|
يثير
الحديث عن الحرب المتوقعة ضد العراق
مخاوف الأردن؛ إذ يُعتبر كل من البلدين
للآخر بمثابة الرئة التي يتنفس منها
اقتصاديًّا؛ لذلك يخشى أن يختنق
الاقتصاد الأردني في حال وقوع هذه
الحرب، لا سيما أن النفط العراقي سينقطع
عنه، وهو الأمر الذي يطرح استفهامات عدة
حول حجم مكاسب الأردن من علاقاته
بالعراق، وكيف سيتصرف إذا ما توقفت هذه
المكاسب، وتصورات الحكومة للخروج من
هذا الموقف في ضوء خبرة حرب الخليج
الثانية؟
المتابع
للعلاقات الاقتصادية الأردنية
العراقية يجد أنها مرت بفترات ركود
وانتعاش، تحت وطأة الأحداث الساخنة في
المنطقة العربية، لكن هذه العلاقات لم
تنقطع حتى في أشد الأوقات توترًا؛ فمنذ
نهاية السبعينيات ومرورًا
بالثمانينيات كانت العلاقات بين
البلدين تزداد متانة، ووصلت ذروتها في
النصف الثاني من عقد الثمانينيات؛ حيث
تستقطب السوق العراقية وحدها ما يزيد عن
20% من التجارة الخارجية الأردنية
البالغة 6 مليارات دولار، وذلك طبقًا
لدراسة أجراها البنك العربي بالأردن
عام 2001.
وباندلاع
أزمة الخليج عام 1990 دخلت العلاقات بين
البلدين مرحلة جديدة امتدت إلى اليوم،
كانت الأردن فيها المتنفس الوحيد
للعراق في ظلّ الحصار المفروض عليه.
وبالمقابل
اعتمد الأردن على العراق كمورد وحيد
لاحتياجاته من النفط الخام ومعظم
مشتقاته بشروط تفضيلية، بلغت قيمتها 241.3
مليون دولار (الدولار يعادل 0.71 دينار
أردني) كحد أدنى عام 1991 و686 مليون دولار
كحد أقصى عام 2000، طبقًا لدراسة البنك
العربي، بعد قطع السعودية والكويت
إمداداتهما النفطية للأردن منذ حرب
الخليج الثانية وحتى اليوم؛ بسبب
اصطفاف الأردن إلى "جبهة الرفض"،
ومساندة العراق في تلك الأزمة.
وبموجب
الاتفاقيات النفطية بين الأردن والعراق
لعام 2001 يزود العراق الأردن سنويًّا
بأربعة ملايين طن من النفط الخام،
ومليون طن من المشتقات النفطية، بأسعار
تفضيلية تبلغ 20 دولارًا كسقف أعلى لسعر
البرميل من النفط، وفي حال ارتفاعه عن
هذا السعر يمنح الأردن خصمًا بنسبة 40%
على سعر البرميل.
كما
يمنح العراق الأردن ما مقداره 300 مليون
دولار كمنحة عينية يتلقاها الأردن في
صورة مستوردات نفطية مجانية، ويقدر
إجمالي مستوردات الأردن من النفط
ومشتقاته بقيمة 750 مليون دولار.
البديل
وارتفاع الأسعار
وتشكّل
المكاسب الاقتصادية في العلاقة بين
البلدين مصدر القلق على الوضع
الاقتصادي في الأردن في حال توجيه ضربة
عسكرية للعراق قد تمتد زمنيًّا، سواء
توفر المورد البديل للنفط أم لم يتوفر؛
لصعوبة حصول الأردن على الأسعار
التفضيلية التي كان يحصل عليها من أي
بلد آخر، إلا إذا وقف الأردن موقفا
سياسيا يستحق عليه المكافأة من هذا
البلد أو ذاك بتزويده بالنفط بالمميزات
العراقية.
ويعتقد
د. فهد الفانك الخبير الاقتصادي الأردني
"أن فقدان الأردن لمكاسبه الاقتصادية
من العراق سيكون آثارًا مدمرة على
اقتصاده"، وحسب تقديره فإن "على
الأردن أن يدفع 800 مليون دولار سنويًّا
إضافية في حال شراء احتياجاته من النفط،
حسب أسعار الأسواق العالمية"، وهذا
طبعًا إذا لم ترتفع أسعار النفط بشكل
ملحوظ في حال نشوب الحرب.
أما
منير حمارنة الخبير وأستاذ الاقتصاد في
الجامعة الأردنية فيقول لـ "إسلام
أون لاين.نت": "من الصعب الحديث عن
بدائل النفط العراقي؛ لأن مثل هذا الأمر
لا يمكن تقديره علميًّا، وإنما هو قرار
سياسي، يتخذ في دائرة صنع القرار".
لكن
حمارنة يشير إلى أن البدائل المتوفرة
للأردن هي في النفط السعودي عبر خط
التابلاين"1"، إلا أن
مشكلة الخط أنه معطل منذ حوالي عقد من
الزمن، وإعادة تشغيله تحتاج إلى صيانة؛
فلا يمكن استخدامه في وقت قريب.
والخيار
الآخر -طبقًا لوجهة نظر حمارنة- هو تخزين
كمية نفط احتياطية تكفي لمدة شهر أو
أكثر، ولم نسمع أن الحكومة الأردنية
اتخذت مثل هذه الخطوة، لكن على العموم
إذا أرادت الولايات المتحدة دخول الحرب
ضد العراق بمساعدة ما من الأردن فإنها
ستوفر البديل للنفط العراقي الذي سيقطع
حتمًا في ظلِّ الحرب، لكن من أين؟ هذا ما
لا يمكن البتّ فيه من موقعي كمحلل
اقتصادي.
خسائر
أخرى
وستنعكس
خسائر النفط الأردنية المتوقعة في حال
وقوع الحرب على تزايد نسبة البطالة التي
تقدرها الحكومة بـ14%، ويعتقد خبراء
اقتصاديون أنها قد تصل إلى 20% في حال شح
النفط أو توفره بأسعار مرتفعة؛ بسبب
ارتفاع تكلفة تشغيل المصانع الأردنية،
وهو ما قد يدفع إلى تسريح جزء من
العمالة؛ للحد من ارتفاع تكلفة الإنتاج
بصورة تؤثر على ربحية هذه المصانع.
كما
ستتضرر العلاقات التجارية بين البلدين
التي شهدت نموًّا كبيرًا؛ فقد ارتفعت
الصادرات الأردنية للعراق من 78.5 مليون
دولار عام 1991 إلى 140 مليون عام 2000، وبلغت
حدها الأعلى عام 1995 بقيمة 270 مليون
دولار، وقد بلغت قيمة البروتوكول
التجاري لعام 2001 بين البلدين 450 مليون
دولار من كل جانب، بزيادة مقدارها 150
مليون دولار عن عام 2000"2".
ويتوقع
أيضًا أن يتأثر الاستثمار غير المباشر
في الإنسان الأردني ممثلاً في قطاع
التعليم؛ إذ يتلقى حوالي 4500 طالب أردني
تعليمهم الجامعي في العراق؛ بسبب
انخفاض تكاليف التعليم والمعيشة فيها،
وعودة هؤلاء للدراسة في الأردن تعني
مزيدًا من الأعباء في موازنة التعليم.
كما
تشكِّل حركة العراقيين وتدفقهم على
الأردن مكسبًا حقيقيًّا لقطاع السياحة؛
فتشير الإحصائيات إلى أن 93% من
العراقيين القادمين إلى الأردن يُصنفون
على أنهم سائحون، يقضي الفرد منهم 8 ليال
في المتوسط، وينفق 25.5 دولار يوميًّا؛
فيقدر الدخل السياحي من الزائرين
العراقيين 69 مليون دولار"3".
يُضاف
إلى ذلك أن هناك 400 ألف عراقي يعيشون في
الأردن، ومعظمهم مخالفون لقوانين
الإقامة، يحتاجون إلى توفير خدمات ترفع
من التكاليف على الدولة، كما أن كثيرًا
منهم يعملون في قطاع الخدمات والعمالة
بأجور زهيدة أضرت بالعمالة الأردنية،
ورفعت من معدل البطالة في بلد لا يملك
الكثير من الموارد الاقتصادية، ويعتمد
في الأساس على العمالة الماهرة وقطاع
الخدمات.
وتشكّل
هذه التكاليف في مجملها خسائر اقتصادية
قد تتضاعف في حال نشوب حرب في العراق،
بحكم أن الأردن لا يزال المنفذ الوحيد
للعراقيين للخروج من وطنهم المحاصر إلى
العالم.
خبرة
"الخليج الثانية"
غير
أن السؤال الملح: ماذا يفعل الأردن إزاء
هذا الوضع المعقد؛ فتأييده للضربة
المحتملة يخنقه اقتصاديًّا، وعدم
تأييده قد يجلب عليه مشاكل سياسية
ويُضِرّ بعلاقاته الإستراتيجية مع
الولايات المتحدة؟
وهذا
الموقف مشابه لما حدث في حرب الخليج
الثانية 1991؛ حيث رفض الأردن آنذاك
الانضمام إلى صف التحالف الدولي بقيادة
أمريكا، وهو الأمر الذي نتج عنه تدهور
علاقاته مع الدول الخليجية، ومن ثَم
تأثر اقتصاده سلبًا بذلك؛ حيث انخفضت
قيمة تحويلات المغتربين الأردنيين في
الخليج من 700 مليون دولار إلى 300 مليون
دولار سنويًّا"4".
ورغم
أن الاقتصاد الأردني انتعش بشكل ملحوظ
بعد عودة المقيمين في الخليج، وخاصة
الكويت عقب حرب الخليج الثانية 1991،
واستثمار أموالهم في قطاع العقار
والتجارة والتصنيع.. فإن هذا الانتعاش
لم يَدُم طويلاً، وباتت التكاليف
الإضافية لعودة هؤلاء المغتربين أكبر
من عوائد استثماراتهم، فقد ارتفع معدل
البطالة؛ لأن 80% من العائدين كانوا
يصنفون في عداد العاطلين عن العمل، كما
أن عدد السكان ارتفع بنسبة 14% دفعة
واحدة، وهو ما أربك موازنة الدولة التي
باتت مطالبة بتلبية الاحتياجات الخدمية
لهذا العدد الكبير من السكان.
إلا
أن الاقتصاد الأردني شهد تحسنًا
نسبيًّا بعد توقيع اتفاقية وادي عربة مع
إسرائيل عام 1994، وبسببها اعتبرت
الولايات المتحدة الأردن حليفًا لها من
خارج دائرة حلف شمال الأطلسي، وقدمت
للأردن مساعدة مقطوعة قدرها 700 مليون
دولار، ومساعدة سنوية بقيمة 150 مليون
دولار منذ عام 1997، و75 مليون دولار في شكل
مساعدات عسكرية، وذلك طبقًا لصحيفة
الأيكونومست مايو 2001.
إزاء
هذه الخبرة يحرص النظام الأردني على
الحيلولة دون ذهاب وقوع الضربة
العسكرية للعراق، من خلال دبلوماسية
نشطة على المستوى الإقليمي والدولي،
وحتى يتجنب الأردن ما تعرض له من أزمة
اقتصادية بعد حرب الخليج الثانية، فإنه
يُبقي أبوابه مفتوحة على واشنطن، في حال
فشل جهود تجنب الحرب؛ لتأمين ولو جزء من
الخسائر عن طريق واشنطن مباشرة، أو من
مصادر أخرى بتزكية من الولايات
المتحدة، ويضمن خطوطًا مفتوحة مع بغداد
(العهد الجديد) في حال نجاح واشنطن في
مخططها لتغيير النظام في العراق؛
فالأردن يحاول توسيع دائرة حبل النفط
المشدود على عنقه حتى لا يكتمل اختناقه.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي
أردني
1-
معروف أن أنبوب التابلاين الذي يبلغ
طوله أكثر من 1600 كيلومتر يصل بين حقول
الظهران السعودية على الخليج العربي
وجنوب مدينة صيدا اللبنانية على
المتوسط، وهو يمتد موازيا للطريق
الدولي الواصل بين دول الخليج إلى داخل
الأراضي الأردنية، ومنها إلى سوريا في
الجنوب الشرقي من مدينة درعا، ثم إلى
هضبة الجولان المحتلة فمدينة بانياس،
ومنها يدخل الأراضي اللبنانية إلى
الجنوب من دير ميماس، ثم قلعة الشقيف
والنبطية وصولاً إلى ساحل المتوسط 2-
أرقام صادرة عن البنك المركزي الأردني. 3-
المصدر
: دراسة للبنك العربي بالأردن 2001. 4-
المصدر:
Arab studies Quarterly, fall 1993, vol 15, issue 4.
|