|
|
مسلمو
أوروبا يعانون بعد 11 سبتمبر
|
إن
أصدق ما يمكن أن يوصف به اقتصاد مسلمي
الغرب بعد تفجيرات 11 سبتمبر هو أنه "اقتصاد
حصار"، تحولت معه مرادفات "انفتاح"
و"تحرر" و"تسهيلات" و"صفقات"
و"أرباح" و"استثمارات" كما هو
المعروف عن اقتصاد السوق في الغرب.. إلى
مرادفات أخرى سوداوية الطابع؛ كـ"تجميد"
و"إغلاق" و"منع" و"حظر" و"خسائر"
و"تطويق" و"سحوبات"... إلخ.
ولا
يتردد كثير من رجال المال والأعمال
والخبراء الاقتصاديين من أبناء
الأقليات المسلمة في الغرب في الإعلان
عن تشاؤمهم من المستقبل القريب، مركزين
كل أملهم في أن تنتهي الحالة الراهنة
لأوضاع مسلمي الغرب الاقتصادية بأقل
خسائر ممكنة، وفي أن تحافظ المؤسسات
الاقتصادية المملوكة جزئيًّا أو كليًّا
للمسلمين على وجودها إذا ما طالت
الأزمة، انطلاقًا من القاعدة التي تقول
بأن "عدم الخسارة أيام الأزمة تجارة"؛
فتفكير غالبية رؤوس الأموال المسلمين
في الغرب اليوم لا ينصب على توسيع حركة
الاستثمار بقدر ما ينصب على المحافظة
على رأس المال.
ولعل
دواعي توجه الانكماش الذي يعاني منه
اقتصاد مسلمي الغرب الناجم بالأساس عن
الحرب الاقتصادية الأمريكية المعلنة من
طرف واحد، تجد لدى المحللين والمتابعين
تبريرها في جملة من الظواهر الخطيرة
التي برزت بعد 11 سبتمبر الماضي في الأفق
الغربي، وتحديدًا في الولايات المتحدة
وكندا ودول الاتحاد الأوربي، والتي
يمكن إيجازها في النقاط التالية:
1-
تجميد الأرصدة:
لقد
سارعت الحكومة الأمريكية مباشرة بعد
وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن إلى
اتخاذ سلسلة من ردود الأفعال السريعة
كتمهيد لحربها الشاملة ضد الإرهاب، كان
في مقدمتها الإعلان عن تجميد أرصدة
بنكية تابعة لأشخاص ومؤسسات وشركات في
الولايات المتحدة وخارجها؛ بتهمة علاقة
هؤلاء المباشرة أو غير المباشرة بتنظيم
القاعدة الذي قيل: إن زعيمه أسامة بن
لادن يُعد واحدًا من كبار المستثمرين
السعوديين خارج المملكة العربية
السعودية.
وبالإضافة
إلى قائمة لأشخاص وشركات أدرجتها
السلطات الأمريكية ضمن قائمة الأطراف
الراعية للإرهاب، وعللت بذلك تجميد
حساباتها في البنوك والمؤسسات المالية
والبورصات؛ فقد بادرت دول عديدة أخرى –من
بينها دول عربية وأوربية- إلى وضع قوائم
مشابهة لشخصيات ومؤسسات متهمة بالعمل
المالي لصالح القاعدة أو زعيمها، وفتحت
بالتالي المجال لإيقاف نشاطها ومصادرة
أموالها.
وقد
كشفت تحقيقات قضائية جرت في أكثر من بلد
أوروبي أن فترة الأشهر الأولى التي تلت
تفجيرات 11 سبتمبر، قد عرفت الكثير من
تصفية الحسابات والخروقات القانونية في
حق مؤسسات مالية وشركات تابعة لمواطنين
مسلمين بحجة تمويل منظمات إرهابية، وهو
ما قاد إلى تجميد أرصدتها البنكية
ومعاملاتها المالية.
ولعل
الأكثر مفارقة في الولايات المتحدة
الأمريكية ودول الاتحاد الأوربي أن
مجرد وجود شك لدى السلطات في وجود صلة
بالمنظمات الإرهابية كان يقود إلى
تجميد الحسابات البنكية للمشكوك فيه،
وهو ما يتطلب من هذا الأخير تحمل
إجراءات وتحقيقات قضائية طويلة لإثبات
براءته، دون أن يكون الحكم القضائي
بالبراءة في أحيان كثيرة قادرًا على
معالجة الآثار الجانبية لمجرد توجيه
التهمة، خصوصًا إذا ما تعلق الأمر
بالسوق المالية شديدة الحساسية.
بالنسبة
لمسلمي الغرب فإن من الصعب على الباحث
إيجاد إحصائيات دقيقة عن عدد الشركات
والمؤسسات التابعة لهم، والتي جرى
إيقافها عن العمل بتجميد حساباتها
البنكية، لكن الثابت لدى بعض المحللين
أن الأمر يتعلق بمئات الحالات، وبرقم
معاملات يقدر بملايين الدولارات، خاصة
إذا ما وُضع في الحسبان أنه لم يخلُ بلد
أوربي أو غربي من الإعلان عن قائمة
شركات ومؤسسات وحسابات تدخل في ملكية
مسلمين، اتُّهمت بالعمل لحساب القاعدة
أو أسامة بن لادن.
ويبقى
مثال مؤسسات تحويل أموال المهاجرين
واللاجئين المسلمين إلى بلدانهم
الأصلية الأكثر بروزا في هذا السياق؛
حيث أقدمت السلطات الأمريكية والأوربية
على حظر عدد كبير من هذه الشركات التي
تعود في ملكيتها إلى صوماليين وأفغان
وباكستانيين وعرب، وتقوم بتوفير خدمة
لملايين من الفقراء المسلمين يعيشون
على تحويلات أقاربهم المقيمين في
الغرب، كما تحول دون مزيد من تدفق
اللاجئين والمهاجرين السريين نحو
أوروبا وأمريكا، وتساهم في تنشيط
الاقتصاديات المحلية لدول إسلامية
شديدة الفقر.
2-
التضييق على رأس المال:
لقد
تحدثت مصادر كثيرة عن إقدام مستثمرين
سعوديين -وبشكل عام عرب ومسلمين- على سحب
أموالهم من الأسواق الأمريكية،
وتحويلها في الفترة الأخيرة إلى أسواق
بديلة داخل العالم الإسلامي، أو في دول
الاتحاد الأوروبي واليابان ودول جنوب
شرق آسيا؛ وذلك خوفًا من إمكانية
تجميدها من قِبل السلطات الأمريكية،
على غرار ما جرى مع شركات ومؤسسات
مملوكة لمسلمين متجنسين في غالبيتهم
بجنسيات غربية.
وعلى
الرغم من اختلاف المصادر في تقدير حجم
الأموال المسحوبة من السوق الأمريكية -حيث
ذكر البعض أن الرقم ربما يكون قد وصل إلى
200 مليار دولار- فإن الثابت هو أن
المستثمر المالي المسلم في الغرب أصبح
يعيش حالة رعب حقيقية على أمواله، كما
أصبح غير مستبعد لأي إجراء ظالم قد يلحق
به من قِبل السلطات الرسمية، دون أن
تكون لديه القدرة على مواجهته، أو تكون
لدولته الأصلية القدرة على الوقوف إلى
جانبه.
بالمقابل
لا تتوقف الأطراف الرسمية الخبيرة في
المجال الاقتصادي، مدعومة بأطراف
سياسية معادية للمصالح الإسلامية، في
حث السلطات الغربية على اتخاذ المزيد من
إجراءات التضييق على رأس المال المسلم؛
بحجة أن مجالات الحرية الشخصية
والاقتصادية المتوفرة في الدول الغربية
قد ساعد جهات "إرهابية" مسلمة طيلة
العقود الماضية على مراكمة ثروات طائلة
لشخصيات لم تخفِ -حسب هذه الأطراف-
عداءها للغرب والولايات المتحدة على
وجه الخصوص.
وتركز
هذه الأطراف بشكل مركَّز على ما يسمى بـ"المثال
السعودي" الذي يُعد الأكثر نشاطًا
بين المسلمين على الصعيد المالي
والاقتصادي في الغرب، وفي الوقت ذاته
الأكثر دعمًا للمنظمات والمراكز
الإسلامية في الدول الغربية، والتي
طالت الكثير منها بعد التفجيرات
الأمريكية تهمةُ التعاون مع المنظمات
الإرهابية، وتعبئة الأجيال الجديدة من
أبناء الأقليات المسلمة لصالح ما يوصف
في الغرب بـ"الجماعات المتطرفة".
3-
محاصرة العمل الخيري:
ومن
الإجراءات التي عمقت الإحساس بحالة
الحصار لدى الناشطين الاقتصاديين
المسلمين في الغرب تلك التي أقدمت على
اتخاذها بعض الدول كالولايات المتحدة
وألمانيا ضد منظمات العمل الخيري
الإسلامي، والتي بلغ بعضها حد الحظر،
وذلك على الرغم من الطابع الإنساني غير
الربحي لهذه المنظمات.
وتتهم
السلطات الأمريكية والأوربية منظمات
العمل الخيري الإسلامي بالتغطية على
أنشطة اقتصادية ومالية تابعة لتنظيم
القاعدة أو تنظيمات مشابهة له، فيما يرى
مسئولو هذه المنظمات أن الاتهامات
الموجهة إليها تعتمد شكوكًا وأوهامًا
لا تستند إلى أدلة حقيقية، وقد تكون في
غالبيتها صادرة على أطراف ذات علاقة
بالجماعات الصهيونية التي تحاول إقناع
السلطات الغربية بوجود صلة بين ما يحدث
في أفغانستان على سبيل المثال وما يحدث
في فلسطين.
يُذكر
أن الأقليات المسلمة في الغرب قد نجحت
خلال العقود الخمسة الماضية في تأسيس
شبكة من المنظمات والمؤسسات الخيرية،
بلغ رقم معاملاتها السنوية مئات
الملايين من الدولارات، وتتسم أنشطتها
في الغالب بقدر كبير من المراقبة
والشفافية، كما تخضع مشاريعها في
الغالب إلى متابعات مستمرة من قبل
السلطات في دول المقر، وهي دول غربية في
مجملها.
ويلحق
ضرب المنظمات الخيرية الإسلامية في
الغرب ضررًا كبيرًا على مستويين
رئيسيين: أولهما المنظمات الخيرية
المستفيدة في عدد كبير من الدول
الإسلامية الفقيرة، كفلسطين والصومال
والسودان وأفغانستان والشيشان وكشمير
وغيرها من مناطق العالم الإسلامي؛ حيث
يعتمد ملايين الفقراء على ما تقدمه لهم
هذه المنظمات من مساعدات وخدمات.
وثانيهما طاقم العمال والموظفين في هذه
المنظمات، الذين وجدوا أنفسهم بلا
مقدمات في قائمة العاطلين عن العمل.
4-
تشديد شروط العمل:
إلى
جانب الأضرار الآنفة التي لحقت باقتصاد
المسلمين في الغرب، وخاصة الجانب
المؤسساتي منه، فإن أضرارًا أخرى لا تقل
أهمية قد طالت الطبقات المتوسطة
والفقيرة من أبناء الأقليات المسلمة
التي تقلصت حظوظها في سوق العمل فجأة
بشكل دراماتيكي، وأصبحت ملامحهم غير
الغربية المعوق الأول أمام قبولهم،
بصرف النظر عن الكفاءات والمؤهلات التي
يحملونها.
وكما
هو معروف فقد رصدت وسائل الإعلام
والمنظمات الحقوقية في الدول الغربية
آلاف الاعتداءات العنصرية على أفراد
ومصالح تابعة للأقليات المسلمة، من
ضمنها تعرض العديد من المحلات التجارية
والمقاولات الصغيرة إلى الحرق والإتلاف
على أيدي أفراد من أعضاء الجماعات
اليمينية المتطرفة.
فضلا
عن ذلك شددت سلطات الكثير من الدول
الغربية شروط قبول المسلمين في
المؤسسات والمصالح والدوائر التابعة
للقطاع العام، مثلما أشاعت وسائل
الإعلام جوًا من الخوف والرهبة إزاء
المسلمين، وهو ما ضيق على طالبي العمل
من بينهم أبواب الرزق، كما سُجلت حالات
طرد عمال وموظفين مسلمين -وإن كانت
محدودة- وذلك لأسباب عنصرية.
كما
تجدر الإشارة أيضا إلى أن بعض الجامعات
والمؤسسات التعليمية الغربية قد بادرت -متأثرة
في ذلك بأجواء الكراهية التي بثتها
تفجيرات 11 سبتمبر- إلى إصدار قرارات
تحرم الطلبة المسلمين من الالتحاق
بدورات تكوينية في بعض التخصصات
العلمية المطلوبة في سوق العمل، وذلك
بناء على طلب الأجهزة الاستخباراتية
لدولها التي حذرت من إمكانية توظيف
هؤلاء الطلبة لخبراتهم في خدمة
الجماعات المتطرفة.
5-
إقفال أبواب اللجوء والهجرة:
ومن
الظواهر التي أفرزتها أجواء التفجيرات
الأمريكية في الدول الغربية، وساهمت في
تأزيم النشاط الاقتصادي لمسلمي الغرب..
ظاهرة صعود أحزاب اليمين المتشدد إلى
السلطة في عدد كبير من الدول الأوربية،
وتنامي نزعة تشديد إجراءات اللجوء
والهجرة لدى جل الدول الغربية.
والمعروف
في هذا الصدد أن أكثر من نصف المهاجرين
واللاجئين إلى الدول الغربية يقدمون من
دول إسلامية؛ وهو ما يعزز بشكل سنوي حجم
المعاملات المالية والاقتصادية لدى
الأقليات المسلمة، ويرفع من أرقام
التحويلات المالية إلى الدول الأصلية،
وذلك على الرغم من انتماء المهاجرين
واللاجئين إلى الطبقة الاجتماعية الأشد
فقرًا في المجتمعات الغربية.
ومثلما
هو بيّن فإن عددًا كبيرًا من دول العالم
الإسلامي تعتمد على تحويلات مواطنيها
المقيمين في الغرب بشكل كبير كمصدر من
مصادر العملة الصعبة؛ وهو ما يجعل ظاهرة
الحد من اللاجئين والمهاجرين إلى الغرب
تنعكس بشكل سلبي على الأوضاع
الاقتصادية في دول العالم الإسلامي
النامية، كما تؤثر على الأوضاع
الاقتصادية للأقليات المسلمة في الغرب؛
حيث تعتمد شبكة من المقاولات الصغرى
والمتوسطة ذات الطابع الخدماتي بالدرجة
الأولى مملوكة للمسلمين.. على النمو
العددي المستمر لأبناء الأقليات
المسلمة.
وما
يمكن الخلاصة إليه من متابعة مظاهر
الضرر اللاحق باقتصاد المسلمين في
الغرب جراء أحداث التفجيرات الأمريكية
أن حياة أبناء الأقليات المسلمة وظروف
معيشتهم قد أصبحت أكثر ضيقًا خلال السنة
المنصرمة، وأن أفق الحركة والمبادرة
الاستثمارية والمالية قد تقلص بشكل عام
إلى حد جعل "الاستمرار في الوجود"
رهانهم الرئيسي، قبل التفكير في التوسع
وتحقيق الحلم الكبير في التحول إلى رقم
صعب ضمن المعادلة الاقتصادية المحلية؛
حيث الاقتصاد يرسم ملامح السياسة
بمستوييها الداخلي والخارجي.
اقرأ
أيضا:
** أستاذ جامعي من أصل عربي، مقيم في هولندا
|