اضطرت
الحكومة المصرية إلى الإعلان عن
تحريرها لسعر صرف الجنيه في التاسع
والعشرين من يناير 2003، بعد عامين من
محاولاتها المضنية وقف مسلسل انخفاضه
أمام الدولار، وهي المحاولات التي
بدأتها بنهاية يناير عام 2001 بإعلانها
إيجاد سعر مركزي للدولار يحدده البنك
المركزي المصري تلتزم به البنوك وشركات
الصرافة، إلا أن هذا السعر الذي تم
تغييره 6 مرات خلال العامين الماضيين لم
يفلح في وقف نزيف الجنيه أمام الدولار.
ويطرح
الإعلان الجديد تساؤلات حول جدواه
وتداعياته المرتقبة على المواطن
المصري، خاصة أن هذا القرار سبق
العمليات العسكرية المتوقعة ضد العراق
التي يمكن أن تلقي بظلال سلبية على
الاقتصاد المصري.
كيف
بدأ النزيف؟
كانت
الحكومة المصرية قد نجحت في أكتوبر عام
1991 في إيجاد سعر مستقر للدولار بواقع 330
قرشا في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي
الذي نفذته الحكومة، وظل سعر صرف الجنيه
ثابتا لا يكاد يتحرك حتى عام 1997 حين بلغ
سعر الصرف 340 قرشا، حيث ساعد ارتفاع
أسعار الفائدة على الجنيه المصري وقتها
إلى نسبة 17% مقارنة بنسبة الفائدة على
الودائع الدولارية التي بلغت نحو 3.5% عام
1994 -على تحول المدخرات من الدولار إلى
الجنيه، وتدخل البنك المركزي مشتريا
للدولار؛ وهو ما كوّن احتياطيا ضخما من
العملات الأجنبية استمر في الزيادة حتى
بلغ 20.6 مليار دولار بنهاية سبتمبر عام
1997.
إلا
أن أحداث جنوب شرق آسيا التي تسببت في
انخفاض قيمة عملات عدد من تلك الدول قد
دفعت المستوردين المصريين للتوسع في
الاستيراد من تلك الدول؛ وهو ما زاد
الطلب على الدولار محليا.
وجاء
حادث مقتل السياح الأجانب بمدينة
الأقصر المصرية في نوفمبر 1997 كضربة
قاصمة للموارد الدولارية من السياحة،
وواكب ذلك خروج جانب من الاستثمارات
الأجنبية من البورصة المصرية بلغت
قيمتها 248 مليون دولار في العام المالي
97/1998.
وتسببت
كل تلك العوامل في تزايد الطلب على
الدولار؛ بما أدى إلى تحول سوق الصرف
الأجنبي من تحقيق فائض منذ عام 1991 إلى
عجز خلال عام 97/1998، واستمر هذا العجز حتى
الآن. وبدأ سعر الصرف يتحرك في شركات
الصرافة، وبدأت البنوك في وضع قيود على
تدبير احتياجات العملاء من الدولار
لتمويل عمليات الاستيراد، حتى إنها في
مارس 1999 طلبت من العملاء تدبير تلك
العملة بأنفسهم؛ وهو ما زاد من الطلب
لدى شركات الصرافة.
تعامل
بوليسي مع الأزمة
وظلت
الجهات الرسمية تنكر وجود أزمة وتلقي
باللوم على شركات الصرافة، ومارست بعض
الإجراءات البوليسية معها، وبدأ البنك
المركزي في استخدام ما لديه من
احتياطيات من النقد الأجنبي في ضخ
دولارات للبنوك حتى نقص الاحتياطي إلى
15.1 مليار دولار في يونيو 2000، واستفاد
البعض في تحويل مبالغ للخارج بلغت حوالي
3 مليارات دولار.
وأدى
استفحال المشكلة والاتجاه لعدم استخدام
الاحتياطيات من النقد الأجنبي بعد فقده
حوالي 7 مليارات وظهور سوق سوداء
للتعامل بالدولار -إلى الدفع بالبنك
المركزي في التاسع عشر من يناير 2001
ليعلن عن نظام جديد لسعر الصرف، يقوم
بموجبه بتحديد سعر مركزي بلغ 385 قرشا، مع
ترك هامش للتحرك للبنوك وشركات الصرافة
حول السعر المركزي نسبته 1% أقل أو أكثر
من السعر المركزي، ثم اضطر البنك
المركزي إلى تعديل السعر المركزي مرة
أخرى في مايو ثم في يوليو من نفس العام
إلى 390 قرشا، وزاد الهامش إلى 1.5%، ثم
رفعه مرة أخرى في أغسطس من نفس العام
ليصل السعر المركزي إلى 415 قرشا، وزاد
الهامش إلى 3%.
ولكنه
كلما تحرك البنك المركزي بالسعر كان
تحرك السوق السوداء أعلى منه؛ فاضطر إلى
رفع السعر إلى 450 قرشا في ديسمبر، ثم إلى
451 قرشا في يناير 2002، ثم توقف البنك
المركزي عن ضخ دولارات للبنوك. كما توقف
لمدة عام عن تغيير السعر المركزي أو
هامش حركته، رغم الشكوى من تفاقم
المشكلة وعجز شركات قطاع الأعمال العام
والشركات الخاصة عن تدبير احتياجاتها
من الدولارات لاستيراد المواد الخام
اللازمة لها.
قرار
التحرير
ثم
فاجأت الحكومة السوق بالإعلان عن ترك
الحرية للبنوك لتحديد سعر الدولار في
التاسع والعشرين من يناير 2003، وربطت
أسعار التعامل في شركات الصرافة بأسعار
البنوك، سواء في الشراء أو البيع، ولم
تعطها حرية تحديد السعر ولو حتى بسعر
أقل.
وأخذت
وسائل الإعلام الرسمية تشيد بالقرار
بدعوى أنه سيؤدي لزيادة الصادرات وخفض
الواردات؛ وهو ما يعيد التوازن إلى
الميزان التجاري المصري المصاب بالعجز
منذ سنوات طويلة، كما سيشجع الاستثمار
والسياحة، ويعيد الانتعاش للسوق التي
تعانى من الركود منذ عام 1998 وحتى الآن.
إلا
أن كثيرا من الخبراء لم يشاركوا الحكومة
تفاؤلها في أن يؤدي خفض الجنيه إلى
زيادة الصادرات؛ وذلك بسبب قلة مرونة
الصادرات المصرية تجاه الطلب الأجنبي
من ناحية، وقلة مرونة الطلب الأجنبي
تجاه الصادرات المصرية من ناحية أخرى،
خاصة أن عامل السعر لم يعد هو المتغير
الوحيد المؤثر على حركة التصدير حيث
هناك مؤثرات أخرى كالجودة والالتزام
بالمواصفات القياسية، وكذلك ضعف
القدرات التسويقية للمصدرين المصريين.
ودللوا
على عدم استفادة الصادرات من انخفاض
الجنيه بأنه ما بين عامي 1994 وحتى عام 2001
انخفضت قيمة صادرات مصر من القطن الخام
من 233 مليون دولار إلى 186 مليون دولار،
ومن غزل القطن من 377 مليون إلى 125 مليون،
والمنسوجات القطنية من 120 مليونا إلى 37
مليونا، والبُسُط والسجاد من 34 مليونا
إلى 3 ملايين، والفواكه من 24 مليونا إلى
19 مليونا، والألمنيوم ومصنوعاته من 184
مليون دولار إلى 142 مليون دولار، وهي سلع
تشكل نسبة كبيرة من إجمالي الصادرات.
ونفس
الأمر بالنسبة لتوقع خفض الواردات؛ حيث
يشير التوزيع النسبي للواردات المصرية
بالعام المالي الأخير 2001/2002 إلى أن نسبة
22% من الواردات كانت مواد خاما، والسلع
الوسيطة شكلت 22.5%، والسلع الاستثمارية
20.6%؛ وهو ما يعني ضرورة استيراد نسبة 65.6%
لهذه المكونات الأساسية اللازمة حتى
لاستطاعة التصدير لوجود مكون أجنبي
مرتفع بالصناعة المصرية، بينما لا تمثل
السلع الاستهلاكية سوى نسبة 13.9% من
الإجمالي.
المواطن
ضحية
وأصبح
الهاجس الأول لدى المواطن المصري هو
تأثير تحرير صرف على انخفاض قيمة الجنيه
الذي فقد نحو 62% من قيمته خلال 3 سنوات
فقط، وأثر ذلك في ارتفاع الأسعار للسلع
المستوردة، خاصة السلع الغذائية، وهو
الأثر الذي بدأ بالفعل بعد قرار تحرير
سعر الصرف؛ حيث زادت محلات الخضر
والفاكهة والجزارة أسعارها رغم كون
سلعها محلية، حيث يشعر البائع أنه سيضار
من خفض قيمة الجنيه فيرفع أسعاره لتعويض
ذلك، وهي العدوى التي انتشرت بين
البائعين والحرفيين الذين زادوا أسعار
خدماتهم.
وخلال
أسبوع من تطبيق قرار تحرير سعر الصرف
وعدم استجابة البنوك لطلبات الشراء من
العملاء إلا بشروط، وإدراك وجود ضغط من
البنك المركزي على البنوك لعدم تجاوز
سقف 550 قرشا للسعر -ظهرت مرة أخرى السوق
السوداء بفارق 15 قرشا عن السعر بالبنوك.
ويرى
الخبراء أن نقص الدولار هو لب المشكلة،
وأن العلاج يتطلب زيادة عرض الدولار
بالسوق كما كان الحال منذ عام 1991 وحتى 1997،
خاصة العجز المزمن بالميزان التجاري
والذي بلغ خلال العام المالي الأخير 8
مليارات دولار، خاصة أن كل الموارد
الدولارية المصرية تعتمد على عوامل
خارجية لا يمكن للطرف المصري التحكم
فيها؛ حيث تمثلت الموارد الدولارية
خلال العام المالي الأخير في 4.740
مليارات دولار من الصادرات السلعية و3.4
مليارات من السياحة، و2.930 مليار من
تحويلات العاملين بالخارج، و1.904 من
البترول، و1.820 مليار من قناة السويس، و1.144
مليار من التحويلات الرسمية، و938 مليون
دولار من دخل الاستثمار للودائع
المصرية بالخارج، و428 مليون دولار لصافي
تدفقات الاستثمار المباشر في مصر، و45
مليون دولار لصافي استثمارات الأجانب
بالبورصة المصرية.
وهكذا
فإن حدوث حرب بالعراق سيحول دون
الصادرات السلعية المصرية للعراق التي
تشكل نسبة كبيرة من الصادرات المصرية،
كما سيقلل من الموارد السياحية
وتحويلات العاملين بالخارج ودخل قناة
السويس، وكان دخل الاستثمار قد تأثر
بانخفاض الفائدة على الودائع بالولايات
المتحدة وأوربا. وإذا كانت هذه هي طبيعة
الموارد الدولارية فإن حجم الواردات
الكبير الذي بلغ 14.6 مليار دولار بالعام
المالي الأخير إلى جانب الحاجة للعملة
لأغراض السفر للخارج، سواء للسياحة أو
للعلاج أو للدراسة ونفقات البعثات
الدبلوماسية بالخارج كلها عوامل تزيد
الطلب على الدولار في ظل الندرة التي
يعاني منها السوق.
ولأن
المستثمرين المصريين يعلمون ذلك فإنهم
قد عادوا لادخار العملات الأجنبية مرة
أخرى؛ وهو ما زاد من معدل نمو تلك
الودائع بالمقارنة لمعدلات نمو أقل
للودائع بالجنيه المصري