في
مثل هذه الظروف نشأ الجيل الثاني
والثالث من أبناء المهاجرين. ولئن كان
حظهم أكبر من حيث الاستفادة من فرص
التعليم، فإنهم تشرّبوا بدورهم حالة
التمزق التي عاشها آباؤهم، لكن بخلفيات
وأبعاد مختلفة. فالمشكل بالنسبة لهؤلاء
الشباب ليس الحيرة بين الاستقرار أو
الهجرة، وإنما هو شعورهم بأنهم مواطنون
من درجة ثانية، نتيجة عوامل عدة ذاتية
وموضوعية. فبسبب نقص الوعي المدني
والسياسي والثقافي لدى الأولياء، ورث
الأبناء ضعفًا في التكوين الديني
والتربوي ونقصًا في استيعاب الواقع
وفهم معادلة حقوق المواطنة وواجباتها.
ومن لم يتمكن منهم من التحصيل العلمي في
هذه الظروف كان مصيره الرسوب الدراسي،
وما يعني من تسكع في الشوارع، والبقاء
عالة على الأسرة.
من
ناحية أخرى، سُجّلت حالات من التهميش
المقصود لأبناء الجالية العربية
المسلمة على المستوى التعليمي،
بتوجيههم إلى تخصصات تقنية وحِرَفية
قصيرة المدى، بهدف الحد من تخرّج طاقات
وكوادر من بينهم في تخصصات عليا وفي
مجالات التأثير.
ولعل
الحملة على الحجاب تندرج ضمن هذه
الخلفية من أجل إقصاء الفتاة المسلمة
المتحجبة من الوصول إلى المراكز العليا
حتى لا تكون نموذجا يقتدى به ووسيلة
دعوة للفكرة التي تحملها.
ونفس
الشيء يسجل على مستوى العمل. فهناك
حالات من صميم الواقع يتقدم فيها شباب
من أصل مهجري بمطالب للعمل لكنها ترفض
لأن اسم الشاب أو الفتاة يوحي بالأصول
العربية الإسلامية، فيتقدم صاحب نفس
الطلب بطلب ثان ولكن بهوية مغايرة تحمل
أسماء لاتينية فيقبل الطلب.
والأمثلة
متعددة في نفس السياق، الأمر الذي يفسّر
وجود بطالة في صفوف أبناء المهاجرين ممن
وصلوا إلى سنّ الشغل، علما بأنّ عدد
العاطلين في فرنسا يرتفع إلى مليونين
ومائتي ألف في آخر إحصائية رسمية 2001.
وقد
خلّفت سياسة التهميش وعدم تساوي الفرص
هذه لدى بعض الشباب -الذين درسوا في
مدارس فرنسا وقرءوا عن شعارها "حرية
وعدالة ومساواة"، وأنها رائدة الحرية
وحقوق الإنسان في العالم- خلّفت لديهم
نقمة على المجتمع تفاعلت مع ضعف التكوين
الديني والوعي المدني؛ الأمر الذي دفع
بعضهم إلى رد الفعل بالبحث عن وسائل
للتعبير عن التمرد على المجتمع بالسقوط
في انحرافات أخلاقية وسلوكية مثل تعاطي
المخدرات والعنف والجريمة.
فقامت
جهات سياسية وإعلامية بتضخيم ردود
الأفعال هذه وتضخيمها بالحديث عن ظاهرة
تهدد أمن فرنسا. وقد نجح تيار أقصى
اليمين في التركيز على هذه الانحرافات
وتعميمها على كل المهاجرين، وتخويف
الرأي العام من "غزو بشري خارجي يهدد
هوية فرنسا وأمنها"، متجاهلا الأسباب
العميقة لهذه الهجرة، ومتنكرًا للعطاء
الاقتصادي للمهاجرين نحو فرنسا عبر دفع
الضرائب كبقية الفرنسيين والانخراط في
الدورة الاقتصادية بيعا وشراء
واستثمارا.
فالجالية
العربية المسلمة في فرنسا هي من كبرى
الجاليات في أوروبا من حيث الحجم، حيث
تتجاوز خمسة ملايين، كما أنّ عائلات
المهاجرين متعددة الأفراد وهي بذلك
عامل أساس في تنشيط حركة الاستهلاك
والانتعاشة الاقتصادية، وتكفي الإشارة
إلى عيد الأضحى وعدد رؤوس الماشية التي
تذبح كل سنة.
كما
أنه حسب تقرير المجموعة الأوروبية في
بروكسل عام 2001، فإن المهاجرين يساهمون
بـ 14.7% من الناتج المحلي الإجمالي
بفرنسا.
وعندما
يُسأل لوبان عن كيفية معالجته لهذه
المعادلة في برنامجه: طرد المهاجرين في
الوقت الذي يساهمون كغيرهم في الاقتصاد
الفرنسي؟ يجيب بأن المبالغ التي
يدفعونها توضع في صندوق خاص للتوفير
بهدف الإعداد للعودة النهائية إلى
البلد الأصلي، والحال أن فرنسا هي البلد
الأصلي لأغلبهم، وأن ما يسمى بلدانا
أصلية، عربية وإفريقية، مجال حيوي
للاستثمارات الفرنسية وللحضور الفرنسي
الثقافي والاقتصادي والسياسي والعسكري.
وفي
غياب موقف سياسي شجاع يقوم على النقد
الذاتي، والبحث عن كبش فداء للعجز
الحضاري الذي سقط فيه الغرب، يسعى هذا
التيار العنصري إلى إلقاء مسؤولية
أزمات المجتمع على "الأجانب"،
متناسيا أن المهاجرين وأبناءهم -الذين
يحمل عدد منهم الجنسية الفرنسية - هم
ضحية الاستغلال والتهميش، وأنهم يعانون
أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة.
ولا
يقتصر التهميش على فئات الشباب بل يطال
الكوادر والنخبة المثقفة العربية
المسلمة. فلقد صاحبت هجرة اليد العاملة
من البلاد المسلمة إلى البلاد الغربية
هجرة من صنف آخر تتمثل في هجرة العقول أو
ما يسمّى بالكفاءات العلمية والفكرية،
وفيهم نسبة من المهاجرين لأسباب سياسية.
وهذه الكفاءات وجدت صعوبات جمة لاختراق
جدار الشوفينية والإقصاء، وتعرضت
للاستغلال، ويتجلى ذلك خاصة في القطاع
الصحي، حيث يضطر الأطباء من أصل أجنبي
إلى العمل في ظروف أصعب في الدوام
الليلي وفي العطل رغم أن تخصصات بعضهم
تؤهلهم لرئاسة أقسام طبية في
المستشفيات.
كما
أن نسبة من الطلبة الجامعيين من أصل
أجنبي غير الحاصلين على منحة يضطرون إلى
القيام بأعمال مرهقة وغير مناسبة
لمؤهلاتهم العلمية واهتماماتهم، مثل
الاستقبال في الفنادق ليلا وغسل
الأواني في المطاعم وحراسة المؤسسات..
من أجل تغطية مصاريف دراستهم العليا في
الجامعات الفرنسية، في ظل غياب سياسة
تشجيع الطاقات والكفاءات العربية-الإسلامية
التي تضطر إلى الهجرة.
لكن
كما يقال رُب ضارة نافعة، فقد ساهم وجود
مثل هذه الكفاءات في رسم معالم جديدة
للحضور الإسلامي في الغرب عموما.
واستفادت الجاليات العربية المسلمة من
خبرة هذه الكفاءات في الارتقاء بالعمل
المؤسساتي وتوجيه هذا الحضور نحو
الاندماج الإيجابي.
من
الواضح أن أبناء الجالية العربية
المسلمة لم يرضخوا لوضع الإقصاء
والتهميش. فهناك العديد من المؤشرات
التي تدل على أن التحديات دفعتهم إلى
الاعتماد على الذات، وشق طريق الكدح،
وإبراز الكفاءة على أرض الواقع ببذل
جهود فردية وجماعية. فأقيمت مشاريع حرة
في عدة مجالات واختصاصات مثل المؤسسات
التجارية والحرفية والتوريد والتصدير
والاستثمار ودور الطباعة والنشر
والمكتبات ووكالات السفر ومقاولات
البناء والإعلام والهندسة المعمارية،
والإنترنت، إلا أن مجالين بقيا مقفلين
على الأجانب وهما: إنشاء بنوك أو فتح
مؤسسات تأمينية.
ويصعب
تحديد عدد هذه المؤسسات الخاصة؛ لأن
النظام الفرنسي يمنع الإحصاء على أساس
عرقي أو ديني، ولكن المتجول في أحياء
عربية في باريس ومدن فرنسية كبرى مثل
ليون ومرسيليا، يلاحظ نمو مثل هذه
المشاريع الحرة التي تنم عن وعي اقتصادي
في صفوف الجالية العربية المسلمة،
وإرادة قوية في التحرر من قيود التهميش
والإقصاء، وهو توجه عام لدى الأقليات
المسلمة في الغرب.
ويلتقي
مسلمو فرنسا مع بقية مسلمي أوروبا
والغرب عموما في التطوّر في
الاهتمامات، والبحث عن حلول فقهية من
منظور إسلامي للإشكالات الاقتصادية
التي تعترضهم في الغرب، مثل الأسهم
والاستثمار والتعامل مع البنوك
والادخار.. ويشارك بعض رموز العمل
الإسلامي بفرنسا للتفكير في هذه الحلول
ببعديها التأصيلي الفقهي والتطبيقي
العملي، وذلك عن طريق مؤسسات معروفة مثل
المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء،
ومركز البحوث والدراسات التابع للكلية
الأوروبية للعلوم الإنسانية في باريس
الذي يشرف عليه الدكتور عبد المجيد
النجار.
ومن
بين التوجهات المهمة التي سترجع بالنفع
الكبير على الأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية للأقليات المسلمة مشروع
الوقف الإسلامي الذي سيخرج المسلمين من
دائرة التبعية الاقتصادية.
وفي
انتظار تحقق هذه المشاريع على أرض
الواقع، هناك مبادرات فردية من طرف بعض
رجال الأعمال المسلمين وأصحاب المؤسسات
والمستثمرين العرب والباحثين في المجال
الاقتصادي المقيمين في فرنسا لبلورة
مقاربة اقتصادية من منظور إسلامي،
ومساعدة أبناء الجاليات المسلمة على
تجاوز معوّقات سياسة التهميش والإقصاء.