|
|
يأخذون نفطنا ويعطوننا القليل من المعونات
|
ركز
الحصار الدولي للعراق على منع أي إنعاش
للوضع الاقتصادي، بدعوى حظر موادّ
ومعدّات يمكن أن تفيد تقنيًّا في صناعة
عسكرية، وكان الحصار شاملا دون أي
استثناء حتى للأدوية والمواد الطبية،
من عام 1990 حتى نهاية عام 1996م؛ ففي الشهر
الأول من عام 1997م كانت شحنة "الغذاء"
الأولى بموجب ما سُمي اتفاقية "النفط
مقابل الغذاء". وفي الشهر الخامس من
العام نفسه كانت شحنة "الأدوية"
الأولى، وقد شهدت هذه الاتفاقية 12
مرحلة، آخرها في الفترة من مايو إلى
نوفمبر 2002م، ولم تشمل "ترخيصًا"
باستيراد معدّات لإصلاح بعض المنشآت
النفطية على الأقل إلا عام 1998م بموجب
القرار رقم 1175.
ولكن
الاتفاقية نفسها لا تكاد تعني شيئًا في
إطار الحصار الذي بدأ بالقرار رقم 661م،
وتضمّن "عقوبات شاملة لم يسبق لها
مثيل في تاريخ التعامل الدولي"..
وحتى
رفع الحدّ الأقصى الذي تقرّر في البداية
كسقف مرخّص به لتصدير النفط الخام، لا
يغيّر من حقيقة أن فساد المنشآت النفطية
جعل من المستحيل على العراق أن يصدّر
الكمية "المصرّح" بها بصورة كاملة،
فبقي هذا "التخفيف" حبرًا على ورق.
وكان
من الملاحظ أن ارتفاع حجم العائدات
المالية من حوالي مليارين و150 مليون
دولار في المرحلة الأولى لتطبيق
الاتفاقية إلى 8 مليارات و300 مليون دولار
في المرحلة الثامنة، عاد إلى الهبوط في
المراحل الثلاث التالية إلى زهاء 4
مليارات و589 مليون دولار.
يُضاف
إلى ما سبق أنه خلال الفترة من مطلع عام
1997 إلى منتصف عام 2002م لتطبيق "الاتفاقية"
طلب العراق استيراد أغذية وأدوية
ومعدات بقيمة 35 مليار دولار، ووصل
بالفعل ما قيمته 23 مليارًا و300 مليون
دولار، وكان الرفض نصيب ما قيمته 5
مليارات و200 مليون دولار.
ولكن
اتفاقية النفط مقابل الغذاء تمنع
استيراد أي معدّات بقيمة تزيد على (300)
مليون دولار لكل مرحلة، بينما تقدّر
المصادر الدولية ما يحتاج إليه إصلاح
المنشآت العامة فقط لتعود إلى سابق
عهدها بما يتراوح بين 50 و100 مليار دولار.
التعويضات
تأكل العراق
كذلك
تبدو القيمة الحقيقية للاتفاقية وحجم
الخداع المتصل بها من زاوية أخرى؛
فالمفروض نظريًّا أن يكون العراق قد حصل
في الفترة بين 1997 و2002م على 52 مليار
دولار، ولكن ذهب منها على الفور 25% تحت
عنوان "تعويضات" فبقي 39 مليارا، ثم
تولت الأمم المتحدة حصة شمال العراق حيث
يعيش الأكراد خارج نطاق السلطة
المركزية، بنسبة 15 في المائة من
العائدات، فبقي 31 مليارا و200 مليون
دولار، كما حصلت الهيئة الدولية على
نفقات موظفيها وإدارتها وتنسيقها..
بنسبة 3%، فبقي في الحصيلة أقل من 30
مليارًا.
هذا
المبلغ (المتبقي من ثمن تصدير نفط عراقي)
هو المخصص لشراء أغذية وأدوية ومعدات
للشعب العراقي.. وهو مبلغ يعادل أقل من 120
دولارًا في السنة للفرد العراقي الواحد
من سكان العراق، أو ما يعادل 22 سنتا
يوميا، أي ما يعادل بدوره 22 في المائة
ممّا تعتبره الأمم المتحدة يمثل الحدّ
"القاتل" من مستويات الفقر والجوع،
وهو الدخل الوسطي بقيمة دولار في اليوم،
على النحو الرهيب المنتشر مع المجاعات
والأوبئة في القارة الأفريقية جنوب
الصحراء الكبرى.
وعلى
أرضية الواقع يعني ذلك أنّ الحصة
المقنّنة من الغذاء التي توزعها
السلطات في وسط العراق وجنوبه اعتمادا
على ما يسمّى "برنامج النفط مقابل
الغذاء" لا تكفي أكثر من عشرين يوما
من الشهر، كما يقول بروفيسور "أولريخ
جوتشتاين"، الذي زار العراق 8 مرات،
ونشر مقالا عن مشاهداته في العدد الثالث
من المجلة الفصلية "مجلة السلام"
الألمانية عام 2002م، وقد جاء فيه أيضا
أنّ هذه الحصة المذكورة من الأغذية لا
تحتوي لحمًا، ولا بيضًا، ولا مشتقات
الألبان، ولا فواكه أو خضارًا.. ومن أراد
أن يشتري بنفسه شيئا من ذلك، يجد نفسه
عاجزا، فقيمة كيلوجرامين من اللحم مثلا
تعادل أجر شهر كامل، وهذا في حال القدرة
على العمل أصلا؛ فالبطالة بلغت 80% على
وجه التقدير، أما متوسط أجر العامل فهو
في حدود 2500 إلى 5000 دينار عراقي شهريا (أي
ما يعادل دولارا أو دولارين)، ويحصل "الطبيب
في المستشفى" على ضعف هذا المبلغ
تقريبا.
تطوير
تلفيقي
أما
الحديث عن تطوير ما سمّي "اتفاقية
النفط مقابل الغذاء" مرحلة بعد
مرحلة؛ فأصبح فيها الكثير من التخفيف من
القيود المفروضة عبر الحصار، وهو "الردّ
الرسمي الأمريكي والبريطاني"
المتكرّر على المطالبة بإلغاء المقاطعة
أصلا؛ فهو حديث مخادع أيضا..
فليس
صحيحا أن التخفيف يشمل مثلا إصلاح منشآت
الإنتاج الصناعي بعد أن هبط حجم الإنتاج
إلى أقل من 12 في المائة من الطاقة
الإنتاجية الصناعية المتوفرة في الأصل..
وليس
صحيحا أن التخفيف يشمل –مثلا- تمكين أهل
العراق من الاعتماد على إنتاجهم
الزراعي الذاتي عبر التمكين من استيراد
معدّات يحتاج إليها إصلاح الاقتصاد
الزراعي في بلاد تبلغ نسبة الأراضي
الصالحة للزراعة فيها زهاء 13 في المائة،
منها زهاء 64% مروية.. ولكن منشآت الري
بالذات تعرّضت لتدمير الآلة الحربية
الأمريكية وللتلوّث المباشر، مثلما
يتعرّض إصلاحها لآلة الحصار الحربية
الأمريكية.
لقد
بقي الحصار الشامل مستمرًا يمنع
استيراد أيّ شيء أو تصديره، دون
استثناء، لمدة 7 سنوات، ثم كان الترخيص
بنسبة أقل من الحاجة اليومية للغذاء
والدواء في السنوات التالية، ويضاف إلى
ذلك عدم الترخيص بأي معدّات إنتاجية،
ولا قطع غيار لمعدّات إنتاجية، خارج
إطار حدّ أدنى يرتبط بصورة مباشرة
بمنشآت استخراج النفط وتصديره، وبالقدر
الذي يسمح بضخّ ما يكفي من المال
للتعويضات، ويراد أن يكفي أيضًا للحديث
المخادع عالميًّا عن وجود "عنصر
إنساني" عبر التمكين من شراء بعض
الأدوية والأغذية في إطار العقوبات
المفروضة.
وتبقى
الإشارة إلى أنّ ما سُمّي "عقوبات
ذكية" أيضا، ورفضته الحكومة
العراقية، لا يتجاوز نطاق ما سبق إلا في
حدود ضيّقة جدا، وهذا ما تؤكّده جهات
اطّلعت على فحوى قائمة "المواد التي
يرخّص باستيرادها دون سواها" والتي
جمعها المشروع الأمريكي-البريطاني تحت
هذا العنوان في ملّف يزيد حجمه على 300
صفحة، فيشير جيلارد صاحب كتاب "العراق..
بلد تحت الحصار" بهذا الصدد مثلا إلى
أنّ تلك العقوبات "الذكية" تمنع من
تصدير أي مادة سوى النفط الخام، كما
تمنع الحصول على استثمارات خارجية، أو
قروض مالية، أو عملات أجنبية.
اقرأ
أيضا:
*
المصادر:
مؤسسة
فيشر، الأمم المتحدة والهيئات التابعة،
منظمة رعاية الطفولة (اليونيسيف)، منظمة
الصحة العالمية، منظمة "أطباء بلا
حدود"، حركة "مبادرة بحوث السلام"
في ألمانيا.
**
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|