|

|
|
استغلال أمثل للمعونات أحد تحديات أبو مازن
|
لم
يكن غريبا أن يعلن مسئولون بإدارة
الرئيس الأمريكي جورج بوش لوكالة "رويترز"
الجمعة 6-6-2003 أنهم يدرسون تخفيف القيود
على المساعدات الأمريكية المباشرة
للسلطة الفلسطينية بعد يومين من قمة
العقبة؛ فالمنطق الأمريكي عادة ما
يشترط حدوث تطور في عملية السلام حتى
تتدفق المساعدات على الفلسطينيين.
وربما
كان تعهُّد رئيس الوزراء الفلسطيني
محمود عباس "أبو مازن" بوقف "الانتفاضة
المسلحة" أثناء القمة التي جمعتْه
بنظيره الإسرائيلي إريل شارون.. حافزًا
للإدارة الأمريكية للإسراع بالدعم
المالي لمشروع التسوية المطروح حاليا
تحت اسم "خريطة الطريق" التي تهدف
إلى إقامة دولة فلسطينية عام 2005؛ وهو ما
يدفعنا إلى إثارة قضية المساعدات
الدولية للفلسطينيين.. من حيث حجمها،
وشروطها، والقطاعات التي تنفق فيها،
والعوائق التي تحول دون استفادة الشعب
الفلسطيني منها بشكل كامل.
التسوية
مقابل المساعدات
ليس
أمرا جديدا أن يرتبط أي تقدم في "عملية
السلام" بمساعدات الدول المانحة؛
فقبل 10 سنوات وبعد التوقيع على اتفاق
أوسلو في 13 سبتمبر 1993 بواشنطن عُقد في
أكتوبر من نفس العام في واشنطن مؤتمر
للدول المانحة بهدف تقديم المساعدات
المادية والعينية للسلطة الفلسطينية
بعد قيامها، وقد اتفقت الدول المانحة
على خطوط عريضة لأغراض تقديم المساعدات
الدولية للشعب الفلسطيني، والتي
يمكن تلخيصها بما يلي1:
1-
دعم عملية السلام بين إسرائيل ومنظمة
التحرير الفلسطينية عن طريق دفع عجلة
التنمية الاقتصادية في المناطق
الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة)،
وتنفيذ المشاريع التي من المفترض أن
تعمل على تحسين مستوى المعيشة ونوعية
الحياة للفلسطينيين.
2-
إنشاء نظام "شرق أوسطي" قائم على
أساس الأمن الجماعي، والاستقرار
والتقدم لشعوب المنطقة؛ ومن ثم إلحاقها
كسوق مشتركة وواعدة بالنظام الاقتصادي
العالمي الجديد.
3-
إزالة واحتواء أسباب النزاع والتوتر
والعنف، وتشجيع اقتصادات السوق، وترسيخ
عمل المؤسسات الديمقراطية، وحماية حقوق
الإنسان.
واستنادا
إلى هذه الأهداف تدفقت المساعدات إلى
السلطة الفلسطينية، وبلغ إجمالي
المساعدات التي تم التعهد بها من طرف
الدول المانحة للسلطة خلال الفترة (1994 -
2001) نحو 6,9 مليارات دولار تقريبا، وبلغ
إجمالي الالتزام في الدفع نحو 5,7
مليارات دولار تقريبا، وصرف منها فعليا
3,9 مليارات دولار؛ أي بمتوسط سنوي للصرف
الفعلي 486 مليون دولار. وقد تراوح أعلى
معدل صرف فعلي لعام 1997 بـمقدار 526 مليون
دولار أمريكي، وبأقل معدل له للعام 2001؛
حيث بلغ 485 مليون دولار أمريكي وفقا
لأرقام السلطة الرسمية.
أما
إنفاق هذه المساعدات فالجدول التالي2
يوضح التوزيع القطاعي للمساعدات
الدولية المقدمة للسلطة الفلسطينية
للفترة 1994 – 2001 بالدولار:
|
النسبة
المئوية
|
إجمالي
الصرف
|
إجمالي
الالتزام
|
القطاع
|
|
33.3%
|
1,295,918,000
|
22,200,923,000
|
البنية
التحتية
|
|
9.2%
|
360,275,000
|
685,675,000
|
القطاع
الإنتاجي
|
|
28.8%
|
1,124,416,000
|
1,443,056,000
|
القطاع
الاجتماعي
|
|
26%
|
1,009,959,000
|
1.226,210,000
|
البناء
المؤسسي
|
|
2.7%
|
106,886,000
|
181,932,000
|
أخرى
|
|
100%
|
3,897,454,000
|
5,737,796,000
|
الإجمالي
|
ويعتبر
تقديم المساعدات الأمريكية
للفلسطينيين رهن موافقة لجنة اعتمادات
العمليات الخارجية في الكونجرس
الأمريكي، وهذه اللجنة قبل أن تقرر
المصادقة على تقديم المعونة تنظر أولا
إلى تقرير ترفعه لها أجهزة المخابرات
الأمريكية حول مدى علاقة السلطة
الفلسطينية بالحركات الفلسطينية
المعارضة، وطبيعة إجراءاتها وفعاليتها
لضمان أمن إسرائيل، بما فيها
المستوطنون وجنود الاحتلال3.
ووفقا لمصادر بالبيت الأبيض فإن
الولايات المتحدة تقدم معونات تبلغ
حوالي 75 مليون دولار سنويا للفلسطينيين.
فترة
انتفاضة الأقصى الثانية
مع
تصاعد حدة انتفاضة الأقصى الثانية بدأت
تطرح العديد من الاستفهامات والتوجهات
حول مستقبل المساعدات وأهدافها وأوجه
إنفاقها، وخاصة في ظل التطورات
السياسية الحالية، وانعكاساتها
الاقتصادية والاجتماعية على الشعب
الفلسطيني.
ونتيجة
لما سبق فقد عقدت الدول المانحة اجتماعا
لها في أوسلو4
يومي
الأربعاء والخميس الموافقين (24/25-4-2002)
لمناقشة تقديم المساعدات الدولية
للسلطة الفلسطينية، وقد قررت الدول
المانحة تقديم نحو 1.2 مليار دولار، منها
300 مليون دولار أمريكي على شكل مساعدات
إنسانية عاجلة، و900 مليون دولار لتمويل
ما تم تدميره إثر العدوان الإسرائيلي،
والاحتياجات الأخرى، ولكن الجديد
والمتعلق بهذه الفترة حول المساعدات
الدولية هو اقتران تقديمها بمطالبة
السلطة الفلسطينية بالإصلاح ومحاربة
الفساد.
وقد
أثرت انتفاضة الأقصى الثانية على مسار
الدعم المالي المُقدم من طرف الدول
المانحة عبر النقاط التالية5:
-
انخفاض التمويل الدولي بشكل كبير وصل
إلى حد التجميد، باستثناء النفقات
الجارية التي تُقدَّم للسلطة
الفلسطينية لدفع رواتب الموظفين، وبعض
النفقات التشغيلية التي تقدر بخمسين
مليون دولار أمريكي شهريًّا (40 مليونا
من صندوق الأقصى، و10 ملايين من الاتحاد
الأوروبي).
-
تجميد المشاريع الحيوية أو إلغاؤها،
مثل ميناء غزة الدولي، وطريق جنين
نابلس، وغيرها.
-
انسحاب الخبراء الأجانب من العمل في
المشاريع الواقعة في أراضي السلطة
الفلسطينية أدى في العديد من الأحيان
لوقف المشاريع، ورحيل الشركات
المقاولة، وعدم قدرة الكوادر
الفلسطينية على الإحلال مكانها
لمحدودية حركتهم نتيجة العراقيل
الإسرائيلية.
معوقات
استغلال المساعدات
|

|
|
إجراءات إسرائيل التعسفية أحد معوقات الاستفادة من
المساعدات
|
توجد
عدة معوقات تحول دون الاستغلال الأمثل
للمساعدات الفلسطينية، وتنقسم هذه
المعوقات إلى نوعين:
بالنسبة
للطرف الفلسطيني.. أهم المعوقات هي:
1-
تهافت السلطة الفلسطينية عبْرَ العديد
من الوزارات والمؤسسات للحصول على
أموال الدول المانحة بهدف تمويل العديد
من المشاريع، ودون أن تكون لهذه
المشاريع جدوى تعود بالمنفعة العامة،
وإنما لاعتبارات خاصة بالقائمين على
هذه الوزارات والمؤسسات؛ فعلى سبيل
المثال تمثل نسبة القطاع الإنتاجي
المولد لقيمة مضافة حوالي 9.2% من إجمالي
ما تم صرفه في الفترة من 1994-2001 (وفقا
لأرقام وزارة التخطيط الفلسطينية عام
2001).
2-
بلغت نسبة المساعدات الفنية من إجمالي
مبلغ الصرف الفعلي المقدَّم للسلطة
الوطنية الفلسطينية خلال الفترة 1994–2001،
ولكافة القطاعات المختلفة 24%، وبواقع
فعلي قدره 944 مليون دولار أمريكي. ويلاحظ
أنها تشكل نسبة عالية وغير مبررة
وتحديداً في ظل الأولويات الفلسطينية،
وكونها لا تتوافق مع ما ذُكر من الأهداف
الفعلية للمساعدات الدولية في خلق تطور
وتنمية مستدانة؛ حيث إن هذا لا يمكن أن
يتحقق بدون الاستغلال الأمثل لهذه
المساعدات، وخاصة إذا علمنا أن ما يُصرف
من مساعدات دولية تحت بند المساعدات
الفنية ينفق على المؤتمرات الدولية
وورشات العمل، ومرتبات الخبراء، وبدل
إقامتهم، وتنقلاتهم، ودراسات الجدوى،
وبصورة غير واقعية أو حتى دون توفر الحد
الأدنى من الفائدة المرجوة منها.
3-
تستأثر المنظمات الأهلية (غير الحكومية)
بـ9% من إجمالي ما تم صرفه من المساعدات
الدولية في الفترة من 1994-2001؛ أي بواقع
فعلي يساوي 361 مليون دولار تقريبا،
ويعتبر البعض هذا المبلغ مرتفعا مقارنة
بأنشطتها الاقتصادية الإنتاجية، كما أن
إنفاق هذه المنظمات للمساعدات لا يخضع
للرقابة، وهذا يستدعي إعادة تقييم شامل
حول تمويل هذه المنظمات، وأوجه الصرف
والإنفاق لديها بما يتوافق مع جهود
التنمية الفلسطينية وخصوصيتها التي
تميزها عن غيرها، وليس من الغرابة أن
نجد نسبة الإنفاق على المصاريف
الإدارية والقرطاسية، والأجور تتعدى
نسبة 60% من الأموال المصروفة عبْرَ
المؤسسات غير الحكومية.
4-
تنامي معدل القروض؛ حيث بلغ إجمالي
المبلغ المقدم على صورة قروض للسلطة
الفلسطينية 494 مليون دولار، وهو مؤشر
سلبي سيجعل من الاقتصاد الفلسطيني
رهينة للمديونية الخارجية؛ فقد تم
تخصيص مبلغ 65 مليون دولار أمريكي من
موازنة عام 2003 لتسديد قروض وفوائد قروض
مستحقة على السلطة الفلسطينية. ومع
العلم أن هذا المبلغ سيتم تغطيته من
أموال المساعدات المخصصة لدعم الموازنة
لهذا العام.
5-
غياب الرقابة الفعَّالة من طرف السلطة
الفلسطينية، وخاصة المرتبطة بالجوانب
القانونية والمحاسبية المتعلقة بأوجه
صرف المساعدات الدولية، أو حتى على
مستوى تقييم المشاريع مقارنة بالجدوى
المرتبطة بها.
أما
العوائق المتعلقة بالطرف الإسرائيلي
فهي ما يلي:
1-
الإغلاقات الإسرائيلية المتكررة
للأراضي الفلسطينية عملت على الحد من
تنفيذ البرامج المختلفة، وعدم القدرة
على توفير المدخلات الإنتاجية اللازمة
لتنفيذ المشاريع، أو استمرار تشغيل
المشاريع العاملة.
2-
زيادة تكلفة استيراد الآلات والمعدات
نتيجة للإجراءات الأمنية الإسرائيلية
على المعابر، والمتمثلة في رسوم
الأرضية والتعبئة والتعليق والفك
وإعادة التركيب، إضافة للمواصلات غير
المبررة.
3-
مماطلة إسرائيل في إصدار التراخيص
اللازمة للمشاريع أو للبنية التحتية
الخاصة بها في المناطق الفلسطينية التي
ما زالت تقع تحت الإشراف الأمني
الإسرائيلي، مثل المناطق C أو حتى في بعض
المناطق B.
4-
إحجام الدول المانحة عن تمويل بعض
المشاريع إرضاءً للطرف الإسرائيلي، كما
أن بعض الدول المانحة تستخدم المساعدات
كوسيلة ضغط على السلطة الفلسطينية
لتقديم التنازلات التي دائما تكون
لصالح الطرف الفلسطيني.
مقترحات
ورغم
وجود عوائق فلسطينية وإسرائيلية فإن
هناك اقتراحات قد تساعد على الاستغلال
الأمثل للمساعدات الفلسطينية، منها:
1
- إعطاء الأهمية القصوى للقطاعات
الإنتاجية المولدة للدخل مثل: الزراعة،
الصناعة، تنمية القطاع الخاص،
وتكنولوجيا المعلومات، والتوفيق بين
متطلبات التنمية ومساعدة الطبقات
الميسورة.
2
- تقليل الدعم المالي للقطاعات غير
الإنتاجية، وبما تتناسب مع الأهمية
النسبية لها.
3
- التأكيد على عدم توجه وزارات ومؤسسات
السلطة الفلسطينية للممولين بصورة
مباشرة، وأن يتم ذلك عبر جهة واحدة فقط (وزارة
التخطيط والتعاون الدولي)، وأن يكون ذلك
ضمن خطة تنمية شاملة.
4
– التقيد بصرف المساعدات الدولية عبر
قناة واحدة، وأساليب محددة تتسم
بالشفافية والموضوعية.
5
- تمويل المشاريع حسب الأولويات
الفلسطينية، والجدوى الاقتصادية على
المستوى الوطني، وضمن التوجهات
الرئيسية لخطة تنمية فلسطينية موضوعية
وفعالة.
اقرأ أيضا:
1-
د.عدنان العمد، باسل عورتاني "الاقتصاد
الفلسطيني في ظل المرحلة الانتقالية"،
بكدار، القدس، ط2،1999، ص68-69.
2-
المصدر:
وزارة التخطيط والتعاون الدولي، تقرير
المساعدات الدولية، الربع الثالث
والربع الرابع 2001، ص 3.
3-
عدنان العمد، باسل عورتاني، مصدر سابق،
ص67-70.
4-
صحيفة الأيام الفلسطينية، الثلاثاء
الموافق (30/4/2002 ).
5-
باسم الخالدي، "التمويل الدولي"،
ورقة عمل قدمت لمؤتمر التنمية البشرية
في فلسطين 2002 والمنعقد بتاريخ 26/6/2002 .
(**)
أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر بغزة.
|