 |
|
انفتاح خاتمي ساعد على مواجهة عقوبات أمريكا |
تنطوي
الخبرة الاقتصادية الإيرانية في مقاومة
الهيمنة الأمريكية على الكثير من
الدروس للحكومات التي ترغب إدارة
العلاقات الاقتصادية مع الولايات
المتحدة تحت ضغط الحصار أو العقوبات.
ولا شك أن استدعاء هذه الخبرة له أهمية
قصوى، لا سيما في ظل الاحتلال الأمريكي
للعراق، وكذلك تهديد دول أخرى بالمنطقة
بضرورة الاتساق مع المصالح الأمريكية
ومن بين هذه الدول إيران.
فالدول
العربية وغيرها من الدول التي لها مشاكل
مع الولايات المتحدة تبحث عن سبيل
لتلافي الآثار السلبية التي قد تنجم عن
توتر علاقتها مع واشنطن.. فماذا فعلت
إيران لمقاومة الضغوط الاقتصادية التي
فرضتها عليها الولايات المتحدة؟
في
البدء كان داماتو
بدأت
العقوبات الاقتصادية الأمريكية على
إيران عام 1996، من خلال قانون "داماتو"
الذي يقضي بحرمان الشركات التي تتعاون
مع إيران من دخول السوق الأمريكية أو
الحصول على ضمانات تزيد على عشرة ملايين
دولار في السنة من بنك الاستيراد
والتصدير الأمريكي، وكذلك حظر الاشتراك
بالعقود الحكومية أو الاتجار بالسندات
التي تصدرها الخزانة الأمريكية، كما
مدّد الكونجرس الأمريكي العمل بقانون
داماتو لمدة خمس سنوات أخرى بدءاً من
أغسطس 2001، رغم أن إدارة الرئيس جورج بوش
قد اقترحت تقليص فترة العقوبات إلى
سنتين بدلاً من خمس سنوات، إلا أن
الكونجرس رفض هذا الاقتراح.
لكن
القانون واجه انتقادات عدة، فالشركات
الأمريكية اعتبرت هذه العقوبات تفوت
عليها فرصًا كبيرة في الاستثمارات
النفطية بإيران التي تستحوذ على 20% من
احتياطي البترول في العالم أي 93 مليار
برميل. (*)
المهم
أن هذه العقوبات جاءت في وقت تعاني فيه
إيران من مشاكل اقتصادية عديدة منها
ارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى 15%
وفقًا لتقدير رسمية إيرانية عام 2003، مما
يفرض عبء توفير مليون وظيفة سنويًّا في
سوق العمل، كما أن أكثر من ربع السكان
يقع تحت خط الفقر، إضافة إلى الهم
الثقيل الذي خرجت به إيران من حربها مع
العراق في عام 1988 من تدمير للبنية
التحتية في جميع سنوات الحرب الثمانية،
وهناك تقديرات إيرانية لإجمالي الخسائر
الإيرانية تعادل 871.5 بليون دولار، وما
زالت إيران تدفع فاتورة إصلاح هذه
البنية حتى الآن.
خيارات
إيرانية
أما
عن العقوبات ومشاكل الاقتصاد الإيراني،
فقد حددت الحكومة الإيرانية لنفسها
ثلاثة طرق رئيسية للسير فيها لمواجهة
العقوبات الأمريكية والخروج اقتصاد
البلاد إلى بر الأمان، وهي ما يلي:
أولاً: التقارب اقتصاديًّا مع
الخليج:
اتجهت إيران إلى تحسين العلاقات مع
دول الخليج سياسيًّا واقتصاديًّا، لا
سيما وأن العلاقات بين الجانبين مرت
بفترات فتور بعد دعم الخليجيين للعراق
أثناء الحرب مع إيران (1981 -1988).
فقد
نجحت إيران في إعادة العلاقات مع
السعودية مستفيدة بقوتها في منظمة أوبك
ولتجنب انهيار أسعار النفط، وكانت
زيارة هاشمي رافسنجاني رئيس مجمع تشخيص
مصلحة النظام للمملكة في مطلع عام 1998 قد
دشنت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين،
وتم تشكيل أول لجنة تجارية مشتركة بين
البلدين في ديسمبر 1998.
ورغم
أن التبادل التجاري شهد انخفاضًا
حادًّا في عام 1999؛ إذ لم يتجاوز حجمه
355 مليون ريال (95 مليون دولار)، فإن طهران
والرياض حاولا زيادة هذا الحجم من خلال
"مجلس الأعمال السعودي الإيراني"،
كما تم الاتفاق على اتفاقيات أخرى
للتعاون تشمل النقل البحري والتعاون
المصرفي.
وترافق
هذا مع تفعيل العلاقات الاقتصادية
الإيرانية مع دول الخليج الأخرى مثل
الكويت التي وقعت معها إيران معاهدة
للتبادل التجاري، وكذلك مع قطر حيث تم
الاتفاق على مشروع "الأنبوب الأخضر"
الذي يقضي بتوصيل مياه الشرب من نهر
قارون جنوب إيران إلى دولة قطر عبر خط
أنابيب ضخم.
كما
تحسنت أيضًا علاقات إيران بالبحرين،
حيث عادت العلاقات بين البلدين عام 1999،
وتم إنشاء لجان اقتصادية مشتركة، وساهم
في الانفراج ذلك توجهات خاتمي
الانفتاحية على دول الخليج والتقارب
السعودي الإيراني الذي لعب دورًا
كبيرًا في تطوير العلاقات بين المنامة
وطهران. كما طورت إيران علاقتها
التجارية مع كل من الإمارات وسلطنة عمان.
ثانيًا: فتح باب الحوار مع الدول
الغربية:
رأت إيران ضرورة فتح باب للحوار مع
الدول الغربية، وخاصة الأوروبية
للاستفادة منه اقتصاديًّا لإضعاف
العقوبات الأمريكية هذا من ناحية، ومن
ناحية أخرى مقاومة هيمنة أمريكا على
المؤسسات الدولية المانحة من خلال
الدولالأوروبية التي لها أصوات بهذه
المؤسسات، وقد اتخذت إيران سياسة جزئية لدخول
الاستثمارات الأجنبية، حيث استطاعت
استمالة دول غربية مثل ألمانيا وفرنسا
وإقناعها بالدخول في برامج تطوير
إنمائي اقتصادي مشترك، ففي نوفمبر 1995
وبالرغم من التهديد الأمريكي فإن حوالي
800 شركة أجنبية بينها العديد من الشركات
الأوروبية زارت طهران لمناقشة فرص
الاستثمارات، ومع مجيء خاتمي نجح في صنع
أجواء سياسية أكثر إيجابية مع أوروبا
بسياسته الانفتاحية.
في
المقابل فإن مصالح أوروبا دفعتها
للاستجابة للتوجه الإيراني، حيث رفض
الاتحاد الأوروبي قانون داماتو، وهو ما
شجّع شركات أوروبية على الاستثمار في
إيران مثل شركة "توتال" الفرنسية
التي عقدت إيران معها اتفاق عام 1997
بقيمة ملياري دولار. كما وقعت بعدها
شركة "شل" البريطانية الهولندية
للنفط اتفاقًا مع إيران تبلغ قيمته 800
مليون دولار لتطوير حقلين بحريين للنفط
متجاهلة العقوبات الأمريكية.
ثالثًا:
التحرك الإيراني نحو آسيا:
تمكنت إيران في النصف الثاني من عقد
التسعينيات من تأمين أسواق آسيوية
لاستيعاب كمية البترول التي كانت
تستوردها الشركات الأمريكية والتي تبلغ
60 ألف برميل يوميًّا بعد توقف هذه
الشركات عن استيرادها نتيجة الحظر
المفروض عليها.
كما
تحركت إيران صوب روسيا، حيث تم الاتفاق
على إنشاء شركات مشتركة في مجال التنقيب
عن البترول وإنتاجه، بالإضافة إلى
الاتفاق على سداد الديون الإيرانية
المستحقة لروسيا. كما اتفق الطرفان على
تقاسم الثروات النفطية في منطقة بحر
قزوين وفتح أسواق لصادراتهما، كذلك
التعاون حول حماية وتنظيم استثمار
الموارد السمكية في بحر قزوين.
يضاف
إلى ما سبق ظهور مشروعات إيرانية في
قارة آسيا ما يعرف باسم "طريق الحرير"
وهو خط يصل الصين بأوروبا، ويصل الشرق
الأوسط والخليج العربي بالمحيط الهندي
عبر إيران، كما يربط إيران بدول آسيا
الوسطى، وقد نجحت طهران في استغلال هذا
الطريق لإضعاف الحظر التجاري الأمريكي،
حيث أتاح هذا الطريق لإيران نقل بضائع
تصل إلى 15 مليون طن سنويًّا.
كما
أن هذا الخط يعتبر بوابة ومنفذًا لإيران
إلى البحر المتوسط عبر تركيا ومنفذًا في
نفس الوقت إلى الخليج العربي، مما سمح
لإيران بتنمية تجارة الترانزيت، وقد
فتح هذا الطريق لإيران الباب واسعًا نحو
أسواق دول آسيا الوسطى.
كما
وطدت تعاونها أيضًا مع فيتنام
وبنجلاديش، وباكستان، واليابان كما تم
التوقيع مع الهند على اتفاقيتين نفطية
أخرى لمد خط أنابيب الغاز من إيران إلى
الهند. كما اتجهت نحو جمهوريات آسيا
الوسطى، فعلى سبيل المثال، بلغ حجم
التبادل التجاري بين تركمنستان وإيران
خلال 2002 نحو 436 مليون دولار.
كما سعت إيران إلى إنشاء لجنة للتجارة
الصين تهدف لتطوير العلاقات التجارية
والاقتصادية بين البلدين، وتأمل إيران
في أن يرتفع حجم التبادل التجاري مع
الصين خلال العامين المقبلين إلى 5
مليارات دولار.
مؤشرات
إيجابية
لقد
نجح التحرك الإيراني إلى حد ما في إيجاد
منافذ لاقتصاد البلاد تحدّ من تأثير
قانون داماتو الأمريكي، ومن ثَم السماح
بسياسة خارجية إيرانية مستقلة عن
المصالح الأمريكية، كما انعكست هذه
التحركات بالإيجاب على مؤشرات الاقتصاد
الإيراني، ومنها:
1
- بلغ معدل النمو الاقتصادي 6.4% وفق
تقديرات الحكومة الإيرانية، وكذلك
ارتفاع معدل دخل الفرد في إيران بحلول
نهاية السنة الإيرانية مارس 2003 ليصل إلى
1170 دولارًا بعد أن كان 900 دولار في مارس
2001.
2
- سجّل الميزان التجاري الإيراني فائضًا
تجاريًّا بلغ نحو ستة مليارات دولار في
الفترة من مارس 2002 إلى مارس 2003، كما بلغ
حجم الصادرات من السلع غير النفطية إلى
أكثر من أربعة مليارات ونصف المليار
دولار خلال نفس الفترة، بزيادة قدرها 9.2%
عن عام 2001.
3 - وصل حجم الاستثمارات الأجنبية في
قطاع الطاقة إلى 15 مليار دولار مع نهاية
مارس 2003، كما توقعت مصادر نفطية في
إيران أن تصل قيمة الصادرات الإيرانية
من المنتجات البتروكيمياوية حتى نهاية
العام 2003 إلى 900 مليون دولار، خاصة أن
معظمها يصدر إلى دول جنوب شرق آسيا
وماليزيا وأندونيسيا والهند والصين
والدول الأوروبية، وتسعى الحكومة إلى
زيادة صادرات إيران من البتروكيماويات
إلى 5 مليارات دولار في عام 2004.
- استقطاب نحو مليار و290 مليون دولار من
الاستثمارات الأجنبية منذ تأسيس
المناطق الحرة في إيران عام 1993 لم يكن
للأموال الأمريكية دولار واحد فيها.
ورغم
هذه المؤشرات الجيدة فإن عقبات كثيرة
تواجه إيران أهمها على الإطلاق البطالة،
حيث يدخل إلى سوق العمل سنويًّا في
إيران 800 ألف شخص وهي القنبلة الموقوتة
التي ربما يكون تأثيرها أقوى من قانون
داماتو وفقًا لوجهة نظر البعض.
على
أي الأحوال فإن إيران استطاعت مواجهة
العقوبات الاقتصادية الإيرانية بتوسيع
رقعة أنشطتها الاقتصادية، سواء تحسين
علاقتها مع الخليج والتعاون مع القوى
الآسيوية، وكذلك الانفتاح على القوى
الأوروبية التي ترفض قانون داماتو.
في
الوقت نفسه لم تغفل داخليًّا خططها
الداخلية لزيادة الاستثمارات، خاصة في
مجال الطاقة وتوسيع الصناعات غير
البترولية.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي مصري
|