English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

متسول من زمن العولمة

2002/11/25

القاهرة - محمد الصدفي

متسول ولكنه فيلسوف

تطالعنا الصحف اليومية في مصر بعشرات النوادر والحكايات عن عالم المتسولين، فهذا خبر يشير إلى أن حصيلة تسول يوم واحد لإحدى السيدات تجاوز 150 دولارًا يوميا. وخبر آخر يقول أن إيجار فقراء الأطفال الذين يتم استغلالهم في التسول يصل إلى 10 دولارات للطفل في اليوم، يرتفع إلى 15 خلال أيام شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحي.

وفقًا لإحصاءات المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية للعام 1997 فإن عدد المتسولين بمصر يصل إلى نصف مليون شخص، كما أن القضاء ينظر نحو 12 ألف قضية سنويًا.

فالمتسول الواحد متوسط دخله اليومي يصل إلى عشرة جنيهات (دولارين)، أي في السنة 730 دولارا. أما اجمالي ما يحصل عليه المتسولون النصف المليون فيصل في المتوسط إلى 350 مليون دولار تقريبا.. وهو رقم ليس بالهين رغم أنه غير مرصود حكوميا، حيث تقبع أنشطة المتسولين ضمن ما يسمى بالاقتصاد غير الرسمي.

المهم أن المتسولين في زمن العولمة لم يصبحوا مجرد أناس ساءت بهم الأحوال وضنت عليهم الحياة فافترشوا الطريق ليسألوا المارة، لكن بعضهم أصبح له فلسفة اقتصادية ينظر من خلالها لمهنته وللحياة بشكل عام.. فتعالوا لنعرفها من السطور القادمة.

حوار مشروط

بميدان السيدة زينب، وتحديدًا بجوار مسجد "الطاهرة"، التقيت أحد هؤلاء المتسولين.. لم أجد صعوبة في التحاور معه، غير أنه اشترط عدم تصويره أو ذكر اسمه حتي لا يقع تحت طائلة القانون.. هو شاب في الثامنة والثلاثين من عمره، يجلس على كرسي متحرك إثر إصابته بشلل الأطفال في وقت مبكر من حياته، أعزب، خريج معهد فني تجاري ويحمل شهادة تجويد للقرآن الكريم.

وهو قارئ جيد للصحف، يتابع ما ينشر عن عالم المتسولين ويبعث بردود وانتقادات على بعض ما لا يعجبه من مقالات.. كما أنه شغوف بعالم السينما، يشاهد أفلامها في المقاهي، ويتحسر على أوضاع المتسولين في مصر عندما يقارنهم بما يراه -في الأفلام- من احترام يلقاه نظراؤهم في الخارج.

انتقل قبل أكثر من عشر سنوات من الإسكندرية للقاهرة بعد تعرضه لظروف اجتماعية ونفسية هناك. وبعد تجارب مريرة مع أصحاب السكن الذي كان يقطنه، فضّل صاحبنا سكنى الشارع، وتحديدًا بجوار مسجد السيدة زينب جنوب القاهرة.

فلسفة التسول

قبل احترافه التسول، اشتغل صاحبنا في أكثر من عمل، بدأها كمحفظ للقرآن في إحدى الجمعيات الخيرية.. كان يعتبر هذا العمل رسالة، فلم يبخل في مساعدة الدارسين من الأطفال الصغار ببعض من دخله الشخصي، وعقب اكتشافه قيام مسئولي الجمعية بنهب ما يصلهم من تبرعات – على حد قوله – ترك العمل ليشتغل بالتسول.

اشتغل أيضًا بأحد محلات تجارة الجملة وكموظف بهيئة التليفونات.. لم يكره في الوظيفة دخلها القليل، وإنما كره تحكم الآخرين فيه.

لا يعتبر صاحبنا احترافه التسول حرامًا في حالته، ويراه حرامًا بالنسبة لمدعي الفقر وذوي العاهات غير الحقيقية.. ويرى أن العمل قيمة هامة في الحياة، ولكن وفق ظروف ومناخ معين، لا يهان فيه الإنسان من رؤسائه.

وبينما يؤكد ضيقه الشديد بما يفعله، ويعتبر ذلك عملية قاتلة بالنسبة له بعد أن تعلم وحفظ القرآن، ينتقد معاملة الدولة لأمثاله الذين عليهم أن "يدوخوا السبع دوخات" من أجل الحصول على جنيهات معدودة.

يرى صاحبنا أن الجميع يمارس التسول، كبارًا وصغارًا، ولكن كل بأسلوبه، فهناك متسولون عن طريق التلفزيون، مثل تبرعات الأيتام، ومرضى المستشفيات الذين تدعو الدولة الناس لدعمهم.

يرفض صاحبنا ما يقال عن وجود مملكة للشحادين، ويؤكد عدم صحة ما تنشره الصحف وتصوره السينما عن عالم التسول والمتسولين، مشيرًا إلى وجود دخلاء كثيرين؛ فثمة كثير من غير المعوزين يهرولون على سيارات المحسنين، وهو ما يحول دون وصول التبرعات لمن يستحقون.

وبالإضافة إلى مزاحمة بعض خريجي الجامعات العاطلين لأمثاله، يؤكد صاحبنا اتجاه بعض الشرفاء من كبار الموظفين إلى طريق التسول - كبديل للرشوة – بسبب ضغوط الحياة، كما يشير إلى وجود مرضى التسول، ممن هم ليسوا بحاجة للمال لكنهم يمارسونه بدافع المرض النفسي.

أرزاق ومواسم

وعن دخله اليومي، يؤكد أن الأمر لا يخرج عن كونه رزقا من عند الله. ففي الأيام العادية لا يتجاوز دخله 20 جنيهًا (أربعة دولارات تقريبا)، يرتفع خلال شهر رمضان –لا سيما في العشر الأواخر منه– إلى 150 جنيهًا (ثلاثون دولار تقريبا)، استنادًا إلى حرص الناس على إخراج زكاة الفطر.

وانطلاقًا من إيمانه بأن القرش الأبيض ينفع في الظروف الضيقة، يدخر بعضًا من دخله إلى مثل هذه الأيام، كما يدخر جانبًا آخر للعلاج وأيام الكسل.

وفيما يشير إلى ما أسماه بظاهرة "الهجرة الجماعية" التي يهرول فيها عدد كبير من مدعي الحاجة من أطراف القاهرة للتسول في رمضان بجوار مساجد الأولياء، يرى أن المكان لا علاقة له بالدخل اليومي؛ فالوقوف بجوار مسجد أو فندق "خمس نجوم" لا يؤثر إطلاقًا في الدخل؛ فقد يرزق طفل صغير في حارة شعبية بأكثر مما يرزق به شيخ طاعن بجوار مسجد أحد الأولياء. وأما أفضل الأماكن بالنسبة له فهو المكان الهادئ البعيد عن وجع الدماغ - على حد قوله.

عطايا الفقراء

وبالنسبة لفئات المحسنين، أشار إلى أن المسألة تهون على الفقير الذي قد يمنحه 25 قرشًا (الجنيه = 100 قرش) تمثل ربع ما بحوزته، أما الأغنياء فيفضلون –على حد قوله- الشهرة والرياء بعمل موائد الرحمن، مؤكدًا تدين المصريين بصفة عامة وحبهم للإحسان وعمل الخير.

وانطلاقًا من كرهه لوجود رئيس عليه، يرفض صاحبنا عودة ما كان معمولاً به إبان الحكم الفاطمي من تنظيم لعملية التسول وفرض أماكن بعينها وضرائب محددة على ممارسيه.

وعن رأيه في مشروعية التسول قال: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من المسلمين إعطاء السائل وإن كان ممتطيًا جوادًا، رغم أن الجواد يعادل –بأثمان زمننا هذا- مرسيدس بودرة. كما أن القرآن الكريم يقول: {وأما السائل فلا تنهر} صدق الله العظيم".

سألته عما إذا كان ما يفعله يدخل في إطار "التسول" أم "الإحسان" فرد بالآية القرآنية: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}، معتبرًا أن ما يأخذه حق له من القادرين.

ويرى صاحبنا أن التسول ظاهرة عالمية، وأن الحد منها يتطلب مجتمعًا نظيفاً، يتقي فيه كبار المسئولين الله؛ إذ إن ترك كبار اللصوص دون عقاب، ومعاقبة "الغلابة" يدفع الشرفاء إلى التسول والانحراف.

قبل أن أتركه سألته: هل لديك أقوال أخرى؟

فقال موجهًا حديثه للمسئولين: "اتقوا الله.. ربنا يفرجها عليكم وعلينا، ومفيش حد في الدنيا دي يحب يكون متسول بإرادته. إذا كانت الحكومة خصصت 20 مليون جنيه –حسبما قرأت في الصحف- لترميم مجرى سور العيون، فإنني أقول لهم: ابنوا الإنسان.. يبني لكم أهرامات جديدة!".

دخل سهل

توكد إيمان شريف الخبيرة بقسم بحوث الجريمة بالمركز القومي للبحوث في دراسة أجرتها عام 2000 حول "تسول الإناث" أن التسول يصبح عادة سلوكية بمرور الوقت باعتباره مصدر دخل سهلا، يشجعه الاعتقاد الشائع بأنه ليس حرامًا.

وأكدت الدراسة أن 47.1% من عينة البحث كنّ لا يعتبرن أنفسهن متسولات وإنما طالبات إحسان، وأن 14.3% منهن أقررن بإجبارهن على ذلك من قبل ذويهن أو آخرين. كما أقرت 75% من عينة الدراسة أن للتسول مواسم تتركز في الأعياد الدينية وشهر رمضان، وأن التسول يرتبط بمواعيد الصلاة لا سيما صلاة الجمعة.

أما أماكن التسول فقد تصدرت دور العبادة، تلتها الميادين العامة، ثم الأماكن السياحية كفنادق الـ "خمس نجوم"، بينما احتلت الموالد الشعبية المرتبة الأخيرة.

ونظرًا لعدم ردع القانون 39 لسنة 1933 بشأن تجريم التسول في مصر، والذي تتراوح العقوبة فيه بين الغرامة التي لا تزيد عن مائة جنيه والحبس مدة لا تتجاوز شهرًا، فقد أعدت وزارة الشئون الاجتماعية عام 1984 مشروع قانون نص على اتخاذ تدابير احترازية بحق المتسولين تعتمد على تقديم الرعاية الاجتماعية والعلاج والتأهيل والإعداد المهْني.

وقد راعى هذا التشريع تقسيم المتسولين إلى قادرين على العمل وعاجزين جزئيًا أو كليًا، والإيداع لدى المؤسسات الاجتماعية المناسبة، لكن هذا المشروع واجه صعوبة في التطبيق بسبب عدم وجود التمويل اللازم.

غير أن ظروف الخصخصة والإصلاح الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة التي تمر بها مصر خلفت وراءها نسبة عالية من الفقراء الذين أصبحت تمثل لهم مهنة التسول عملا إضافيا يعينهم على الحياة.

وقد لجأت بلدان آسيوية مثل بنجلاديش التي تعد من الدول الفقيرة، من خلال الجميعات الأهلية إلى عمل برنامج ضخم لتأهيل المتسولين تنمويا حتى يشاركوا في عملية الإنتاج؛ فتجريم الظاهرة وحده لا يكفي، إنما إيجاد سبل عيش كريمة للمتسول ليصبح فردًا منتجًا في المجتمع وليس عالة على الآخرين.  

اقرأ أيضا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع