 |
|
كعكة العراق من نصيب الغزاة
|
في الوقت الذي أوشكت فيه الحرب على الانتهاء بعد سقوط بغداد في يد القوات الأمريكية، فإن الشركات الأمريكية تتبارى للحصول على أكبر قدر من الكعكة العراقية، ولعل المصالح الحيوية لهذه الشركات كانت إحدى الأصابع الخفية التي تدفع باتجاه إعلان الحرب على العراق رغم المعارضة الدولية الشديدة لها. ولمعرفة المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها الشركات الأمريكية من إعمار العراق لا بد من التعرض في البداية لمعرفة تكاليف إعادة الأعمار في العراق، فضلاً عن التداعيات المختلفة التي قد تتركها، مثل هذه الحرب على الاقتصاد العراقي:
تكاليف
إعادة الإعمار
تختلف
التقديرات والتوقعات بشأن التكلفة
الحقيقة لإعادة الإعمار في العراق،
ولعل هذا الاختلاف يعود لعاملين
رئيسيين هما: المدى الزمني الذي قد
تستغرقه الحرب على العراق وما يعنيه ذلك
من استمرار للمعارك العسكرية وزيادة
رقعة الدمار والخراب، فضلاً عن عدم
القدرة على تحديد الأطراف التي ستتحمل
تكاليف إعادة الإعمار، وهو ما قد يدفع
للحيرة والارتباك.
وأيا
ما كان الأمر فإن أغلب التقديرات -رغم
اختلافها- فإنها تشير إلى ارتفاع تكاليف
إعادة الإعمار في العراق، حيث تشير أغلب
التوقعات إلى أن العراق في حاجة إلى ما
يتراوح ما بين 70-120 مليار دولار لإعادة
إصلاح ما دمرته فترة العقوبات، فضلاً عن
الخسائر المتوقعة في ظل الحرب الضروس
الحالية. فعلى سبيل المثال تشير دراسة
أعدها البروفيسور "ويليام نوردهاس"
الأستاذ بجامعة "ييل" الأمريكية
إلى أن وضع خطة طموحة لإعادة تأهيل
العراق على غرار خطة مارشال قد تصل
تكلفتها إلى حوالي 75 مليار دولار على
مدار ست سنوات، كما أن نشر قوة لحفظ
السلام في الأراضي العراقية يتراوح
قوامها بين 75-200 ألف جندي من شأنه أن يكلف
ما بين 15-40 مليار دولار سنوياً.
في
الوقت نفسه يشير تقرير نشره المعهد
الدولي للدراسات الإستراتيجية
بالولايات المتحدة إلى أن تكلفة إعادة
إعمار العراق بعد الحرب قد تصل إلى 4
أضعاف تكلفة العمليات العسكرية بحيث
تصل إلى 200 مليار دولار، في حين أن
احتلالاً لمدة 5 أعوام قد يكلف الولايات
المتحدة حوالي 125 مليار دولار.
وواقع
الأمر فإنه عند الحديث عن تكاليف إعادة
الإعمار يجب أن نضع في أذهاننا حقيقتين
هما:
-
أن العراق يعاني منذ أكثر من عقد من
الزمان من انهيار شبهه كامل للبنية
التحتية والأساسية كالتعليم والصحة
والرعاية الاجتماعية والمرافق العامة،
وهو ما يتطلب مبالغ طائلة لإعادة إصلاح
مرحلة العقوبات، فضلاً عما ستخلفه هذه
الحرب من خسائر وتداعيات من الصعب
تخليها.
-
أن هناك ديونًا عراقية تبلغ نحو 380 مليار
دولار ينصب معظمها في التعويضات التي
فرضت على العراق منذ العام 1991، والتي
تشكل حوالي 53% من الديون والالتزامات
العراقية، تليها من حيث الأهمية الديون
الخارجية بنسبة تصل (33%) حوالي 138 مليار
دولار، ويأتي في نهاية سلم التعويضات
الالتزامات والعقود التي وقعها العراق
مع شركات روسية وفرنسية وصينية ومصرية
وإماراتية وهولندية بنسبة تبلغ 15%..
الشركات
الأمريكية والكعكة
فور
الإعلان عن بدء الحرب تسابقت الشركات
الأمريكية في الإعلان عن خططها لمرحلة
ما بعد الحرب، استعداداً للفوز بأكبر
قدر من الوجبة العراقية التي طالما حلمت
بها الشركات الأمريكية. بل وبدأت هذه
الشركات تتصرف وكأن الولايات المتحدة
قد كسبت الحرب علي ولم يعد سوى تقسيم
الغنائم، وليس أدل على ذلك مما ذكرته
صحيفة "وول ستريت جورنال" في 10 مارس
الجاري 2003 من أن الإدارة الأمريكية قد
أعلنت عن بدء استلام العطاءات اللازمة
لإعادة الإعمار في العراق، وذلك من خلال
طلبها من 5 شركات هندسية أمريكية على
الأقل -من بينها شركة "هاليبرتون"
للطاقة التي كان يترأسها ديك تشيني
النائب الحالي للرئيس الأمريكي- التقدم
بعطاءات لإعادة إعمار العراق، ووصلت
قيمة العقود المعلنة لهذه العطاءات نحو
900 مليون دولار. وتتركز أهم المجالات
التي تترقب الشركات الأمريكية للفوز
بها ما يلي:
القطاع
النفطي
كثيراً
ما كانت الشركات الأمريكية تنظر بعين
الحسد لنظيراتها الفرنسية والروسية على
ما تحققه من مكاسب من الثروة النفطية
الهائلة للعراق، وفي هذا الصدد تجدر
الإشارة إلى الشركات الأمريكية ترغب
حالياً في استعادة وضعها السابق في قطاع
النفط العراقي، حيث كانت تمتلك نحو
ثلاثة أرباع الإنتاج النفطي العراقي،
ولكنها فقدت هذه النسبة بعد تأميم
القطاع النفطي عام 1972، وبعد التأميم
تحولت العراق ناحية الشركات الروسية
والفرنسية.
كما
أن شركة النفط الأمريكية العملاقة (إكسون
موبيل) والتي تعد الأكبر بين شركات
النفط العالمية بأصول تبلغ نحو 143 مليار
دولار وبحجم عائدات بلغ عام 2001 حوالي 192
مليار دولار، ترغب في احتلال المرتبة
الأولى في الحصول على حقوق امتياز النفط
العراقي. كما تحتل الولايات المتحدة
بصفة عامة المرتبة الأولى على مستوى
العالم في الصناعات النفطية، تليها
المملكة المتحدة ثم فرنسا في المركز
الثالث.
في
الوقت نفسه يجب عدم إغفال عامل آخر على
درجة كبيرة من الأهمية وهو التشابك
الكبير في العلاقات بين رؤساء مجالس
إدارة كبرى الشركات النفطية الأمريكية
ورجال الحكم والسياسة في إدارة بوش
الحالية، فمن المعروف أن هناك عناصر
كثيرة في هذه الإدارة معظمهم من
النفطيين القدامى، ومنهم "ديك تشيني"
نائب الرئيس بوش، والذي عمل كمدير
تنفيذي في شركة "هاليبرتون"
العملاقة للطاقة، وكذلك "كوندليزا
رايس" والتي كانت عضو في مجلس إدارة
شركة "شيفرون" النفطية الأمريكية.
فضلاً
عن هذا فإنه ووفقاً لبيانات "مركز
السلامة العامة" الأمريكي في عام 2002
فإن هناك نحو 100 من المسئولين في الإدارة
الحالية للبيت الأبيض يضعون
استثماراتهم والتي تبلغ 144.6 مليون دولار
في قطاع الطاقة(1)، وهو ما يدفعهم للضغط
من أجل أن تفوز شركات الطاقة الأمريكية
بنصيب الأسد من النفط العراقي لضمان
الحفاظ على استثماراتهم، وليس أدل على
ذلك من تشديد المسئولين الأمريكيين على
ضرورة أن تحافظ المعارضة العراقية على
مصالح الشركات الأمريكية في مرحلة ما
بعد صدام.
إصلاح
البنية الأساسية
تسعى
العديد من الشركات الأمريكية للحصول
على تعاقدات تمكنها من إصلاح البنية
الأساسية العراقية التي دمرتها 3 حروب
متتالية بما فيه الحرب الحالية، وفي هذا
الإطار تتنافس الشركات الأمريكية
لإصلاح الطرق وإقامة الجسور المهمة
والتي يصل طولها إلي نحو 2400 كيلومتر،
فضلاً عن إصلاح نحو 15% من شبكات الكهرباء
ذات الفولت العالي، وتوفير نحو 550 مولد
طوارئ خلال شهرين على الأكثر، وتجديد
آلاف المدارس والمستشفيات هناك، ولعل
أهم الشركات التي تتبارى في هذه
المجالات هي:
شركة
"بيكتل" لإدارة المشاريع الهندسية.
شركة
"فلويور" وهي شركة هندسية.
شركة
"هاليبرتون" وهي شركة طاقة وهندسية.
شركة
"لويس بيرغر جروب" للمرافق
الهندسية.
شركة
"بارسنز" للإعمار الهندسي.
وقد
أكدت الوكالة الأمريكية للتنمية
الدولية (US Aid) أنها دعت هذه الشركات
الخمس لتقديم عروضها اللازمة لمشاريع
إعادة الإعمار في العراق، وذلك بناء على
الوثيقة التي وضعتها الإدارة الأمريكية
والتي حملت عنوان "رؤية العراق ما بعد
الحرب Vision For Post-Conflict in Iraq وتتعلق برؤية
الرئيس بوش لمرحلة الإعمار في العراق.
شركات
الزراعة والأغذية
شركات
الزراعة والأغذية الأمريكية تتطلع هي
الأخرى للحصول على جزء من الكعكة
العراقية، وفي هذا الإطار اجتمع قادة
رابطة مطاحن أمريكا الشمالية مع
مسئولين من الإدارة الأمريكية لوضع
الخطط اللازمة للفوز بعقود ضخمة لتوريد
المواد الغذائية لنحو 22 مليون عراقي في
الأسابيع والشهور القليلة التي تعقب
الحرب.
ويذكر
أن نحو 60% من الشعب العراقي يعتمد على
برنامج "النفط مقابل الغذاء"
التابع للأمم المتحدة في الحصول على
المواد الغذائية، إلا أن جميع هذه
الأغذية يأتي من خارج الولايات
المتحدة، ولذا فمن المتوقع أن تفسح
الحرب الحالية المجال للشركات
الأمريكية لاستعادة حصتها من سوق
الأغذية العراقي، حيث كان العراق يعتبر
أكبر مستورد للأرز الأمريكي قبل صيف 1990،
فضلاً عن أنه كان ينفق ملايين الدولارات
سنوياً لشراء المنتجات الزراعية
الأمريكية.
النفط
وتمويل الحرب
تعقد
الولايات المتحدة وبريطانيا آمالهما
على أن يتم توفير نفقات الحرب من خلال
عائدات النفط العراقية، ولذا كان الهدف
الأول للقوات الأمريكية بعد بدء
عدوانها على العراق هو السيطرة على أكبر
قدر من حقول النفط خشية أن تتعرض
للتدمير من قبل النظام العراق. وليس أدل
على ذلك من المشروع الذي يعكف مسئولو
البلدين على إعداده والذي يقضي بإنفاق
نحو 40 مليار دولار من عائدات مبيعات
النفط العراقي على نفقات الحرب وما
سيليها من مرحلة إعادة الأعمار، ومن
المنتظر أن تتقدم واشنطن ولندن بهذا
المشروع لمجلس الأمن خلال أيام قليلة
للموافقة عليه بحيث يصبح تحت إشراف
الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك في
محاولة لتخفيف العبء عن كاهلهما من كلفة
الحرب والاحتلال.
وجدير
بالذكر أن العراق يحتل المرتبة الثانية
عالميًّا من حيث حجم الاحتياطات
النفطية المؤكدة بنسبة تبلغ 11% (112 مليار
برميل) فضلاً عن نحو 220 مليار برميل من
الاحتياطات غير المؤكدة، كما ينتج نحو
2.5 مليون برميل يومياً يصدر منها نحو 1.7 م.ب.ي
تحت رعاية الأمم المتحدة.
وواقع
الأمر فإن التعويل على استخدام
العائدات النفطية العراقية لتغطية
نفقات الحرب وما بعدها، يعتريه بعض
المبالغة، وذلك إذا ما وضعنا في
الاعتبار الحقائق التالية:
تشير
أغلب التقديرات إلى أن العراق لن يتمكن
من زيادة إنتاجه النفطي قبل مرور 5 أعوام
على الأقل، وذلك حتى يتمكن من إعادة
إصلاح ما دمرته الحروب، فضلاً عن خسائر
فترة الحصار الاقتصادي، كما قدر البعض
حجم الاستثمارات التي يحتاجها إصلاح
القطاع النفطي العراقي بصفة عامة بنحو
100 مليار دولار، منها نحو 8 مليارات
دولار في المرحلة الأولى فقط التي قد
تستغرق نحو 5 سنوات، وذلك لرفع الإنتاج
لطاقته القصوى والعودة لما كان عليه
الوضع حتى عام 1990 وهي 3 ملايين برميل
يومياً.
هناك
احتمالات بأن العراق قد قام بزرع
الألغام في عدد كبير من آبار النفط وذلك
كإجراء انتقامي، وهو بالفعل ما حدث خلال
الأيام القليلة الماضية، حيث تواردت
الأنباء مؤخراً عن تدمير ما يقرب من 30
بئرا نفطية في العراق.
أن
الديون العراقية سوف تلتهم عائدات
النفط في مرحلة ما بعد الحرب، ووفقاً
لمجلة "ميس MEES" الاقتصادية في مارس
2003 فإنه على افتراض أن ينتج العراق نحو
2.5 م.ب.ي وبافتراض أن سعر البرميل هو 25
دولارًا في المتوسط، فإن العائد السنوي
سيصل إلى نحو 22.8 مليار دولار، وهو ما لا
يكفي للوفاء بمتطلبات الديون
والتعويضات التي يجب على العراق الوفاء
بها.
وخلاصة القول فإنه رغم اختلاف التقديرات والتوقعات حول تكلفة إعادة الإعمار، ودور النفط في تمويل الحرب الأمريكية على العراق، فإن مسألة إعادة الإعمار لن تكون بالمهمة السهلة كما يتصورها البعض.
**
خبير
اقتصادي مصري
|