"يحكى
أن رجلاً قارب الموت وهو لا يملك شروى
نقير (كناية عن الفقر الشديد)، وبينما هو
في النزع الأخير أشار إلى ابنه أن يهبه
بعض دكاكين ليجعلها وقفاً باسمه تقرباً
بها إلى الله تعالى؛ إذ شق عليه أن يغادر
دنياه دون أن يجري على يده مثل هذه
المحمدة، التي يكون فيها لمجتمعه وجه من
وجوه النفع العام، وتكون له صدقة جارية
يصله ثوابها على الدوام".
ربما
يكون لهذه الحكاية أصل من الحقيقة، ولكن
ما يغلب على الظن أنها قصة نسجها الخيال
الشعبي في يوم ما من تاريخ المجتمع
الإسلامي في زمن ازدهاره.
وكأن
هذا الخيال أراد أن يسجل للأجيال
المتعاقبة مقدار ما بلغته سُنة الوقف
الإسلامي من أهمية في حياة الفرد
والمجتمع معاً، حتى إنه غدا ممارسة
شائعة ذائعة، يقبل عليها الجميع من
الذين يملكون، ويرغب فيها حتى الذين لا
يملكون؛ ليشاركوا بها طوعاً لا كرهاً في
تنمية مجتمعهم من جهة، وطمعاً في ثواب
دائم لا ينقطع عند الله من جهة أخرى، كما
أخبر بذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم-
بقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله
إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع
به، أو ولد صالح يدعو له". (رواه مسلم).
وإن
تعجب فاعجب لنظام اجتماعي هو "نظام
الوقف"؛ بَذَرَتْه فقط كلمتان اثنتان
قالهما خير الأنام سيدنا محمد عليه
الصلاة والسلام: "صدقة جارية"،
وسرعان ما أضحى متشعب الفروع متشابك
الأغصان، وعمره اليوم أكثر من 14 قرناً
متصلة دون انقطاع، وغطى ولا يزال يغطي
مساحات متفاوتة الحجم من رقعة العالمين
العربي والإسلامي، حتى قيل: إن نصف
الأراضي الزراعية في عهد الدولة
العثمانية كانت داخلة في دائرة الوقف،
وإن نسبة كبيرة من ريعها كان مخصصاً
للإنفاق على المنافع العامة، من
المرافق الصحية والتعليمية والثقافية
والخدمات الاجتماعية.
|
|
ركن من إحدى التكايا |
وبعد
10 سنوات مضت في البحث والدراسة والعمل
في مجال الأوقاف تأكد لي أنه بالرغم مما
لنظام الوقف من تراث عريق، وجذور ضاربة
في التاريخ، وآثار حاضرة في الواقع تدل
عليه في كل بلد عربي وإسلامي.. فإن صورته
النمطية السائدة سلبية في مجملها،
وربما كان من أهم أسباب ذلك أنه لم يحظَ
حتى الآن بما يستحق من الجهود
والاجتهادات الشرعية غير المقفلة؛ بل
المتفتحة الجديدة، ومن البحوث
والدراسات الاجتماعية غير التقليدية
المكررة التي لا تغني شيئاً؛ بل
المعاصرة التي تكشف عما يمكن الاستفادة
من تجاربه الماضية، وتصل ما انقطع منه
في الواقع، وتعيده إلى دائرة اهتمام أهل
الفكر والثقافة والتعليم والإعلام؛ كي
تتجدد ثقافته في المجتمع، وتزول
التشوهات التي لحقت به في الفترات
السابقة من جراء بعض الممارسات المخطئة،
ولا تزال عالقة في الوعي الجماعي حتى
الآن، وتعرقل كثيراً من الجهود المخلصة
الرامية لتجديده وتفعيله كأحد أهم
مصادر التنمية الاجتماعية المستديمة،
والمعتمدة في الوقت نفسه على الجهود
الأهلية والمبادرات الذاتية دون حاجة
إلى تمويل حكومي أو أجنبي.
ولعل
من أهم عناصر الصورة النمطية السلبية عن
الوقف أنه نظام ينتمي للماضي البعيد
الذي ولى ولن يعود؛ بدليل أن الناس عزفت
عنه ولم تعد تضيف إليه أو تقبل عليه،
وأنه نظام ديني مغلق لا صلة له بالشؤون
الاجتماعية والتنموية، ولا يتجاوز
المسجد والمقبرة إلا قليلاً، ولم يكن
يشارك في تأسيسه إلا ذوو الجاه العالي
والثراء العريض… إلخ.
والحقيقة
غير ذلك، وهذه الصورة السلبية مبالَغ
فيها إلى حد كبير، ولديّ على ما أقول ألف
دليل ودليل، وذلك بعد أن قمت بدراسة 15000
حجة من حجج الأوقاف المحفوظة في دفتر
خانة وزارة الأوقاف المصرية، وجميعها
مما جرى إنشاؤه فقط خلال القرنين التاسع
عشر والعشرين، إضافة إلى بضعة آلاف أخرى
من حجج الأوقاف في عدد من البلدان
العربية والإسلامية.
وسنقتصر
في هذه المقالة على بعض النماذج الموثقة
من أرشيف ودفتر خانة وزارة الأوقاف
المصرية -وما سنقوله بخصوصها ينطبق إلى
حد كبير على حالة الأوقاف في غيرها من
البلدان العربية والإسلامية-، وهذه
النماذج تعبر في الحقيقة عن مفاصل
إنسانية من تاريخ الوقف، وتبرهن على زيف
الصورة النمطية السلبية التي أشرنا
إليها، وتؤكد أن الوقف لم يتوقف عن
العطاء، ولا يزال أهل الخير من مختلف
المستويات الاجتماعية والاقتصادية
يضيفون إليه حتى اليوم؛ بما يعني أنه
نظام مفتوح أو لا طبقي، وأنه نظام
اجتماعي له أدوار تنموية بالغة الأهمية
في تأسيس ودعم ما يُسمى بلغتنا المعاصرة
"المجتمع المدني"، وأن مجتمعاتنا
في أشد الحاجة إلى تجديد تقاليد العمل
به، وفقاً لمنظومة متماسكة من القيم
والأخلاقيات الإسلامية الأصيلة التي
تحض على المشاركة في الشأن العام، وتعلي
من أهمية المبادرة بعمل الخير مع التطوع
بالكلم الطيب، أو قبله.
نماذج
للوقف
بينما
كنت أنقب في ملفات أرشيف الأوقاف
المصرية في أحد أيام ربيع سنة 1997، وصلت
رسالة بريدية وبها نسخة من حجة وقف، قام
مسؤول الأرشيف بتسجيلها وإعطائها رقماً
مسلسلاً، ثم وضعها في إحدى المحافظ
المخصصة لصيانة الحجج. أسرعت بقراءتها
فإذا هي حجة وقف جديد قيمته 20.000 ج.م (عشرون
ألف جنيه مصري) أنشأه آنذاك محافظ إحدى
محافظات الساحل الشمالي لمصر والسيدة
حرمه، واشترطا صرف ريعه السنوي مناصفة
بين دار أيتام البنين بمنطقة طرة (جنوب
القاهرة) ودار أيتام البنات بمنطقة
حلمية الزيتون (شمال القاهرة)، وجعلا
النظر لوزارة الأوقاف.
وفي
صيف العام نفسه وصلت رسالة أخرى بالبريد
وبها حجة وقف جديد أُسند النظر عليه إلى
وزارة الأوقاف، وقيمته 640.000ج.م (ستمائة
وأربعون ألف جنيه مصري) لأحد المحسنين
من مدينة الإسكندرية، وقد اشترط الصرف
من ريعها السنوي على اليتامى
والمحتاجين والأرامل والفقراء
والمساكين.
وهكذا
بين الحين والآخر يضيف المحسنون من أهل
مصر أوقافًا جديدة على وجوه شتى من وجوه
البر والمنافع العامة التي تدخل
بامتياز ضمن صيغة أو أخرى من صيغ
التنمية الاجتماعية بمفهومها الحديث،
ومنها مؤسسات الرعاية الاجتماعية، مثل
ملاجئ الأيتام، وتكايا الفقراء
والمنقطعين.
وبالرجوع
قليلاً إلى الماضي القريب نجد أنه حتى
منتصف القرن العشرين تقريباً كان
للأوقاف في مصر نوعان من مؤسسات الرعاية
الاجتماعية هما: التكايا والملاجئ.
والتكايا تاريخياً أقدم ظهوراً من
الملاجئ في مصر؛ إذ عرفت في بدايات
العصر العثماني في القرن العاشر الهجري
(ق16م)، بينما ظهر اسم الملاجئ في القرن
الثالث عشر الهجري (ق 19م)، وكلاهما تطور
عن مؤسسة وقفية سابقة كما يستفاد مما
سجله علي مبارك باشا في كتاب "الخطط
التوفيقية" فالتكايا تطورت عن
الخوانق (مفردها خانقاه).
أما
الملاجئ فقد تطورت عن الرباطات (مفردها
رباط)، وقد تراوحت الوظائف التي اضطلعت
بها التكايا والملاجئ بين تقديم
الرعاية الاجتماعية والصحية، وبين
القيام بمهمات تعليمية وتدريبية
لروادها من الفئات الخاصة، وذلك حسب ما
تضمنته شروط مؤسسي الوقفيات من
المحسنين وفاعلي الخير.
وقد
أدت التغيرات الاجتماعية إلى ضمور
التكايا، وتراجعها لصالح الملاجئ التي
حظيت بما لم تحظَ به التكايا من جهود
التطوير والإصلاح. ولنتجول الآن في
أروقة هاتين المؤسستين الوقفيتين، ونقف
عند بعض معالم الخير المرتبطة بجوانب
التنمية الاجتماعية فيهما:
التكايـا
اختصت
التكايا في معظم الأحوال برعاية من لا
عائل لهم، والذين لا يقدرون على الكسب،
والعجزة، وكبار السن المنقطعين،
والأرامل من النساء اللائي لا يستطعن
ضرباً في الأرض، إلى جانب الفقراء
والغرباء وعابري السبيل الذين لا يجدون
لهم مأوى في البلاد التي يمرون بها -وخاصة
إذا كانوا قاصدين حج بيت الله الحرام-
وبعض التكايا كانت مخصصة لإسكان طلبة
العلم بالأزهر الشريف، وأشهرها
تاريخيًّا "تكية محمد بك أبو الدهب"،
و"تكية الكلشني" بالقاهرة، إضافة
إلى 15 تكية أخرى كانت في معظمها مخصصة
لعابري السبيل، والفقراء، وبعض الأسر
التي أخنى عليها الدهر (مال عليها الدهر).
ولكن
من كان ينشئ التكايا وينفق على تسيير
أعمالها؟ تجيب وثائق الأوقاف أن ذلك كان
بمبادرات أهل الخير والمحسنين من طبقات
اجتماعية مختلفة، كل على قدر طاقته؛
فالبعض منهم كان من أعضاء السلطة
الحاكمة وكبار موظفي الدولة، وبعضهم من
كبار الملاك، أو من متوسطيهم.
ومن
هؤلاء وأولئك نذكر -على سبيل المثال-
الخديوي عباس الأول الذي أنشأ تكية بدرب
الجماميز بالقاهرة ووقفها، والخديوي
إسماعيل الذي خصص من وقفياته الكثيرة
ثلاث وقفيات بلغت مساحتها الإجمالية 297
فداناً من الأراضي الزراعية، واشترط
صرف ريعها على ثلاث تكايا: هي تكية
المولوية، وتكية السليمانية، وتكية
القادرية.
كذلك
فقد كان أحمد باشا المنشاوي من أشهر
كبار الملاك الذين اهتموا بإنشاء
التكايا والوقف عليها في مطلع القرن
العشرين الماضي، ومن ذلك تكيته بمدينة
طنطا (وسط دلتا النيل)، التي جعلها -كما
ورد في نص حجة وقفه- "للعواجز
واليتامى؛ لتكون منازل ومساكن لهم
وللسيارة والمارة، وأبناء السبيل من
المسلمين، سيما الذين يحضرون إلى مدينة
طنطا من بلاد الترك والمغرب وغيرها وهم
في طريقهم لأداء فريضة الحج"، وقد بلغ
نصيب هذه التكية من ريع الوقف 1500ج.م (ألفاً
وخمسمائة جنيه مصري) قبيل تسليم أطيان
الوقف سنة 1962م لهيئة الإصلاح الزراعي.
لقد
أدت التكايا كثيراً من وظائف الرعاية
الاجتماعية التي احتاجتها فئات
اجتماعية مختلفة، في أحقاب زمنية سابقة؛
حيث لم تكن من مسؤوليات الدولة، ولم يكن
للمجتمع غنى عنها، ثم لما تجاوزتها
التحولات الاجتماعية، وارتبط اسمها
بكثير من المعاني السلبية التي تشير إلى
الكسل والفوضى وانعدام النظام، ولم تعد
ملائمة لتلبية الحاجات التي من أجلها
نشأت.. حدث لها "تكيف وظيفي"،
وأفسحت الطريق أمام المؤسسات الحديثة
التي تقوم بوظيفتها. ومعنى ذلك أن "التكية"
كوسيلة هي التي تغيرت، أما هدفها النبيل
الذي قامت من أجله فقد ظل قائماً ترعاه
وسائل أخرى مثل دور المسنين والملاجئ.
(انظر
نموذج آخر لوقف الملاجئ)
والحقيقة
أنه كلما تأملنا في نصوص حجج الأوقاف
وجدنا كنوزاً من الخير الاجتماعي، كتلك
التي أوردنا نماذج منها على سبيل المثال
لا الحصر، الأمر الذي يصدقه قول الرسول
الكريم "الخير في وفي أمتي إلى يوم
القيامة"، ويكشف عن أصالة نزعة الخير
في نفس المسلم، وانشغاله بقضايا مجتمعه
وإحساسه بحاجات المحتاجين، وهي في
جملتها -مما ذكرناه ومما لا يتسع المقام
لذكره- مبادرات مبدعة في التنمية
الاجتماعية / المحلية القاعدية؛ تقدم
مفاصل إنسانية رائعة، ما أحوجنا إلى
الاقتداء بها، وما أجدر بالدنيا كلها أن
تتعلم منها. وقد تكون لنا عودة مع نماذج
أخرى للوقف على الرعاية الصحية
والمستشفيات؛ فمن حق أولئك الأخيار
الذين وقفوا عليها أموالهم قربة إلى
الله، ومن حق الإنسانية علينا، ومن
واجبنا تجاه مجتمعاتنا الإسلامية وتجاه
أنفسنا أن نذكر بها، ونقدمها لتكون أسوة
حسنة لمن كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد.
اقرأ
أيضا
**حاصل
على دكتوراة في نظام الوقف الإسلامي