شبّه
بعض الاقتصاديين الغربيين بحر قزوين
بالخليج العربي الجديد (الخليج الفارسي
في المفهوم الغربي)، كما يعتبر كثير من
المتابعين أن أذربيجان هي الكويت
الجديدة بمستقبلها النفطي.
ورغم
أن أذربيجان لا تنتج سوى 0.3 مليون برميل
يوميًّا فإن احتياطي النفط بها يتراوح
بين 1 إلى 30 بليون برميل (تباين كبير في
التقديرات) وهو ما ينتظر أن يصل باستكمال
الاستكشافات إلى إنتاج يومي ربما يبلغ في
2010 نحو 1.2 مليون برميل (ما زالت بعيدة عن
تشبيهها بالكويت التي يبلغ إنتاجها
اليومي 2 مليون برميل واحتياطها من النفط
96 بليون برميل).
جدير
بالذكر أن أذربيجان كانت من أولى دول
العالم التي بدأ فيها ضخ النفط في مطلع
القرن العشرين، ووصل إنتاج النفط بها في
أربعينيات الفترة السوفيتية إلى 0.5 مليون
برميل يوميًّا.
ومع
ما تتسم به ظروف استخراج النفط
الأذربيجاني من صعوبة ومخاطر -بما يرفع
من تكلفة الإنتاج- اتجهت آلة النفط
السوفيتية إلى سيبيريا وشمال غرب روسيا،
فهبط الإنتاج الأذري بشكل مفاجئ.
ولم
يكن الإنتاج يزيد في بداية الاستقلال عن
الاتحاد السوفيتي عن 260 ألف برميل، أي نحو
نصف ما كانت عليه في الأربعينيات. وبمجرد
استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991
سارعت أذربيجان في عهد الرئيس مطالبوف
إلى توقيع عقود الاستكشافات النفطية مع
الشركات الغربية وعلى رأسها "بريتيش
بيتروليوم" و"أموكو".
الشراكة
مع الغرب
ومع استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي (أغسطس 1991) قاد الرئيس "التشيبي" توجه الابتعاد عن موسكو ، فازدادت الشراكة مع الغرب في القطاع النفطي، وتأكد هذا التوجه مع وصول الرئيس الحالي حيدر علييف إلى سدة الحكم في عام 1993. ووقعت في عام 1994 عقود نفطية بين وزارة النفط الأذرية و12 شركة أوروبية اعتبرها المراقبون "صفقة القرن".
وحصلت
الشركات الأمريكية على مدى عقد
التسعينيات وحتى عام 1998 على 38% من قيمة
العقود ومثلتها شركات: رامكو، أموكو،
يونوكال، بنزأويل، وإيكسون. وحصلت
الشركة البريطانية "بريتيش بيتروليوم"
على 17% من قيمة العقود، بينما بلغت حصة
كبرى الشركات الروسية "لوك أويل"
على 10% ونحو 8% كانت للشركة النرويجية "ستات
أويل"، والنسب الباقية كانت لشركات
دولية أخرى كشركة تباو التركية
ووايتوتشو اليابانية ودلتا السعودية،
وستستمر هذه العقود حتى 2025. وتخطط هذه
الشركات لاستخراج 500 مليون طن وبرأس مال 8
مليار دولار.
شركة
لوك أويل
ورغم
ما يثار من أن أذربيجان تقفل الباب أمام
روسيا في استثمار ثروتها البترولية
وحالة التوتر الظاهرة بين البلدين بسبب
اتهامات متبادلة، فإن شركة لوك أويل
الروسية تجد طريقها للعمل في الحقول
النفطية الأذرية، ولكن مع تحجيم باكو
لنسبتها في حدود 10% من إجمالي العقود.
وفي
المقابل لا تقل حصة الشركات الأمريكية
والبريطانية مجتمعة عن 50%. والباقي
لشركات متنوعة إيطالية ونرويجية
ويابانية وفرنسية. غير أن روسيا لا تفرق
بين اليابان وفرنسا والولايات المتحدة،
فالكل عندها "غرب" أو الكل عندها "ليس
روسيًّا"، كما أنها لا تفرق بين حضور
الشركات الغربية على الأراضي الأذرية
والحضور الجيوسياسي للدول الغربية على
عتبات بيتها لإزاحة روسيا من فضاء جغرافي
اعتبرته لقرون "حقًّا مكتسبًا". كما
أن روسيا لا تزال غير قادرة على القبول
بسيطرة أسطولها الحربي على مياه قزوين
ووجود هامشي لشركة لوك أويل في هذا البحر.
برميل
النفط.. نصف ممتلئ
ولا
يخفي بعض المتابعين الروس شماتتهم من
الانتكاسة التي شهدها قطاع النفط الأذري
في النصف الثاني من عقد التسعينيات،
حينما اكتشفت عديد من الشركات الغربية أن
التنقيب عن النفط في القطاع البحري
الأذري (80% من الإنتاج يأتي من الحقول
البحرية) لم يؤتِ سوى 25% مما كان منتظرًا،
بل إن بعض الشركات الأخرى فوجئت بارتفاع
شديد في تكاليف الاستخراج فعزفت عن إكمال
عمليات التنقيب (لنيزافيسيميا جازيتا 26
يناير 1999).
وهكذا
وكما أعلنت وزارة النفط الأذرية في عام
2000 فإن 21 عقدًا مع 33 شركة أجنبية تمثل 15
دولة لم تحقق النجاح المطلوب والشروط
المتفق عليها في العقود النفطية،
فانسحبت بعض الشركات، وباع البعض حصته
لشركات أخرى، وجمدت شركة أموكو
الأمريكية العملاقة من استثماراتها في
إنشاء خط الأنابيب باكو - جيهان.
وقد
تناغم هذا مع توجهات عامة لشركات
الاستثمارات الغربية التي اكتشفت أن
الاستثمار القزويني ليس "صفقة موعودة"
في ظل صعوبات الاستخراج في مياه البحر
العميقة، فخفضت في عام 1999 ثلاث شركات
كبرى عاملة في تركمنستان (القطاع الشرقي
من قزوين) استثماراتها إلى الحد الأدنى.
عوائق
أخرى
وعلى
الرغم من الأبعاد الاقتصادية في مشكلة
النفط الأذري بخصوصه والقزويني بعمومه، فإنه
من الصعب فصل القضية عن عاملين رئيسين:
1-
المشكلات العرقية على خريطة التنافس
الغربي - الروسي على بترول قزوين،
فمشكلات الانفصال العرقي - الديني في كل
من الشيشان وداغستان (روسيا)، وأجاريا
وأبخازيا (جورجيا)، وكاراباخ (أرمينيا
وأذربيجان)، ومشروع الانفصال الكردي (تركيا)،
وحركات الإسلام السياسي التي تعمل تحت
الأرض (دول آسيا الوسطى شرق بحر قزوين).
2-
تاريخ العلاقات بين دول بحر قزوين وروسيا
والتي كانت جميعها حتى عام 1991 تخضع
لسيادة موسكو، سواء في العهد القيصري أو
في العهد السوفيتي (عدا إيران). ويحفل هذا
التاريخ بعلاقات سيادية تحاول دول
المنطقة أن تخرج من ظلالها إلى وعود
بالرفاهية والاندماج في عالم الغرب.
ومن
زاوية أخرى هناك التنافس الأمريكي -
الروسي للسيطرة على المنطقة. ولقد فسّر
البعض الحملة الأمريكية على أفغانستان
بسعيها للسيطرة على نفط قزوين، وقد يكون
في ذلك بعض من تفسير دوافع جزئية للحملة (ويشبه
ذلك تفسير الحملة على العراق)، غير أن
الثابت أن الدوافع أكبر من أن تنحصر في
النفط الذي لا يمثل أكثر من محفز الحركة
في بسط الهيمنة وبناء الإمبراطورية التي
لا بد لحدودها أن تشمل منابع الثروة التي
تقع في جزء عظيم منها تحت أعين المشروعات
الإسلامية الناهضة (والمضروبة داخليًّا
وخارجيًّا).
وخاتمة
القول إن الركود الذي تعيشه أذربيجان
وباقي دول قزوين قد لا يبدو لتغيره فجرًا
قريبًا، فدول آسيا الوسطى ستظل تتمايل
بين روسيا والغرب ببراجماتية معهودة عن
سكان المنطقة. ودول القوقاز الثلاث لا
يمكن وضعها في سلة واحدة. فجورجيا
وأرمينيا لا نفط لديهم، ولن يطمعا في
أكثر من نقل النفط عبر أراضيهم، أما
أذربيجان فستدفع أكثر لمن يعيد إليها
كاراباخ المحتلة بالجيش الأرمني ومن
ينقلها إلى الغرب (ولو كعضو في الناتو ومن
خلال النموذج التركي)، ويهرب بها بعيدًا
عن الظل الروسي الثقيل حتى لو شبهها
الروس بإسرائيل القوقاز في علاقتها
الحميمة بالولايات المتحدة.
وفي
هذا الملف نتأمل "قزوين" جغرافيا
واقتصاديا.
1-
قزوين.. معلومات أساسية
2-
حرب الأنابيب في بحر قزوين
3-
أذربيجان.. الكويت الجديدة!
4-
إستراتيجية أمريكا تجاه قزوين
**
خبير في الشؤون الروسية