|
|
سننتصر يوما ما
|
يدرك
المخططون للحرب العدوانية ضدّ العراق،
من عهد بوش الأب إلى عهد ابنه، أنّ
العنصر الرئيسي الذي يبقى الاعتماد
عليه ممكنًا في إعادة البناء بعد الدمار
هو عنصر الإنسان، ولهذا لا يمكن تفسير
استهداف الإنسان العراقي طفلا وناشئا
ومتخصصا، مدنيا وعسكريا، إلاّ على أنّه
جزء من "أهداف الحرب" المقرّرة ومن
مخططها التنفيذي، وليس مجرّد نتيجة
جانبية في حجم "الكارثة" المرافقة
للحرب، والمثيرة إنسانيًّا!!
كان
الإنسان العراقي مستهدفًا بصورة مباشرة
في عمليات "القتل الحربي"، وكانت
التصريحات الرسمية اليومية تكشف عن ذلك
في أيام حرب الخليج الثانية، بما في ذلك
ما ورد على لسان رئيس الأركان الأمريكية
الحربي آنذاك "نورمان شفارتسكوبف"
وهو يعلن -بفخر- عن تمكّن القوات
الأمريكية من قتل أكثر من 100 ألف جندي
عراقي، ليس في جبهة القتال، وإنما بعد
نهاية الحرب واقعيا، والتي حُسمت في
أيامها الأولى من حيث حجم القوّة
العسكرية الضاربة بينما استمرّ القصف 43
يوما، فكان القتل يجري عبر القصف الجوي
على الجنود وهم في طريق بصرة بغداد في
انسحاب عشوائي دون قتال مباشر، ولا قدرة
على أي مواجهة، ودون امتلاك أسلحة
دفاعية تستحق الذكر تجاه الصواريخ
والطائرات المقاتلة المنطلقة من
البوارج البحرية وحاملات الطائرات.. هذا
مع ملاحظة أنّ حجم ما ألقي من صواريخ
وقنابل وقذائف كان أكثر من 88500 طن، أي ما
يعادل ( 4425) قنبلة ذرية بطاقة قنبلة
هيروشيما.
إنّ
من أبشع وجوه الحرب العدوانية
الأمريكية ضدّ العراق وجه ممارسة القتل
البشري بمعنى كلمة القتل، بل لم يقتصر
ذلك على القتل بالقضاء "الجسدي"
على الإنسان المجنّد وغير المجنّد
فحسب، إنّما شمل أيضا العمل المنظّم
للقضاء "المعنوي" على جيل الشبيبة
والناشئة والحيلولة دون ظهور "مخرج"
لمستقبل أفضل بين يديه.. وهذا ما يستهدفه
العمل على تحطيم عناصر الإرادة والعلم
والمعرفة والفكر والجوانب العاطفية على
السواء.
ليس
من قبيل المصادفة ولا النسيان أنّ سائر
ما جاء من اقتراحات تحت عناوين "إنسانية"
وعناوين تخفيف وطأة الحصار على الشعب
العراقي وما شابه ذلك، لم يكن فيها –حتى
ساعة كتابة هذه السطور- ما يتضمّن
الترخيص باستيراد ما يحتاج إليه قطاع
التعليم المدرسي أو الجامعي أو المهني،
وقد وصل إلى مرحلة خطيرة من الانهيار،
فضلا عن مفعول الفقر الذي يجعل كثيرا من
"الأساتذة والمفكرين والمثقفين"
يبيعون الكتب مقابل "لقمة الطعام"..
كما ورد في بعض وسائل الإعلام. ويسري هذا
الحظر أيضا على ما يُسمّى "العقوبات
الذكية" المقترحة أمريكيا وبريطانيا
وسط حملة دعائية تزعم أنها تركّز على
منع ما ينشّط صناعة السلاح، وتفتح
الأبواب أمام ما سوى ذلك!
صناعة
الموت
ويبلغ
المستوى الإجرامي مداه في استهداف
الحرب العدوانية الأمريكية تخريبَ
مستقبل العراق من خلال اغتيال الإنسان
العراقي، عند متابعة حجم "التصميم"
الكامن في "قتل الأطفال".. وهو
التعبير الوحيد الذي ينبغي استخدامه في
وصف رصد الموت وأسبابه، والحرص على "صناعة"
تلك الأسباب، مهما كان التعليل المزعوم
من ورائها دون استثناء.
وفي
مقدّمة الطرق المتبعة في صناعة أسباب
الموت هذه تحويل "الدواء" إلى سلاح
تستخدمه قرارات الحرب الأمريكية في
عملية الإبادة الجماعية.. وهذا ما يمكن
أن تتحدّد معالمه في النقاط التالية على
سبيل المثال دون الحصر:
1-
لا داعي للوقوف طويلا عند المزاعم التي
رافقت مسيرة ما يسمى اتفاقية النفط
مقابل الغذاء لتعطيها صورة إنسانية ما،
بل تكفي الإشارة إلى أنّ هذه الاتفاقية
رخّصت باستيراد أدوية قيمتها بالمجموع
مليار واحد و200 مليون دولار، على امتداد
5 أعوام، أي ما يعادل 240 مليون دولار في
العام، أو ما يناهز 10 دولارات لكل فرد من
السكان سنويا، وللمقارنة: ينفق الفرد في
ألمانيا مثلا 500 دولار سنويا على
العقاقير الطبية فقط.
2-
إضافة إلى توظيف "الناحية الكمية"
يأتي توظيف "الناحية النوعية" في
تحويل نقص الدواء إلى سلاح قاتل؛
فالحصار لم يرخّص على امتداد 12 عاما
باستيراد الأدوية إلا في حدود ما يعتبر
من "الأدوية الخفيفة" لمعالجة
الجروح أو "الصداع" مثلا أو سوى ذلك
من الإصابات المرضية "غير المميتة"
عادة، ولكن لا يُسمح باستيراد أدوية
فعّالة وقويّة، كالكورتيزون وما هو في
مستواه من الأدوية؛ مما يعتبر أساسيا
لعلاج الذبحة الصدرية، أو التهابات
الدورة الدموية، أو إصابات القلب، أو
الإصابات السرطانية، أو اليرقان...
3-
بل إن الحظر يشمل حتى استيراد الكتب
العلمية الطبية الحديثة التي تظهر في
الأسواق الغربية كما يشهد على ذلك وعلى
أمثاله من "غرائب حصار اغتيال جيل
المستقبل في العراق" بروفيسور ألماني
(أولريخ جوتشتاين)، يعتبر ضرب المنشآت
المائية والكهربائية سببا رئيسيا
للكارثة الصحية، ويضيف فيما نشره في
العدد الثالث من فصليّة "مجلة السلام"
الألمانية في عام 2002 أنّه لم يستطع خلال
زياراته المتعددة للعراق أن يجد أدوية
كافية، ولا حقنات طبية، ولا أجهزة تشخيص
للمرض، ولا أفلاما لصور الأشعة، ولا حتى
الأوراق التي تستخدم في تخطيط القلب أو
الدماغ فيما تبقى من أجهزة قديمة.
الحصيلة..
الدامية
|
|
أي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال؟
|
إن
قتل أطفال العراق لا يقع اعتباطًا، وليس
"نتيجة حتمية" من نتائج الحرب، ولا
هو ممّا يمكن تصنيفه بأي منطق في إطار
"حصار حربي" أو "ضغوط سياسية"
أو أي عنوان آخر سوى عملية القتل المنظم
والإبادة الجماعية التي تستهدف مستقبل
البلاد، فما سبق من "إجراءات حصار"
مدروسة ومقررة رغم معرفة نتائجها هو ما
أوصل إلى النتائج وما زال يوصل حتى
الآن، من قبيل:
1-
ازدادت وفيات أطفال العراق نتيجة
الإصابة باليرقان بنسبة 45% عما كانت
عليه قبل حرب الخليج الثانية.. وأصبحت
الوفيات في المستشفيات بنسبة 100 %، بينما
تصل نسبة الشفاء من هذا المرض في
المستشفيات الغربية في الوقت الحاضر
إلى 90%.
2-
ارتفعت نسبة الإصابات المرضية عمومًا
بين الأطفال دون 5 سنوات من العمر، من 37
إلى 254 في الألف خلال 12 عاما مضت.
3-
ارتفعت نسبة وفيات "المواليد" من 4
وسبعة أعشار إلى 10 وثمانية أعشار في
المائة.
4-
أصبحت نسبة الوفيات في المستشفيات
العراقية -بسبب عدم التمكن من علاج
المرضى بسبب النقص الذي صنعه الحصار-
تعادل 30% بين البالغين من المرضى، و70%
بين الأطفال منهم.
5-
بلغ عدد الوفيات من الأطفال (ضحايا
القتل عبر الحصار) أكثر من 500 ألف، وعدد
الوفيات من البالغين أكثر من مليون خلال
السنوات العشرة التالية لحرب الخليج
الثانية.
عقيدة
القتل
وللمقارنة..
يمكن العودة إلى الجريمة الوحيدة من
نوعها في تاريخ البشرية، وهي استخدام
القنبلة الذرية في إبادة جماعية
للمدنيين، وقد اقترفتها القوات
الأمريكية عند نهاية الحرب العالمية
الثانية، فألقت قنبلة ذرية على سكان
مدينة هيروشيما اليابانية -ورافق
الطائرة المقاتلة 100 صحفي ومصوّر!!- ثم
بعد 3 أيام (أي بعد معرفة النتائج
الرهيبة بما فيه الكفاية) ألقت قنبلة
ذريّة أخرى على ناغازاكي، وقُتل على
الفور ما لا يقل عن 140 ألف إنسان، ثم عبر
العقود الخمسة التالية أضعاف هذا الرقم
بتأثير الإصابات الإشعاعية المتوارثة.
إنّ
قتل المدنيين، بما في ذلك الإبادة
الجماعية، يدخل في صلب الممارسات
العسكرية الأمريكية، منذ إبادة الهنود
الحمر حتى اليوم.. وقد يختلف الشكل
والسلاح والأسلوب، ولكن الحصيلة هي
الحصيلة نفسها، مع الهبوط في مستوى
التخطيط والتنفيذ إلى أقصى الحضيض؛
ممّا يمكن أن ينتسب إلى العقل البشري،
والذي يمكن تصوير جانب منه عبر ما تورده
التقارير الدولية، ويمس "اغتيال
مستقبل" العراق، ومن ذلك:
-
التقرير الصادر عن المنظمة العالمية
للصحة في روما عام 2001م، الذي يقول عن
حصيلة "الحصار" إلى جانب الوفيات:
إن عدد الأطفال العراقيين المصابين
بنقص الوزن نتيجة نقص الأغذية والأدوية
تجاوز 800 ألف طفل (هذا ما يعادل 7% من
المصابين بنقص التغذية من أطفال العالم
عموما) ومن هؤلاء 162 ألفا يعانون من نقص
شديد في البروتينات والفيتامينات؛ ممّا
يعتبر مقدّمة لإصابات مرضية أخطر، ثم 24
ألفا وصل الضمور الجسدي لديهم إلى أقصى
الدرجات.
-
التقرير الصادر عن المنظمة العالمية
لرعاية الطفولة (اليونيسيف) عام 2002م،
الذي يقول: إنّ المنظمة أجرت دراسة شملت
188 دولة في العالم، حول نسبة تسارع
ارتفاع الوفيات بين الأطفال دون 5 سنوات
من العمر، خلال الفترة بين عامي 1990 و2000م،
فاحتل أطفال العراق المرتبة الدنيا
الأخيرة من القائمة.
إنّ
التركيز في حصار العراق على حظر وصول ما
يخلّص جيل الناشئة والشباب من النقص
الفادح تعليميًّا ومهنيًّا وجسديًّا،
بل وحظر وصول ما يمكن أن يبقيهم على قيد
الحياة أصلا، هو ما يوضع في الحسابات
الأمريكية من أجل الحيلولة دون تكوين
"كادر" قادر على تحقيق نهضة
اقتصادية في المستقبل المنظور.. ويكاد
هذا الأسلوب الإجرامي يشبه أسلوب
التعامل مع مشكلة الجوع وارتفاع عدد
السكان في القارة الإفريقية جنوب
الصحراء، مع الإهمال الإجرامي لما
يصنعه وباء نقص المناعة المكتسبة هناك،
وهو الذي وُلد في الغرب، وانتشر هناك،
ثم انتقل إلى بقية أنحاء العالم.
لقد
أصبح العراق عبر هذا الحصار "ساحة
تجارب لاستكشاف ما يصنعه حصار شامل لم
يسبق له مثيل لبلد متقدّم نسبيا،
ولمعرفة ما يؤدّي إليه اقتصاديا
واجتماعيا وثقافيا عبر مرّ السنين، وما
مدى إمكانية تطويعه في نهاية المطاف"
على حدّ تعبير المحلل الإعلامي "جوردون
هارر" في صحيفة "شتاندارد"
النمساوية.
وكثرة
الحديث عن "كارثة إنسانية" لا تفيد
دون تثبيت ما يصنع تلك الكارثة، كذلك
كثرة الحديث عن الخروج من الكارثة لا
تفيد، دون تأكيد ما جاء في تقرير "المنتدى
الإنساني" للأمم المتحدة عام 1999م وهو
يثبت أن "الكارثة الإنسانية في
العراق لن تزول إلا عندما يستعيد
الاقتصاد العراقي عافيته".. وهذا
بالذات ما تسعى الآلة الحربية
الأمريكية وآلة القتل الأمريكي عبر
الحصار للحيلولة دون تحقيقه.. وهنا نقطة
البدء في التعامل الجادّ مع قضية
العراق، ومن خلالها مع عموم قضية
المنطقة ومستقبلها.
اقرأ
أيضا:
*
المصادر:
مؤسسة
فيشر، الأمم المتحدة والهيئات التابعة،
منظمة رعاية الطفولة (اليونيسيف)، منظمة
الصحة العالمية، منظمة "أطباء بلا
حدود"، حركة "مبادرة بحوث السلام"
في ألمانيا.
**
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|