بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

تعجيز الاقتصاد العراقي*

2002/09/19

نبيل شبيب**

تدمير المنشآت المدنية ..هدفه تعجيز العراق

يُعد العراق أحد الأضلع الاقتصادية الرئيسية للمنطقة العربية؛ حيث يمتلك موارد نفطية وزراعية ضخمة تؤهله ليكون في مصافّ الدول المتقدمة. وتمثل عملية تحجيم الاستفادة من هذه الموارد هدفًا غير معلن تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول غربية أخرى، سواء من خلال تأجيج الحروب بينه وبين جيرانه أو بالعدوان المستمر عليه.

واستعراض التطور للاقتصاد العراقي يؤكد كيف تم تحجيم قدراته؛ فقبل حرب الخليج الثانية 1991 تميز الاقتصاد العراقي عن الوضع الاقتصادي في كثير من البلدان النفطية بتنوّع موارده؛ فالنفط الخام يمثل 45% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان هذا التنوع "حقيقيًّا"، أي لم يقتصر مثلا على إيجاد مورد مالي إضافي عبر تشغيل الأموال النفطية في أسواق الأسهم الغربية، أو في شراء حصص من شركات غربية، بل اعتمد على تنويع الإنتاج المحلي، وكان مما اعتمد عليه وجود ثروات معدنية أخرى كالكبريت والفوسفات والقصدير والرصاص والنحاس، حتى أمكن للصناعة المحلية -رغم تأميمها بصورة شاملة عام 1964م- أن تغطي نسبة عالية من الاحتياجات الاستهلاكية الذاتية، بما في ذلك احتياجات قطاع البناء والعمران الذي ازدهر ازدهارًا كبيرًا.

ورغم أنّ الحرب على العراق منذ 1991 وحظر استيراد الآلات وقطع الغيار غير المتوفرة محليا أدّيَا إلى هبوط حجم الإنتاج إلى حوالي 12% فقط من الطاقات الإنتاجية المتوفرة، فإن القطاع الصناعي ما زال يمثل حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي.

كذلك فقد نجا العراق قبل حرب الخليج الثانية من الوقوع في "الفخ" الذي وقعت فيه دول نامية عديدة أخرى، شاعت فيها بين الخمسينيات والسبعينيات الميلادية نظرية تقول: إنّ اعتماد التصنيع يتحقق على حساب القطاع الزراعي، ومع مرور الزمن لم يتحقق التصنيع، وفقدت تلك البلدان "الأمن الغذائي" عبر انهيار القطاع الزراعي نفسه والاضطرار إلى استيراد "لقمة الطعام".

وقد ساهم وجود نهري دجلة والفرات في تأمين ريّ ثلثي الأرض الصالحة للزراعة في العراق؛ حيث تبلغ مساحتها حوالي 12% من مساحة البلاد بمجموعها، فكان العراق ينتج ويصدّر الحبوب والذرة والطماطم والبطاطا والبطيخ والتمور وغيرها من المزروعات، بالإضافة إلى الماشية.

 ويزدهر أيضا في العراق قطاع الأدغال والأخشاب؛ اعتمادا على غابات تغطي ثمانية آلاف كيلومتر مربع.

تخريب المنشآت

لم تكن الطاقة الاقتصادية الذاتية مصدر قوّة للعراق في الماضي فقط، بل هي في الوقت نفسه من أسباب توقّع عودة الاقتصاد إلى الازدهار خلال فترة وجيزة نسبيًّا رغم دمار الحرب لو اقتصر هذا الدمار على المعدّات العسكرية فقط.. ولهذا كان -ولا يزال- من الأهداف المباشرة للحرب الأمريكية الطويلة الأمد ضدّ العراق، وفي سائر مراحلها، ضرب منشآته الاقتصادية والبنية التحتية التي يعتمد عليها، من الطرق والجسور ومنشآت الاتصال والنقل ومنشآت الريّ ومصانع توليد الكهرباء، وغير ذلك ممّا تشهد على استهدافه عسكريا مصادر الأمم المتحدة نفسها.

ومن ذلك مثلا ما ورد في تقرير "برنامج الأمم المتحدة للبيئة" -وهو هيئة تابعة للمنظمة الدولية- بعد استقصاء الحقائق في العراق في أغسطس عام 2000 من أنّ "الغارات الجوية، وما ألقي فيها من قذائف وقنابل وصواريخ قضت على بنية المنشآت العامة قضاء شبه كامل، بما شمل مصانع توليد الكهرباء وتأمين المياه، ومصافي النفط الخام، والمخازن النفطية، بالإضافة إلى 6 آبار لاستخراج النفط، ولم يعد في الإمكان تشغيل مضخات الماء، كما تسرّبت كميات كبيرة من المواد الكيماوية من المصانع المدمّرة إلى المياه السطحية والجوفية، واستحال إصلاح تلك المصانع في السنوات التالية بسبب حظر استيراد قطع الغيار اللازمة لذلك".

وتتحدّث د. "منى قمّاص" من جامعة بغداد عن الكارثة البيئية التي سبّبها ويسبّبها القصف المركّز على تلك المنشآت، وتشير بصورة خاصة إلى حجم الخراب الناجم عن استخدام القوات الأمريكية والبريطانية لما يعرف باليورانيوم المنضب، وهو في الأصل من نوعيات اليورانيوم المشع، وقد استخدم في تغليف القذائف لرفع قوّتها الضاربة واختراق الجدران الإسمنتية الضخمة.

وتقول التقارير الدولية: إنّ ما ألقي من اليورانيوم المنضب على العراق أثناء 43 يوما في حرب الخليج الثانية بلغ 300 ألف طن، أي عشرة أضعاف ما ألقي في البلقان من جانب القوات الأمريكية والبريطانية أيضا، وهو ما سبّب ازدياد عدد وفيات الجنود الأوروبيين بإصابات (سُمّيت إصابة البلقان) يشتبه في أنها وقعت نتيجة إشعاعات اليورانيوم المنضب، والمرجّح أن ألوف الإصابات في صفوف الجنود الأمريكيين فيما يوصف بإصابة الخليج لها علاقة بذلك، وقد منعت وزارة الدفاع الأمريكية من إجراء تحقيقات "حيادية" بصددها.

أمّا في العراق فعلاوة على الإصابات المرضية الواسعة النطاق، لا سيما السرطانية على مستوى الأطفال، فقد تضاعفت المشكلة من خلال تلويث المياه الجوفية والسطحية، ولم يمكن تجاوز آثار ذلك زراعيا في السنوات التالية تحت إجراءات الحصار إلا جزئيا، واعتمادا على جهود مهندسين عراقيين بمبتكرات غير عادية ووسائل بدائية؛ ما ساهم في إعادة "الحياة" إلى ما يتراوح بين 50 و60% من مياه الشرب والري، كما تقول د. منى قمّاص أيضا.

رغم ذلك ما يزال العراق مضطرا إلى استيراد الحبوب، وهو ما يتمّ في إطار ما يسمى باتفاقية "النفط مقابل الغذاء"، واعتمد العراق لزمن طويل على القمح الأسترالي، وقد يتحوّل إلى سواه بعد أن اتخذت أستراليا موقفا "متفهّما" للتهديدات العسكرية الأمريكية الجديدة، على النقيض من معظم الدول الغربية الأخرى.

آثار 12 عدوانا

لقد نجح العدوان المستمر على العراق منذ عام 1991م وحتى هذه اللحظة في تحقيق نسبة كبيرة من الهدف الاقتصادي المطلوب من هذه الحرب، وهو تعجيز الاقتصاد العراقي، وهذه أبرز مؤشراته:

1- كان الناتج المحلي الإجمالي العام (حصيلة قيمة المنتجات والخدمات في مختلف القطاعات) يعادل أكثر من 60 مليار دولار في العراق عام 1990م، وهبط في العام التالي للحرب بنسبة 63%، وواصل الهبوط حتى وصل في هذه الأثناء إلى حوالي 13 مليار دولار فقط (للمقارنة: سوريا حوالي 15 مليار دولار حاليا، عدد سكان العراق أقل من 24 مليون، وعدد سكان سوريا حوالي 16 مليون نسمة).

2- كان متوسط دخل الفرد في العراق يناهز 3200 دولار عام 1990م، وهبط في السنوات التالية إلى أقل من ألف دولار سنويا. وتقول المصادر الغربية: إنه وصل في عام 2001 إلى 2200 دولار، وقد يكون ذلك من باب الحرص على تخفيف وطأة الحديث عن آثار الحصار شعبيا، لا سيما أن الرقم يمثل حصيلة "قيمة مبيعات النفط" على عدد السكان.. ولا يراعي حتى اقتطاع 25% منها تحت عنوان "تعويضات".. والأرجح أن الرقم الحقيقي لمتوسط دخل الفرد أدنى من ذلك بكثير، لا سيما أن منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن مناطق يهبط متوسط الدخل الفردي فيها إلى ما يتراوح بين 10 و20 دولارا في الشهر الواحد، وعن أجر مالي للعامل العادي دون ما قيمته دولاران (5000 دينار تقريبا) شهريا، كما سبقت الإشارة.

3- كانت نسبة النمو الاقتصادي السنوية في العراق قبل حرب الخليج الثانية في حدود 13%، وهي نسبة عالية تتجاوز معظم ما يوصف بالدول النامية الناهضة كدول النمور، كما تجاوزت الصين الشعبية التي يوصف تطوّرها الاقتصادي بأنه أشبه بالمعجزة. ويبلغ متوسط النمو الاقتصادي في الغرب في فترات الازدهار حوالي 3%، أما في السنوات التالية فرغم عدم نشر أرقام رسمية يمكن الاعتماد عليها، فيرجّح أن نسبة النمو الاقتصادي كانت عكسية، أي إن العراق شهد انكماشا اقتصاديا، لا سيما في فترة ارتفاع نسبة التضخم إلى أكثر من ألف في المائة، وهو ما استمرّ حتى عام 1994م، أي إلى درجة الإشباع تقريبا، وما زال التضخم في حدود 60%.

الأغلال المالية المستقبلية

إذا كان تخريب المنشآت والبنى التحتية والحيلولة دون التعويض عنها أحد المحاور الرئيسية لتعجيز الاقتصاد العراقي فالمحور الرئيسي الثاني هو العمل على ضمان استمرار مفعول التخريب أطول "حقبة" زمنية ممكنة.. وهذا ما يعنيه تحميل "أجيال المستقبل" في العراق من الأعباء المالية ما يجعل كلّ "إنتاج" جديد غير كافٍ لتحقيق تقدّم اقتصادي ومعيشي تحت وطأة الاضطرار إلى تسديد الفواتير المالية.

فحتى إذا خرج العراق من قفص الحصار المفروض حوله، وتمكّن من الوقوف على قدميه اقتصاديا من جديد، لا سيما إذا كان خروجه من الحصار عبر نفق ما يجري التخطيط العلني له بصدد إسقاط نظام قائم وتنصيب آخر مرتبط ارتباطا كاملا بإرادة الهيمنة الأمريكية، العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية معا.. إذا تحقق ذلك فسيكون في مقدّمة مهمات ذلك النظام أن يخصص الإيرادات العراقية لتسديد فاتورة الحرب العدوانية نفسها، وقد حمل جزء منها عنوان "تعويضات" مالية تناهز مائة مليار دولار، وجزء آخر عنوانه "الديون الخارجية" بعد تحويل العراق من دولة دائنة إلى دولة مدينة، حيث بات حجم الديون الخارجية مع الفوائد الربوية والخدمات يتراوح ما بين 130 و140 مليار دولار على أرجح التقديرات.

وصحيح أنّ حرب الخليج الأولى ضدّ إيران أضعفت البلدين معا، وحمّلت العراق عبئا ماليا كبيرا في النهاية، ولكنّ الحرب توقفت قبل أن يصل البلدان إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي الكامل، علاوة على أنّ الدول العربية الخليجية الأخرى حملت آنذاك قسطا كبيرا من نفقات الحرب مع العراق، أمّا الأعباء المالية الحالية والمنتظرة فتعني مع تدمير البنية الصناعية والزراعية الرجوع بالعراق من مستوى بلد وقف على مشارف التقدّم الاقتصادي والتقني في مختلف الميادين قبل عام 1990م، إلى مصاف الدول الأفقر والأكثر تخلّفا في العالم. وآنذاك ستكون المشكلة الرئيسية أنّ تحسين طاقة الإنتاج سيبقى متأخرا عن الوفاء بالأعباء القائمة، وهذا ما صنعه النظام الاقتصادي والمالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية بمعظم الدول النامية، وبما شمل تلك التي تملك ثروات معدنية ضخمة كما هو الحال في القارة الأفريقية، حتى أصبح ثقل الديون يستهلك الطاقات والثروات الذاتية من جهة، ويفرغ الاستقلال عن الاستعمار الغربي من مضمونه من جهة أخرى.

اقرأ أيضا:


* المصادر:

مؤسسة فيشر، الأمم المتحدة والهيئات التابعة، منظمة رعاية الطفولة (اليونيسيف)، منظمة الصحة العالمية، منظمة "أطباء بلا حدود"، حركة "مبادرة بحوث السلام" في ألمانيا.

** كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع