|
|
|
شافيز لعب دورا نفطيا أغضب أمريكا
|
لا
يمكن بالطبع إعفاء الرئيس الفنزويلي
هوجو شافيز من مسئولية الاضطرابات
وحركة المعارضة القوية التي تطالب
بتخليه عن منصبه، غير أن الدور الخارجي
وخاصة الأمريكي ألقى بظلال من الشك على
احتمال وجود مؤامرة خارجية للإطاحة
بشافيز، خاصة أن واشنطن كانت قد أيدت
الانقلاب الأخير ضد شافيز الذي لم ينجح
في الإطاحة به.
ورغم
أنه لا يمكن التعويل على نظرية المؤامرة
في تفسير إضرابات فنزويلا، لا سيما مع
وجود أبعاد داخلية للأزمة، فإن السطور
القادمة تسعى لفهم أسباب تأييد بعض
القوى الخارجية، لا سيما الولايات
المتحدة للحركة المطالبة بعزل الرئيس
شافيز. وخاصة من خلال دور البعد النفطي
في هذا الصدد.
وتعد
حركة التظاهر والاضطرابات الحالية هي
المحاولة الثانية خلال العام الحالي
لإقالة الرئيس شافيز. فقد سبق ونجحت
محاولة عزله في شهر إبريل الماضي، إلا
أن شافيز بمعاونة من بعض السلطات
والجماهير المؤيدة له نجح في العودة
سريعًا إلى مقعد الرئاسة. ولم يستمر
الرئيس الجديد الذي عينه قادة الانقلاب
على مقعده أكثر من 24 ساعة بعد رفض
البرلمان والشعب و19 من دول أمريكا
اللاتينية الانقلاب ودعوتهم لعودة
الرئيس المنتخب شافيز.
موقف
أمريكا
وكان
الموقف الغريب المنفرد هو موقف
الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سارعت
إلى تأييد عزل الرئيس، وأكدت على أن
استقالته هي نتيجة لفشله في إدارة بلاده
بطريقة ديمقراطية سليمة. كما أيدت
الرئيس الذي تم اختياره من قبل قادة
الانقلاب الفاشل.
ويأتي
ذلك في غمار معارضة واضحة من قبل
الولايات المتحدة للرئيس شافيز منذ تم
انتخابه؛ حيث إن ميوله الشعبوية
الواضحة ومعارضته للعديد من الممارسات
والمواقف الأمريكية كانت محل انتقاد
دائم من واشنطن؛ حيث تحتل فنزويلا
موقعًا هامًّا في تزويد الولايات
المتحدة بالطاقة؛ إذ تعد ثامن أكبر بلد
منتج للنفط في العالم بمعدل إنتاج يدور
حول 3 ملايين برميل في اليوم، كما أنها
تعد رابع أكبر مصدر للنفط في العالم.
والأكثر أهمية أن فنزويلا تعد ثالث أكبر
مصدر للنفط والمنتجات النفطية للولايات
المتحدة الأمريكية.
وربما
يكون الموقف الذي تبناه شافيز منذ وصوله
للحكم بمحاولة رفع أسعار النفط، وتبني
سياسات تختلف جذريًّا عن سياسات سلفه،
هو الأكثر تأثيرًا في موقف الولايات
المتحدة تجاهه.
فبينما
كانت فنزويلا تلعب تقليديًّا دور محطم
اتفاقيات منظمة الأوبك حول حصص
الإنتاج، بالعمل على تجاوز الحصة
المقررة لها باستمرار وهو ما عمل على
إضعاف أسعار النفط، فإن الرئيس شافيز
أتى بسياسة جديدة تعمل على تعزيز وحدة
منظمة الأوبك، بل ومحاولة تشكيل تحالف
في سوق النفط بين المنتجين في أوبك
والمنتجين خارجها، وهو ما أتى أكله في
شكل ارتفاع ملحوظ في الأسعار بدءًا من
منتصف عام 1999، أي بعد تسلم الرئيس
الفنزويلي لمهامه بأشهر قليلة. حيث تم
تشكيل تحالف ثلاثي في سوق النفط يضم
كلاً من فنزويلا والسعودية من أعضاء
الأوبك إلى جانب المكسيك (وهي من أهم
المزودين كذلك للولايات المتحدة
بحاجتها من النفط) من خارج المنظمة، وهو
ما عرف بالتحالف الثلاثي أو "الترويكا
النفطية".
لوبي
نفطي
والواقع
أنه كان هناك تركيز أمريكي في الضغط
المستمر على كل من المكسيك وفنزويلا
والسعودية تحديدًا نتيجة للمكانة التي
اكتسبتها هذه الدول الثلاث في سوق النفط
العالمي خلال فترة تزيد على 3 أعوام؛ إذ
كان التحالف الذي شكلته هذه البلدان
يعمل واقعيًا باعتباره العقل المفكر
والقوة المحركة لسوق النفط العالمي.
فقد
كانت بداية هذا التحالف عند عقد
اتفاقيتي الرياض وأمستردام خلال عام 1998،
حيث توصلت هذه البلدان الثلاث إلى اتفاق
في 22 مارس عام 1998 بالرياض على خفض
الإنتاج العالمي من النفط بما يتراوح
بين 1.6 إلى 2 مليون برميل يوميا. وقد جاء
ذلك في أعقاب تدهور الأسعار في بداية
عام 1998 إلى نحو 12 دولارًا للبرميل، وهو
ما كان يعد وقتها أقل مستوى للأسعار منذ
تسعة أعوام. وقد التزمت الدول الثلاث
بخفض إنتاجها بنحو 600 ألف برميل يوميا
وهو ما يعني نحو 30% من حجم الخفض الأقصى
الإجمالي المطلوب. وسرعان ما دعمت دول
أوبك الأخرى هذا الاتفاق.
وعاد
وزراء النفط في الدول الثلاث في 4 يونيو
من العام ذاته في الاتفاق بأمستردام على
خفض حجم إنتاجهم النفطي بمقدار 450 ألف
برميل يوميا.
ثم
وضعت هذه البلدان الثلاث الخطوط
العريضة لاتفاقية لاهاي في 12 مارس من
العام 1999 حيث خفض مستوى إنتاج الأوبك
بمقدار 1.7 مليون برميل يوميا يضاف إليها
نحو 0.4 مليون برميل أخرى من الدول
المنتجة خارجها.
ثم
أتت التطورات التي شهدتها سوق النفط منذ
تم تطبيق اتفاق لاهاي في بداية شهر
إبريل من العام 1999، لتعزز من مكانة
ونفوذ هذه الترويكا، حيث زادت أسعار
النفط من مستوى 9 دولارات للبرميل من نوع
برنت البريطاني في نهاية عام 1998 وهو ما
يعد أقل مستوى لأسعار النفط منذ ما يزيد
على 25 عامًا، ليرتفع سعر نفس النوع إلى
ما يزيد على 31 دولارًا للبرميل خلال شهر
يونيو 2000 وهو ما يعد أعلى سعر منذ الربع
الأخير من عام 1990.
وإذا
ما أخذنا في الاعتبار أن ظروف الحرب
الخليجية وأزمة توقف تصدير نفط كل من
العراق والكويت في عام 1990 كانت هي السبب
المباشر في ارتفاع الأسعار في ذلك
الوقت، وهو ما لم يستمر في كافة الأحوال
سوى لفترة زمنية محدودة؛ جاز لنا القول
بأن متوسط السعر الذي تحقق خلال الستة
الأشهر الأولى من العام 2000 ربما لم
يتحقق في الظروف الطبيعية منذ عام 1984.
محاولات
هدم الترويكا
والواقع
أن العديد من الأطراف المستهلكة كانت قد
حاولت مبكرًا هدم الترويكا التي تضم
السعودية وفنزويلا والمكسيك بالقول بأن
الاتفاقات لن يتم الالتزام بها، وأنه
سيتم العودة لخرق حصص الإنتاج كما كانت
العادة دائما. وتجاهلت هذه الأطراف أن
هناك قوة دفع جديدة تتمثل في التنسيق
الأكثر إحكاما بين أعضاء المنظمة
وغيرهم من المنتجين نتيجة للأضرار
الكبيرة التي لحقت بهم بسبب انخفاض
مستوى الأسعار طوال عام 1998 وبداية عام
1999.
كما
تجاهلت هذه الأطراف أن هناك قيادات
جديدة في بعض بلدان الأوبك تتبنى رؤية
تختلف إلى حد التناقض التام مع ما كانت
تتبناه مسبقا. فلا يمكن تجاهل أن الرئيس
الفنزويلي الذي انتخب في نهاية عام 1998
وتسلم مقاليد السلطة بالفعل في بداية
عام 1999 تقدم برؤية جديدة تهدف إلى تفعيل
دور الأوبك، وتنصب على عقد لقاء قمة
يعقد في العاصمة الفنزويلية لقادة دول
المنظمة لوضع إستراتيجية طويلة الأمد
تكفل الحفاظ على مصالح الدول الأعضاء،
وهي القمة التي عقدت خلال شهر سبتمبر من
عام 2000.
والواقع
أن الرئيس الفنزويلي قد أعطى لبلاده
الكثير من المصداقية بالالتزام بحصة
الإنتاج المقررة لبلاده بعد أن كانت من
أكبر البلدان التي اعتادت تقليديا
انتهاك الحصة.
وتفيد
معظم الإحصائيات أن البلدان التي
تجاوزت حصصها الإنتاجية لم تكن تضم
فنزويلا سوى بصورة محدودة للغاية، وعلى
غير ما كان عليه الوضع لسنوات طوال تعود
إلى بدء تبني فكرة سقف الإنتاج في بداية
الثمانينيات. ومن ثم فإن بناء حالة
جديدة تتميز بتوفر الثقة والتوصل إلى
الصيغة التي تتكفل بتحقيق أكبر مصلحة
لدول المنظمة مجتمعة كانت قد قدمت
الأساس القوي لوضع إستراتيجية جديدة
يمكن الوثوق في نجاحها.
وهذه
الصيغة لا تتبنى بالضرورة فكرة معاداة
الدول المستهلكة، ولكنها تهدف بالأساس
إلى التخفيف من التقلبات الحادة في
أسعار النفط التي تضر بمصالح دول وشعوب
يمثل فيها النفط المصدر الرئيسي للثروة
والدخل.
شافيز..
ودور بارز
وكان
من الواضح أن الرئيس شافيز مصمم على
الاستمرار في لعب الدور الأكثر بروزًا
على ساحة النفط العالمية. فدون أدنى شك
كان الرئيس الفنزويلي بسياساته الجديدة
وخاصة بالتنسيق مع المنتجين والمصدرين
الكبار مثل المملكة العربية السعودية
والمكسيك.. من أهم الأسباب وراء ارتفاع
الأسعار خلال عامي 1999 و2000 إلى أعلى
مستويات تسجلها منذ أكثر من عقد كامل.
وبعد
أن قام الرئيس الفنزويلي بزيارة لدول
المنطقة المصدرة للبترول أعضاء منظمة
الأوبك لدعوة قادة هذه البلدان إلى قمة
الأوبك التي عقدت بكاراكاس، عاد لزيارة
كل من المملكة السعودية لمدة ستة أيام
ثم قطر لمدة يوم واحد. وتركز البحث خلال
هذه الزيارة على كيفية رفع أسعار النفط
بعد أن شهدت انخفاضًا واضحًا منذ شهر
ديسمبر 2000، وهو ما أثار قلق المنتجين
أعضاء الأوبك.
علاوة
على ذلك وفي خطوة غير مسبوقة فإن الرئيس
الفنزويلي كان هو الرئيس الوحيد في
العالم الذي قام بزيارة بغداد أثناء
جولته الخليجية، وهو ما فسرته الولايات
المتحدة على أنه استفزاز واضح لها، في
الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الفنزويلي
أن العراق هو من بلدان الأوبك المهمة
التي لا يصح تجاهلها، خاصة أن زيارته
كانت بهدف تسوية الخلاف بين بعض أعضاء
المنظمة بشأن اختيار الأمين العام
الجديد للمنظمة الذي كانت تصر بغداد على
أن يكون عراقيا.
وقد
حصل الرئيس الفنزويلي خلال هذه الزيارة
على مقابل لزيارته الجريئة بقبول
العراق بمرشح فنزويلي ليكون الأمين
العام للمنظمة كمرشح حل وسط بين البلدان
المتنافسة الثلاث وهي السعودية وإيران
والعراق. وهو الأمر الذي تم بالفعل
بتعيين علي رودريجيز وزير النفط
الفنزويلي السابق (رئيس شركة البترول
الوطنية الفنزويلية الآن) ليصبح الأمين
العام للمنظمة.
خلاصة
القول أن الرئيس الفنزويلي كان في
الحقيقة من بين المهندسين الكبار لسوق
النفط منذ توليه الحكم، بل يمكن القول
بأن مبادراته في هذا الصدد كانت الأكثر
فعالية في إعادة أسعار النفط للارتفاع،
وفي إعادة الاعتبار لمنظمة الأوبك التي
كانت الدول المستهلكة تراها قد ماتت
عمليا.
وليس
من الغريب أن تتخذ منه الولايات المتحدة
هذا الموقف العدائي خاصة أن بلاده من
بين أهم البلدان التي تزود الولايات
المتحدة بحاجتها من النفط، ولم يكن
الأمر بالنسبة للولايات المتحدة هو
مجرد ارتفاع في الأسعار فقط بل هو علاوة
على ذلك تهديد صريح لها في الوقت الذي
تعتبر فيه أن قضية تزودها بالنفط هي من
صلب أمنها القومي في وقت تتزايد فيه
حاجتها للنفط المستورد مع الانخفاض
المستمر في طاقة الإنتاج المحلية.
اقرأ
أيضًا:
**
خبير اقتصادي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية - جريدة الأهرام القاهرية.
|