|
رغم
أهمية الدوافع السياسية والإنسانية
وراء رفض ملايين المتظاهرين الأوروبيين
-وهو ما ظهر مثلا يوم 15 فبراير 2003- للحرب
الأمريكية المحتملة ضد العراق، فإن ثمة
عوامل أخرى لدى هؤلاء المتظاهرين
دفعتهم إلى الخروج لرفض المشاريع
الأمريكية، ليس في العراق فحسب، بل في
سائر مناطق العالم.
ويعتقد
محللون أن الدافع الاقتصادي يتصدر
قائمة العوامل التي ألفت بين مكونات
اجتماعية وسياسية وأيديولوجية وقومية
متباينة، وصهرتها في بوتقة واحدة، أخذت
عنوانا كبيرا واضحا هو معارضة الحرب،
لكنها قد انطوت بلا شك على عناوين
ثانوية ضامرة في قلب حركة الاحتجاج، لعل
أهمها مواصلة التظاهر والاحتجاج ضد
المشروع "العولمي-الأمريكي"،
وتحريك الهمم إزاء التوجهات الاجتماعية
والاقتصادية للكثير من الحكومات
الأوروبية والغربية، التي أضحت تهدد
أرزاق الطبقات الوسطى والفقيرة، وتلحق
أضرارا فادحة بمصالحها.
الفقر
جامع المتظاهرين
لقد
أظهرت التقارير والتحليلات التي تناولت
مظاهرات الخامس عشر من فبراير أو كما
أطلقت عليها الصحف الأوروبية "السبت
العظيم".. الخريطة الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية للمشاركين في
المظاهرات، يتضح من خلال قراءتها أن
المتظاهرين يعودون على صعيد أصولهم
الطبقية، في غالبيتهم، إلى الطبقات
الفقيرة والمتوسطة، ويتوزعون كما يلي:
-
أعضاء وأنصار أحزاب اليسار، وخصوصا
اليسار الراديكالي، وفي مقدمته الأحزاب
الشيوعية، وجماعات الأممية الاشتراكية
والتروتسكية والأممية والجيفارية (نسبة
إلى المناضل اليساري تشي جيفارا)،
وهؤلاء يرمزون في مجملهم إلى الطبقات
العمالية الفقيرة، والمجموعات
الاجتماعية المهمشة.
-
أعضاء وأنصار الجماعات المناهضة
للعولمة، وهي جماعات تمثل ما يعرف
باليسار الجديد، وتنشط في غالبيتها في
منظمات حماية البيئة، وتلك المتخصصة في
الدفاع عن حقوق الإنسان، وتقوم على
قناعة رئيسية مفادها أن الولايات
المتحدة الأمريكية التي تقود النظام
الرأسمالي، مسئولة عن الكوارث التي
تلحق بالأرض، باعتبارها الملوث الأول،
ومسئولة كذلك عن الانتهاكات الكبرى
التي تلحق الإنسان والمجتمعات البشرية،
لكونها المستفيد الأول من الواقع
الفاسد المهيمن.
-
أبناء الأقليات المهاجرة في
الغرب،
وغالبيتهم من المسلمين، الذين جاءوا
قبل عقود طلبا للرزق، غير أن واقعهم
الاجتماعي والاقتصادي ظل بائسا، لم
يشهد أي نقلة حقيقية رغم مضي فترة طويلة
نسبيا على تاريخ استقرارهم، وظل
انتماؤهم الطبقي -كما في بلادهم الأصلية-
إلى الشرائح الضعيفة المهمشة في
المجتمع.
ومثلما
هو مبين في الخريطة الطبقية لمتظاهري 15
فبراير، فإن الجامع بينهم انتماؤهم في
معظمهم للشرائح العمالية والفقيرة التي
حققت بفعل التأطير الأيدولوجي والخطاب
السياسي لقادة أحزابهم ونقاباتهم ربطا
بين التوجهات الأمريكية على مستوى
السياسة الدولية، وتوجهات الدول
الأوروبية والغربية عموما، على الصعيد
المحلي، حيث تتبارى الحكومات في الغرب
لنفض يدها الواحدة تلو الأخرى، من
التزاماتها التقليدية في الرعاية
الاجتماعية.
الرأسمالية
تحنّ إلى وجهها القديم
لقد
تحدث الكثير من المحللين عن الدور
السلبي الذي يمكن أن يلعبه غياب المعسكر
الشيوعي-السوفيتي في أوروبا الشرقية،
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في
أوروبا الغربية، حيث يشير البعض إلى
مفارقة اختزلتها مقولة ذائعة الصيت،
كثيرا ما ذكرها الساسة اليساريون في
الغرب، تقول: "إن أكبر إنجاز حققته
التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي
وأوروبا الشرقية، هو تحقيق الاشتراكية
الديمقراطية في أوروبا الغربية".
ويرد
مرجع المقولة الآنفة إلى أن حكومات دول
أوروبا الغربية قد اضطرت عقب الحرب
العالمية الثانية، خوفا مما كان يعرف
بالخطر الشيوعي السوفيتي، إلى إجراء
تسويات عميقة وحقيقية مع أطراف الحياة
الاجتماعية والاقتصادية، من خلال تقديم
ضمانات وتنازلات وامتيازات للطبقات
المتوسطة والفقيرة، وهو ما عرف لاحقا
بنموذج دول الرعاية الاجتماعية، التي
خلقت من خلال المزج بين النظرية
الاشتراكية فيما تحث عليه من مبادئ
العدالة الاجتماعية، والنظرية
الليبرالية-الرأسمالية في دعوتها لقيم
التعددية السياسية والفكرية ومبادئ
الحريات العامة وحقوق الإنسان.
غير
أن انهيار المعسكر الاشتراكي وما تبعه
من استفراد للولايات المتحدة الأمريكية
بالعالم، ثم بروز المشروع العولمي،
والزعم بالانتصار النهائي لنموذج
التنمية الرأسمالي على نظيره الشيوعي،
قد دفع تدريجيا إلى إحداث متغيرات
حقيقية على التوجهات الاقتصادية
والاجتماعية الرئيسية للدول في أوروبا
الغربية، التي بدت تنحو في اتجاه التخلي
عن التعاقدات الكبرى التي ميزت السلم
الاجتماعي، والعودة بعدما يناهز العقد
على سقوط الاتحاد السوفيتي إلى السياسة
الاقتصادية والاجتماعية القديمة، التي
كانت متبعة في الدول الرأسمالية قبل
ظهور البيان الشيوعي وتأسيس أول دولة
شيوعية في التاريخ البشري، في روسيا
القيصرية.
وتتمثل
أهم مظاهر عودة الرأسمالية إلى حالتها
البشعة التي سادت خلال القرنين الثامن
عشر والتاسع عشر، في تسريح الشركات
الكبرى لآلاف العمال، وتبني شكل "الغبن"
في عقود العمل، حيث تمنح سلطة مطلقة
لأرباب العمل على حساب مصالح العمال،
وتخلي الحكومات عن القطاع العام من خلال
مشاريع الخصخصة، وإحداث تغييرات على
نظام التأمين الصحي تتخلى بموجبه الدول
عن واجبات الرعاية حيال الفقراء
ومحدودي الدخل، وغيرها من الإجراءات
التي طالت سائر القطاعات الحيوية
بالنسبة للطبقات الضعيفة، وفي مقدمتها
التعليم والسكن والنقل والرعاية
الاجتماعية.
وقد
شملت هذه التغييرات جل الدول
الأوروبية، خصوصا تلك التي تمكنت أحزاب
اليمين من العودة فيها إلى الحكم، بعدما
يقارب السنوات العشر من هيمنة أحزاب
اليسار الديمقراطي، بفعل خطاب شعبوي
متطرف يربط الأزمة الاقتصادية
والاجتماعية بالسياسات الحكومية التي
اتبعتها الأحزاب اليسارية إزاء ظواهر
اللجوء السياسي والهجرة السرية.
"التفقير"
سياسة أمريكية
إن
اللافت في التحليلات المتبناة من قبل
الأطراف الاجتماعية المشاركة في
مظاهرات الخامس عشر من فبراير، وغيرها
من مظاهرات الاحتجاج على مشروع الحرب
الأمريكية قبل وبعد هذا التاريخ، أنها
تلتقي في الإيمان بأن سياسة الولايات
المتحدة على الصعيد الدولي، إنما ترمي
بالدرجة الأولى إلى خدمة الأطراف
الاقتصادية الأمريكية النافذة، كلوبي
النفط ولوبي السلاح واللوبي الصهيوني،
وكذلك إلى تفقير وإيذاء مصالح الأطراف
الأخرى، بما في ذلك الدول الأوروبية
الغربية.
ويعتقد
اليساريون في دول أوروبا الغربية أن
الهدف من الحرب الأمريكية على العراق
فضلا عن النفط الذي تزخر به الصحاري
العربية هو إخضاع سائر الدول الأوروبية
للهيمنة، ودفعها بالتدريج إلى اتباع
النموذج الأمريكي في المجال الاقتصادي
والاجتماعي، وهو ما تجلى في سير كثير من
الحكومات الأوروبية إلى التخلي عن
وجهها الاجتماعي، تحت طائل ذرائع واهية
كالخصخصة والتكيف مع الواقع الاقتصادي
العالمي الجديد.
أما
أنصار البيئة ونشطاء حقوق الإنسان
الأوروبيون فيعتقدون أن السياسة
العدوانية التي تتبعها الولايات
المتحدة في التعامل مع الدول غير
الخاضعة لها، ستزكي الخط الرسمي
الأمريكي الذي ظهر في مؤتمر قمة الأرض
الأول في ريودي جانيرو سنة 1992، وتكرر في
قمة الأرض الثانية في جوهانسبرج سنة 2002،
ويقوم بالأساس على تطويع الثروة
البشرية لقلة من الناس، ومزيد من الضغط
والتجويع والتفقير لغالبية البشر.
وكانت
الولايات المتحدة قد رفضت في كل من
مؤتمري ريودي جانيرو وجوهانسبرج
التوقيع على عدد من الاتفاقيات الدولية
الخاصة بحماية المناخ ودعم الدول
النامية، خاضعة في ذلك لإرادة الشركات
الاحتكارية الكبرى التي تعتبر المستفيد
الأساسي من السياسة الدولية السائدة،
والتي ترتكز بالأساس على الظلم
الاقتصادي والجور في توزيع الثروة
العالمية، لا على صعيد العلاقات بين دول
الشمال المترفة ودول الجنوب المدقعة
فحسب، بل داخل المجتمعات الغربية
نفسها، حيث تتجه الطبقة الغنية إلى
العودة للاحتكار شبه المطلق للثروة
الوطنية.
وتبقى
الإشارة إلى أن قناعة أبناء الأقليات
المهاجرة، ومن ضمنها الأقليات المسلمة
في الغرب، لا تختلف في مضمونها من
الناحية الاقتصادية والاجتماعية عما
سبق الإشارة إليه، فالحرب الأمريكية في
العراق ستفضي إلى مزيد من فرض القيود
والعراقيل على النشاط الاقتصادي لأبناء
الأقليات، كما ستحرم شعوب البلدان
الأصلية من حقوقها في التمتع بثرواتها
الطبيعية وفق احتياجاتها التنموية.
ويكاد
نشطاء الأقليات العربية والمسلمة -على
وجه التحديد- يجمعون في رؤيتهم، على أن
نفط العراق الذي هو الهدف الرئيسي
للحرب، لن يعود على الفقراء ومحدودي
الدخل في الغرب إلا بمزيد من إطلاق أيدي
الحكومات اليمينية، وتشجيعها على نفض
أيديها من الكثير من سياساتها
الاجتماعية، والاستفادة من النموذج
الأمريكي المزهو بانتصارات على دول لم
تكن لتشكل خطرا عليه أبدا.
ولكم
أصبح العراق في نظر الكثير من فقراء
ومعدمي أوروبا، ليس فقط رمزا لتحدي
السياسة الإمبراطورية للولايات
المتحدة، بل كذلك عنوانا لمقاومة
مشاريع الحكومات الغربية في التخلي عن
سياسات العدالة الاجتماعية
والاقتصادية. الفقراء في كل مكان يبحثون
دائما عن رمز يشجعهم على المقاومة، حتى
وإن كان هذا الرمز وهمًا من قبيل عراق
محطم، جائع، ومغلوب على أمره.
اقرأ
أيضًا:
**
مراسل
إسلام أون لاين.نت في هولندا
|