|

|
|
الخصخصة سبب انتفاضة الطلاب
|
طغت
التظاهرات الطلابية الإيرانية الحاشدة
والمستمرة منذ أكثر من أسبوع -احتجاجاً
على قرار خصخصة الجامعات، ومعها
التهديدات الأمريكية المتصاعدة ضد
النظام هناك- على المشهد الإيراني؛
فأهمل المتابعون لشؤون إيران تحليل
السياسات الاقتصادية للحكومة
الإصلاحية بقيادة الرئيس محمد خاتمي
لصالح الاحتفاء بتفاصيل السياسة
الداخلية والخارجية، وأخبار الصراع
المؤسسي المعقد الذي يخوضه التياران:
الإصلاحي والمحافظ داخل الدولة
الإيرانية.
وفي
حين تعني التظاهرات سياسيا أن أحد ركائز
المشروعية للنظام الإيراني أخذت في
الاهتزاز بفعل هذه الاحتجاجات، فإن
إلقاء الضوء على الواقع الاقتصادي
الإيراني من شأنه الإحاطة بجوانب
المشهد وتفاصيل الفسيفساء المشكلة له؛
باعتبار أن الاقتصاد هو التعبير
الحقيقي عن التوجهات الأساسية للحكومات
بشكل عام.
البداية
مع الموازنة
قبل
نهاية عام 2001 بأيام قليلة أقر البرلمان
الإيراني موازنة الدولة الإيرانية لعام
2002 التي تقدر بحوالي 663.757 تريليون ريال (الدولار
يساوي 8000 ريال)، بزيادة قدرها 45.5% مقارنة
بعام 2001 (السنة المالية الإيرانية تبدأ
في 21 مارس).
ويلاحظ
أن هناك تطورا كميا إيجابيا في بنود
الموازنة؛ حيث توخت تخصيص مبالغ كبرى
لقطاع البناء الإيراني، مستهدفة زيادة
فرص العمل للشباب الإيراني، الذي تبلغ
نسبة البطالة بين صفوفه حوالي 20% حسب
التقديرات الإيرانية غير الرسمية،
لكنها في المقابل حاولت شطب دعمها
للتعليم الجامعي لتقليل العجز
بالموازنة في العام القادم. وهنا يكمن
وجه القصور في السياسات الاقتصادية
الاجتماعية للحكومة الإيرانية
الإصلاحية؛ فهي وإن حرصت على توفير
المزيد من فرص التشغيل للشباب عبر زيادة
مخصصات قطاع البناء، باعتبار أن
البطالة من أهم المشاكل الاقتصادية
والاجتماعية في إيران.. فإن العجز
المزمن فى الموازنة يجعل قدرة الدولة
محدودة في ذلك؛ مما يضطرها إلى إعادة
ترتيب الأولويات، وسحب المبالغ
الإضافية لقطاع البناء من بنود وقطاعات
أخرى.
ووقع
اختيار الحكومة على التعليم الجامعي
لتحاول خصخصته والتحلل بالتالي من
دعمها له، وتقلل بالتالي من عجز النفقات
الحكومية مقارنة بالإيرادات المتدنية
منذ عام 2002 بسبب تراجع أسعار النفط في
السوق العالمية.
ولكن
صانع القرار الاقتصادي في الحكومة
الإصلاحية لم يراعِ بالقدر الكافي
الاعتبارات الاجتماعية للطلاب، الذين
تظاهروا احتجاجا على القرار في وقت تشن
فيه الإدارة الأمريكية حملة إعلامية
ودبلوماسية مكثفة على إيران، وفي ظل
الخلل في التوازن الإقليمي بعد احتلال
العراق؛ فكانت الأبعاد والدلالات
المتولدة عن هذه التظاهرات أكبر من محيط
الجامعات، بل وفاضت حتى خرجت من حدود
إيران السياسية ووضعت نظامها في مأزق من
نوع جديد.
المؤشرات
الاقتصادية
ورغم
هذا المأزق فإن بعض المؤشرات
الاقتصادية تُظهر أن الاقتصاد الإيراني
ما زال أداؤه جيدا؛ فنسبة النمو الحقيقي
في عام 2001 بلغت 5% حسب تقديرات البنك
الدولي، وحوالي 5.9% حسب التقديرات
الرسمية الإيرانية، وهي أعلى نسبة نمو
حقيقي في السنوات الثماني الماضية،
وذلك بفضل قطاع النفط في المقام الأول.
وتعود
الزيادة في نسبة النمو الحقيقية إلى
زيادة إيران لإنتاجها من النفط (ثاني
أكبر منتج في منظمة الأوبك بعد السعودية)
بحوالي 10% حسب تقديرات منظمة الطاقة
العالمية.
وفي
نفس الفترة تراجع الدين الخارجي
المستحق على إيران إلى سقف 7.8 مليارات
دولار عند نهاية العام المالى 2001، ويمثل
حجم الدين الخارجي الإيراني نسبة 13% من
الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة
معقولة مقارنة بدول شرق أوسطية أخرى.
وأعلن محسن نوربخش محافظ البنك المركزي
الإيراني أن نسبة التضخم بلغت في إيران
حوالي 12.6% في السنة الماضية مقارنة
بحوالى 20% في العام قبل الماضي.
ويعتقد
بعض الاقتصاديين المستقلين في إيران أن
الارتفاع الحقيقي في الأسعار (التضخم)
يزيد بنحو 5% عن التقديرات الرسمية
الإيرانية، كما يوضح التطور القطاعي
للاقتصاد الإيراني أن قطاع صناعة
السيارات هو القطاع الأكثر حيوية
وقابلية لإنعاش الإيرادات الإيرانية
غير النفطية.
ولا
تتحكم العوامل الهيكلية في نسبة التضخم
بالاقتصاد الإيراني، كما في الأدبيات
الكلاسيكية الاقتصادية، بل يلعب سعر
صرف العملة الوطنية الإيرانية "الريال"
دورا أساسيا في هذا المضمار؛ فتعويم
الريال أمام الدولار الأمريكي -أو بمعنى
آخر تخفيض سعره أمام الدولار- يزيد من
سعر السلع المستوردة؛ وهو ما كان عليه
الحال في الأعوام الثلاثة الماضية.
وفي
بداية عام 2001 كان سعر صرف الدولار
الأمريكي يساوي 7300 ريال تقريبا، ودار
سعر صرفه بداية العام الحالي 2003 حول 8000
ريال. وما زال الصيارفة في "خيابان
فردوسي" (شارع فردوسي) في وسط طهران
الممسكين برزم نقدية إيرانية يعرضون
على المارة شراء دولاراتهم؛ وهو ما يعني
أن ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الريال
لم يقلص فجوة الطلب على الدولار
الأمريكي بشكل كاف؛ الأمر الذي يعني
بالنهاية أن الدولار الأمريكي سوف
يواصل طريقه صاعداً أمام الريال
الإيراني في العام الحالي.
وربما
تكون إيران إحدى الدول القلائل التي
يتفاوت فيها سعر صرف الدولار عند ذات
الصراف في نفس اللحظة؛ فسعر صرف الدولار
من الورقة فئة المائة دولار يبلغ 8000
ريال، في حين يبلغ سعر صرف الدولار
للورقة فئة الخمسين والعشرين والعشرة
حوالى 7500 ريال فقط، ويرجع هذا التفاوت
إلى رغبة التجار الإيرانيين في
الحصول على الدولارات من فئة المائة
دولار حتى يسهل عليهم نقل أموالهم إلى
الخارج.
العوائد
غير النفطية أقل
وبالرغم
من هذه الجوانب الإيجابية في الأداء فإن
الاقتصاد الإيراني لم يدخل بعدُ مرحلة
تزيد فيها عوائد الصادرات للسلع غير
النفطية عن العوائد المتولدة من السلع
النفطية، كما أعلنت حكومة الرئيس خاتمي
أكثر من مرة سابقاً.
ويضاف
إلى ذلك أن التدهور الحادث في أسعار
النفط يطيح بآمال الحكومة الإيرانية في
الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها. وفي
هذا السياق يمكن فهم دوافع وخلفيات قرار
الحكومة الإيرانية، الذي تراجعت عنه
فور اتساع نطاق المظاهرات، والمتمثل في
تقليل الدعم الحكومي للتعليم الجامعي،
وبالتالي تقليص العجز في الموازنة
الحكومية الإيرانية الراجع إلى عوامل
متعددة يتقدمها انهيار سعر النفط في
الأسواق العالمية والتدهور النازل
بإصرار إلى الأسفل لسعر صرف العملة
الوطنية الإيرانية "الريال" مقابل
الدولار الأمريكي.
ويوضح
الجدول التالي هذه الحقيقة بوضوح تام؛
حيث تمثل عوائد النفط أكثر من 75% من
الصادرات الإيرانية إلى الخارج.
هيكل
الصادرات الإيرانية وفقاً لأرقام صندوق
النقد الدولي لعام 2001:(1)
|
نوع
السلع
|
بالمليار دولار |
|
نفط
وغاز
|
9.933 |
|
فواكه
طازجة ومجففة
|
0.592 |
|
سجاد
|
0.570 |
|
صلب
|
0.139 |
|
إجمالي
الصادرات
|
11.236 |
وبالمقابل
يوضح هيكل الواردات الإيرانية -وإن كان
الميزان التجاري الإيراني لا يعاني من
وطأة السلع الاستهلاكية مثل الكثير من
دول العالم الثالث، حيث تشكل السلع
الرأسمالية والوسيطة النصيب الأكبر من
الواردات.. فإنه يشهد عجزاً يناهز
ملياري دولار سنوياً، ويضغط بالتالي
على الموازنة الحكومية الإيرانية.
هيكل
الواردات الإيرانية وفقاً لبيانات
صندوق النقد الدولي عام 2001:
|
نوع
السلع
|
بالمليار دولار |
|
سلع
وسيطة |
6.310 |
|
سلع
رأسمالية
|
6.002 |
|
سلع
استهلاكية |
2.011 |
|
إجمالي
الواردات
|
14.323 |
وتشير
هذه الأرقام إلى فجوة التجارة الخارجية
(الصادرات مخصوما منها الواردات)،
ويلاحظ أن المحرك الأساسي فيها هو سعر
النفط فى الأسواق الدولية، وليست
السياسات الاقتصادية الإيرانية في
الاعتبار الأول.
وتبقى
التظاهرات الأخيرة في إيران -بالرغم من
العوامل الخارجية المتمثلة في التدخل
الأمريكي وتدهور سعر النفط عالميا-
شاهدا على انسداد أفق السياسات
الاقتصادية الخاتمية، ولتكشف في الوقت
ذاته أخطر نقاط الضعف في المشروع
الإصلاحي الإيراني، وهو غياب تصور موحد
للتيار الإصلاحي عن النموذج الاقتصادي
الواجب تطبيقه، وبالتالي غياب خريطة
الشرائح الاجتماعية المؤيدة لهذا
التيار.
وفي
هذا ما يفسر اندلاع تظاهرات الطلاب
المؤيدين تاريخياً للتيار الإصلاحي ضد
الحكومة وتنديدهم حتى بالرئيس خاتمي
الإصلاحي، مؤكدين على عجز مشروعه؛ لأن
قرار الحكومة الإصلاحية خصخصة
الجامعات، وإن كان هدفه تقليص العجز
بالموازنة.. فإنه أصاب -من حيث لم يحتسب-
الشريحة الأكثر تأييدا للتيار الإصلاحي
وهي الطلاب.
اقرأ أيضا:
**
خبير اقتصادي مصري، والمحرر العام
لمطبوعة "شرق نامة" التي تعنى
بشئون إيران وتركيا وآسيا الوسطي.
(1)
يلاحظ اعتمادنا على إحصاءات عام 2001 بسبب
توافرها من ناحية ولتوحيد المصادر
الإحصائية من ناحية أخرى.
|