،
الأبطال يولدون مرتين". ونلاحظ أن هذه
الأفلام تعبر عن وجهة نظر فلسطينية ثورية
تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، وهذا يعود
لكون تمويلها كان فلسطينيا – سوريا مشتركا،
ومقتبسة عن قصص وروايات لكتاب فلسطينيين، أو
سوريين عاشوا في صلب الصراع، وذاقوا مرارة
المعاناة الفلسطينية في مخيمات الشتات
الفلسطيني، وأهمهم الأديب الفلسطيني/ غسان
كنفاني.
كما
ساهمت دول عربية أخرى مثل العراق في إنتاج
أفلام تخص القضية الفلسطينية، وأهمها: "الشتاء
المر"، أخرجه العراقي جميل شاكر، وفيلم "سنعود"
وهو من إنتاج فلسطيني – جزائري.. والفيلمان
يعبران بصورة أساسية عن قصة كفاح الشعب
الفلسطيني وحقه في العودة والاستقلال.