 |
|
هروب رجال الأعمال ألقى بظلال سيئة على اقتصاد مصر
|
تصاعدت
الإجراءات الحكومية في مصر خلال شهري
أكتوبر ونوفمبر 2002 بشأن عدد كبير من
رجال الأعمال الذين حصلوا على قروض من
المصارف المصرية، وتعثروا في السداد،
وقام بعضهم بالهروب إلى الخارج خوفاً من
السجن.
وأصبح
حديث الجميع في مصر عن الفساد المتعلق
بقروض رجال الأعمال من المصارف، ومن
المسئول عنه، هل هم رجال البنوك الذين
قدموا قروضًا لرجال الأعمال بدون
ضمانات كافية في ظروف تفتقر إلى نزاهة
الطرف الأول؟ أم أن المسئول هم رجال
الأعمال الذين نصبوا على البنوك وقدموا
ضمانات وهمية؟ أم أن الحكومة هي
المسؤولة عن ذلك؛ لأنها لم تتنبه
للمشكلة من بدايتها، وتركتها حتى
تفجُّرها في الوقت المناسب لتحقيق بعض
المكاسب السياسية؟ والملاحظ أن كل طرف
يبرر موقفه، ويلقي بالكرة في ملعب الآخر..
أبعاد هذه الأزمة ومواقف أطرافها
المختلفة موضوع السطور التالية.
مؤشرات
الأزمــة
من
الطبيعي أن يلجأ رجال الأعمال إلى
الاقتراض من البنوك في كل بلاد العالم،
ولكن هذا الاقتراض يتم بقواعد متعارف
عليها مصرفياً وقانونياً، وهذه القواعد
تتعلق بضرورة تقديم ضمانات كافية على
قدرة المقترض على السداد، ووجود جدوى
اقتصادية جيدة للمشروع الذي سيتم
استخدام القرض في تمويله، وأن تكون هناك
نسبة بين رأسمال المقترض والقرض في
رأسمال هذا المشروع.
كما
يجب توزيع قروض البنك بحيث لا تتركز في
عدد محدود من الأشخاص، وألا تتجاوز
القروض نسبة معينة من رأس مال البنك،
ولكن ما حدث في مصر لم يراعِ تلك
القواعد؛ وهو ما جعل نسبة كبيرة من
القروض المصرفية في مصر تتدفق في اتجاه
واحد، وهو من البنوك إلى رجال الأعمال
دون التدفق في الاتجاه المعاكس ليتم
سدادها، وهو ما خلق مشكلة المتعثرين في
مصر بدرجة أصبح معها من الصعب التغاضي
عنها من جانب الحكومة؛ وذلك لأن مؤشرات
هذه الأزمة أصبحت كما يلي:
ـ
أصبحت نسبة مخصصات القروض إلى القروض في
البنوك المصرية 11.3%، في حين أن النسبة
المقبولة دولياً في حدود 5%، وهو ما عطل
جزءا مُهمًّا من الأموال داخل البنوك
المصرية.
ـ
أصبح القطاع الخاص في مصر يحصل على 70% من
جملة الائتمان المقدم من البنوك
المصرية، في حين لا تزيد ودائعه عن 15%
فقط.
ـ
مساهمة القطاع الخاص بحوالي 67.4% من
الناتج المحلي الإجمالي، ويساهم بحوالي
67% من جملة الاستثمارات لم يمولها من
مدخراته الخاصة، ولكن اعتمد على
الاقتراض من البنوك لتمويلها في المقام
الأول.
ـ
تركز حوالي 16.5% من القروض المقدمة من
البنوك في قبضة 35 فقط من رجال الأعمال،
حصلوا على 37 مليار جنيه مصري تمثل 31%
إجمالي من رؤوس أموال البنوك المصرية.
ـ
تم حبس معظم القروض التي حصل عليها رجال
الأعمال من البنوك في قطاع واحد فقط،
وهو البناء والتشييد 11.5%، وهو القطاع
الذي يصعب تسييل الاستثمارات به، خاصة
في ظل أحوال الركود العقاري الراهن في
مصر.
ـ
تزايد ظاهرة هروب كبار رجال الأعمال من
المقترضين إلى خارج البلاد، وقيامهم
بشن حملة مضادة للحكومة ولمناخ
الاستثمار المصري من أماكن تواجدهم
بالخارج.
ـ
تسريح العمالة من الشركات المتعثرة،
ووقف صرف مستحقات هذه العمالة؛ وهو ما
زاد من تفاقم مشكلة البطالة التي تُعتبر
أهم مشاكل الاقتصاد والمواطن المصري.
أمام
تفاقم هذه المشكلة بدأ كل طرف محاولة
تأمين نفسه، وتحسين صورته أمام الرأي
العام من خلال إلقاء اللوم على الطرف
الآخر، وحتى نتبين الحقيقة نبدأ بوجهة
نظر رجال الأعمال.
لسنا
لصوصا
شن
رجال الأعمال حملة هجوم عنيفة ضد
إجراءات الحكومة في تعقب المتعثرين
منهم، سواء الهاربين، أو الذين ما زالوا
داخل البلاد، وصدرت ضدهم أحكام من
المدعي الاشتراكي بالتحفظ على أموالهم
وعدم التصرف فيها.
ويصف
رجال الأعمال الإجراءات الحكومية بأنها
إجراءات بوليسية يجب ألا تطبق حيال
قضايا اقتصادية، مثل التعثر أو عدم سداد
المديونية المستحقة للبنوك، وأن ذلك
يسيء إليهم، ويشوه صورتهم لدى المجتمع،
ويشوه صور الاقتصاد المصري عمومًا،
خصوصًا مناخ الاستثمار الذي يهتم به
رجال الأعمال المحليون أو الأجانب،
وتتلخص وجهة نظر رجال الأعمال في الآتي:
ـ
نفي تهمة محاولة السطو على أموال البنوك
من جانب رجال الأعمال بطريقة غير مشروعة
في ظل عملية التعثر التي تواجه بعضهم.
ـ
أن هناك أسبابًا أدت إلى التعثر، خارجة
عن سيطرة رجال الأعمال، وأهمها حالة
الركود في الأسواق المصرية والدولية،
وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن
المصري، ومشكلة سعر الصرف التي أدت إلى
تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار
بأكثر من 30% خلال عامي 2001-2002، وزيادة حدة
المنافسة من السلع المستوردة للمنتجات
المحلية.
ـ
أن الحكومة تسببت بشكل أو بآخر في خلق
مشكلة التعثر، وذلك من خلال سياساتها
الاقتصادية الكلية التي لا تراعي ظروف
القطاع الخاص، وكذلك بسبب تأخرها في
سداد مديونياتها المستحقة للقطاع
الخاص؛ وهو ما أخّر بدوره سداد القطاع
الخاص لديونه المستحقة للقطاع المصرفي.
ـ
أن هناك مساهمة للبنوك في حدوث هذه
المشكلة من خلال فرض أسعار فائدة مركبة
مرتفعة جداً على القروض، وخاصة على
العملاء المتعثرين دون علمهم، هذا إلى
جانب العمولات والرسوم الإدارية التي
تضاعف المبالغ المستحقة على المقترضين.
ـ
أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضد
بعض رجال الأعمال المتعثرين منذ عامين
أدت إلى تخوف رجال البنوك، وبدأت تظهر
حالة من التردد وارتعاش الأيدي لدى رجال
الائتمان في البنوك؛ وهو ما جعل هناك
صعوبة في حصول رجال الأعمال على تسهيلات
جديدة لمواصلة الإنتاج وتسديد الديون
المستحقة عليهم.
في
ضوء ما سبق فإن رجال الأعمال يطالبون
الحكومة والبنوك بعمل الآتي:
ـ
التفرقة في المعاملة بين المتعثرين
لأسباب خارجة عن إرادتهم، ويرغبون في
الاستمرار في العمل، وتسديد ما عليهم من
ديون للمصارف، وبين هؤلاء الذين تعثروا
لأسباب ترجع إليهم بسبب سوء الإدارة أو
استغلال القروض في مجالات غير المحددة
لها، أو هؤلاء الذين فروا إلى الخارج
بتلك الأموال، معتقدين أنهم قد كسبوا
المباراة.
ـ
أن يحظر على البنوك إفشاء أسرار حسابات
رجال الأعمال إلا إذا كانت هناك ظروف
قانونية ملحة لذلك، وفي حالة وجود أي
مشاكل ألا تنظر القضايا المصرفية أمام
محاكم الجنايات، وإنما أمام دوائر
متخصصة يوافق عليها الطرفان (البنك
والعميل)، ويمكن أن يكون ذلك من خلال
المحاكم التجارية.
ـ
أن يتم تأكيد حقيقة أن البنوك شريكة مع
رجال الأعمال في الظروف الاقتصادية،
وأن تعمل على مساعدة المقترضين وإنعاش
السوق من خلال عدم المبالغة في أسعار
الفائدة والرسوم الإدارية التي تتجاوز
16% مقابل 4% في معظم دول العالم، وأن
يُطبق سعر فائدة منخفض في فترات التعثر
وفي فترات الانكماش الاقتصادي.
ـ
أن يتم تحقيق العدالة في المعاملة مع
حالات التعثر والبعد عن المجاملة
للبعض، وأن يكون هناك منطق في العقوبات؛
فليس من المنطقي أن تكون عقوبة من يسرق
بنكا من 3 إلى 5 سنوات، وتكون عقوبة
المقترض المتعثر تصل إلى 7 سنوات.
ـ
منع تدخل الأجهزة الرقابية التي ليس لها
علاقة بالأنشطة الاقتصادية وأعمال
البنوك، ولا تعرف قضايا التصدير
والاستيراد؛ لأن ذلك يُعد سياسة
بوليسية تؤثر بالسلب على أداء الاقتصاد
والمشروعات.
ـ
حظر قيام البنوك بإجبار رجال الأعمال
على توقيع شيكات على بياض عند الاقتراض
كضمان للسداد؛ لأن ذلك يجعلهم عرضة
للمحاكمة والمعاقبة بالسجن.
بعضهم
ليسوا شرفاء
من
ناحية أخرى تحمل الحكومة رجال الأعمال
مسؤولية هذه الأزمة، وترى أنه إذا كان
بإمكانها غض الطرف عن حالات التعثر التي
حدثت في الماضي بسبب طبيعتها الفردية،
فإنه يصعب عليها في ظل حالات التعثر
الجماعي الحالية، وهروب عدد كبير من
كبار المقترضين بمبالغ كبيرة.. تجاهل
هذه المشكلة؛ لأن ذلك سيُلحق الضرر
بالقطاع المصرفي وبالاقتصاد الوطني
عموما، وتتلخص اتهامات الحكومة لرجال
الأعمال في الآتي:
ـ
أن رجال الأعمال لم يهتموا بدراسات
الجدوى للمشروعات التي تم تمويلها
بقروض البنوك، وأن بعضهم قدم دراسات
جدوى ملفقة من أجل الحصول على تلك
القروض.
ـ
الاكتفاء بتمويل المشروعات بقروض
البنوك فقط دون أن يكون لدى معظم رجال
الأعمال أموال خاصة بهم، ودون مراعاة
النسبة المتعارف عليها بين إجمالي
القروض وإجمالي الاستثمار، والاعتماد
أساسًا على تلك القروض.
ـ
تواصل رجال الأعمال مع بعض رجال البنوك
في علاقة غير نزيهة من أجل الحصول على
هذه القروض؛ وهو ما أدى إلى تغذية
الفساد في الجهاز المصرفي، خاصة بين
مانحي الائتمان.
ـ
عدم الاهتمام الكافي بالإدارة أو
بإدخال نظم إدارة حديثة في المشروعات
الممولة من قروض المصارف، ووجود خلط
واضح بين الملكية والإدارة وعدم الفصل
بينهما.
ـ
تركيز رجال الأعمال على السوق المصرية،
وعدم الاهتمام بالتصدير وهو ما أدى إلى
قلة حصيلة رجال الأعمال من العملة
الأجنبية، وهو ما ساعد على تعثر رجال
الأعمال الذين حصلوا على قروض بالدولار.
ـ
أن رجال الأعمال الذين سحبوا مبالغ
كبيرة من البنوك أصبحت لديهم سيولة
كبيرة قام بعضهم بتحويلها إلى دولارات
وتهريبها إلى خارج البلاد؛ وهو ما ساهم
في تفاقم مشكلة سعر الصرف.
ـ
أن بعض رجال الأعمال يحاولون استغلال
الموقف وهروب البعض الآخر للضغط على
الحكومة وعلى المصارف لإجبارهما على
تخفيض ديونهم أو إلغاء الفوائد المحصلة
عليها دون أن يكونوا متعثرين بالفعل؛
وهو ما يعني الاستهانة بحقوق البنوك
وبالمصلحة العامة، وبالتالي فليس كل
المتعثرين صادقين أو شرفاء.
انعدام
الثقة
رغم
ما يسوقه كل من رجال الأعمال والحكومة
ورجال المصارف من دلائل على عدم
المسؤولية عن هذه المشكلة.. فإن المواطن
المصري له رأي آخر يطرحه في صورة تساؤل
مهم هو: لماذا سكتت الحكومة طوال هذه
الفترة؟ ولماذا كشفت عن هذه القضية في
هذا التوقيت بالذات؟
البعض
يرى أن مقاليد الأمور في مصر أصبحت
بطريق غير مباشر في يد كبار رجال المال
ورجال السياسة، وأن التقارب بين
الطرفين من أجل تحقيق مصالح معروفة لكل
طرف، وأنه إذا كانت هذه المشكلة تفجرت
الآن فإن حلها سيتم بنفس الطريقة؛ أي في
سياق تبادل المصالح بين الحكومة ورجال
الأعمال.
لكن
البعض الآخر يرى أن الأمر لا يعدو سوى
محاولة لتجميل صورة الحكومة أمام
المجتمع الذي يعاني من ظروف اقتصادية
غير مواتية، قوامها البطالة الطاحنة،
ومستويات الدخول المنخفضة والمتراجعة،
بعد أن فقد الجنيه المصري ثلث قوته
الشرائية، وأن الحكومة تحاول أن تقنع
المواطن بأنها هي التي تبدأ بكشف
ومحاربة الفساد وعدم التستر عليه،
وتقديم المتورطين فيه إلى العدالة،
مهما كانت مناصبهم أو مكانتهم في
المجتمع.
مع
كل ما سبق فإن لسان حال المواطن المصري
يقول بأن المهم هو سرعة معالجة هذه
المشكلة؛ لأنها ستؤثر على الجميع: على
سمعة الاقتصاد المصري الذي لم يعد يحتمل
تلقي صدمات جديدة، كما ستؤثر على
العمالة في الشركات المتعثرة أو التي فر
أصحابها إلى الخارج،
وتحاول
الحكومة في الفترة الأخيرة تحقيق آمال
المواطن في هذا المجال عن طريق التأكيد
على عدم المساس بحقوق هؤلاء العمال.
ولكن
المرجح أن الحكومة لن تستمر في تصعيد
تعقبها لرجال الأعمال المتعثرين أو
الهاربين قانونيًا وبوليسيًا، وسيكون
التفاوض الهادئ بين البنوك ورجال
الأعمال تحت إشراف الحكومة هو المخرج من
هذه المشكلة؛ حفاظًا على ماء وجه الجميع
أمام المواطن المصري الذي اهتزت ثقته في
الأطراف الثلاثة للمشكلة.
اقرأ
أيضًا:
**
خبير اقتصادي مصري
|