بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

دليل المواقع

دليل المواقع |ساحة الحوار |استشر خبيرا

مشروعات وتجارب

مشروعات وتجارب| استعد للوظيفة | إدارة الذات | مفاهيم ومصطلحات | فقه السعي  
  ملفات خاصة | إغاثة وتنمية | قضايا اقتصادية| مساهمات الزائرين

مقاول يقود إيطاليا

2002/08/26

د.خالد شوكات **

برلسكوني

يرمز رئيس الوزراء الإيطالي الحالي "سلفيو برلسكوني" إلى حالة شاذة ومميزة في أوساط الساسة الأوربيين، فهو يكاد يكون الحاكم الأوربي الوحيد الذي أتى إلى سدة الحكم من خارج مؤسسات الإنتاج السياسي التقليدية (الأحزاب)، كما أنه استطاع أن يكرس معادلة جديدة في الساحة السياسية الإيطالية، تتفق وروح عصر العولمة الأمريكي، كما تتماهى مع منطق وقيم نظام السوق الجديد، مفادها قدرة المال على فرض نفسه على الساحة السياسية، وتحديد الحاكم مباشرة.

ولا شك أن المتتبع لسيرة برلسكوني سيدرك بشكل سريع أن الطراز الأمريكي في الحياة وتحقيق الأهداف وطريقة إقامة العلاقات يكاد يكون حاضرا في جميع مراحل حياة الرجل منذ أن خرج إلى العمل في مطلع الستينيات، بعد حصوله على شهادة –غير معروفة- من كلية الحقوق في ميلانو.

إن الطراز الأمريكي في الحياة يرتكز كما هو معروف على فكرة أساسية، تتمثل في أن المال هو أصل كل شيء، ولهذا فإن مشوارك في الصعود يجب أن يبدأ من هذه النقطة، فبالمال تدين لك كل الأشياء، وقد آمن برلسكوني الذي وُلد في ميلانو سنة 1936 منذ نعومة أظافره -كما تقول سيرته الذاتية- بعمق بهذه الفكرة، وسعى إلى تنفيذها بإخلاص على أرض الواقع، ونجح إلى حد كبير في ذلك.

شركة مقاولات

لقد بدأ برلسكوني حياته العملية سنة 1960، في غير تخصصه الدراسي الحقوقي، عندما أسس شركة مقاولات قامت ببناء مدينة "ميلانو الثانية"، وهي ضاحية فخمة لمدينة ميلانو التاريخية، صممت على النمط المعماري للمدن الأمريكية، وقد كان ذلك فتحا كبيرا على الرجل، حيث سيمنحه نجاحه هذا فرصة لوطء أراض اقتصادية غير مسبوقة.

من طالب حقوق، أصبح برلسكوني مقاول إنشاءات، قبل أن يتحول في بداية الثمانينيات إلى مستثمر كبير في مجال الإعلام الخاص، ثم في مجالات النشر والبنوك والتأمين والرياضة والإنتاج السينمائي، سواء داخل إيطاليا أو خارجها، خصوصا في بعض دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد أن طرق جل الأبواب الاقتصادية، قرر برلسكوني أن يكمل حلقات عقده الفريد، بحلقة السياسة، فشغل فيها المواقع القيادية جميعها تقريبا، فقد أسس حزب "إيطاليا القوة" أو "إيطاليا إلى الأمام" اليميني وتزعمه، وخاض الانتخابات وتحول من خلالها إلى رجل إيطاليا الأول، وكما أغراه منصب الوزير الأول (رئيس الوزراء)، أغرته المعارضة فقادها لمدة تقارب خمس سنوات، من سنة 1996 إلى سنة 2001.

لقد شغل رجل الأعمال الشهير الذي قرر فجأة التحول إلى زعيم سياسي أواخر سنة 1993 منصب النائب البرلماني في إيطاليا، والنائب الإيطالي في البرلمان الأوربي، كما شغل منصب الوزير والوزير الأول ورئيس الكتلة النيابية وزعيم المعارضة البرلمانية، محققا بذلك كل ما يمكن أن يصبو إليه سياسي نشأ وترعرع وتدرج في مراتب المدارس السياسية التقليدية، وعلى رأسها الأحزاب العريقة التي تضرب جذور بعضها في أعماق التاريخ الإيطالي الحديث، عائدة بذلك إلى تجربة الوحدة الإيطالية منتصف القرن التاسع عشر، كما هو شأن الديمقراطيين المسيحيين.

تلفزيون.. لا مائة حزب

"عندما تملك مالا كافيا، رجاء قم بشراء تلفزيون خاص، إذ سيكون بمقدورك حينها أن تصبح رئيس وزراء".. هكذا يتهكم بعض الإيطاليين على واقعهم الذي أصبح برلسكوني سيده، وعلى نحو يعكس معرفة جلهم بأن سلطة برلسكوني قد تحققت بفضل ماله أولا، وقنواته التلفزيونية الخمسة التي كان يمتلكها عشية انتخابات سنة 1994 ثانيا.

ولم يكن أمر تدخل المال والإعلام بدعة إيطالية، بل بدعة أمريكية، فقد كانت الانتخابات الأمريكية -خلافا للانتخابات في دول أوربا الغربية- انتخابات سينمائية ظاهرية تلعب فيها الأحزاب دورا معينا، في حين تهيمن دوائر المال والإعلام على الأدوار الرئيسية، بينما بقي الأوربيون الغربيون مشدودين إلى حد كبير إلى تراث الثورة الفرنسية ومفاهيم الديمقراطية الليبرالية الكلاسيكية.

لقد قرر برلسكوني -حسب ما تذكره بعض المصادر الإيطالية- التحول من الاقتصاد إلى السياسة حينما قرر صديقه وراعيه السياسي "بتينو كراكسي" الوزير الأول السابق، مغادرة إيطاليا إلى تونس مطلع التسعينيات فارا من اتهامات بالفساد والعلاقة مع المافيا، غير أنه أجّل قرار التنفيذ قليلا حتى يتمكن من ترتيب أوضاع مؤسساته الاقتصادية تمهيدا للمرحلة الجديدة.

وقد كان المنطلق مرتبطا لدى برلسكوني -كما لدى كثير من الرأسماليين الذين تحولوا إلى ساسة- بالفكرة التي تقول: "إذا كان لديك مال فإنك تسعى إلى امتلاك السلطة التي ستمكنك حتما من امتلاك مال أكبر"، ولعل برلسكوني شعر بأنه لا يملك مع رحيل صديقه السياسي أي ضمانات في الأوساط السياسية للمحافظة على "فينينفست" إمبراطوريته الاقتصادية، التي تقدر بعض المصادر رأسمالها بما يزيد عن 16 مليار دولار.

ويرد محللو الشأن الإيطالي أمر الصعود السياسي الصاروخي لبرلسكوني -سنة 1994 تاريخ توليه لأول مرة رئاسة الحكومة، أو سنة 2001 حين عاد مجددا إلى الحكم- إلى شبكته الإعلامية الواسعة في المجالين المرئي والمكتوب التي يفتقد إليها أي من منافسيه، وهو ما دفع بعض الساسة الإيطاليين إلى القول: "إن قناة تلفزيون أفضل من مائة حزب سياسي".

أجرأ من يتكلم!!

يقول متتبعو سيرة برلسكوني: إنه كان مغرما منذ ولوجه عالم الأعمال أول الستينيات، بنقل بعض مبتكرات السوق الأمريكي إلى إيطاليا، ومن ذلك اقتحامه مجال الاستثمار في قطاع الإعلام التلفزيوني، فقد كان أول من امتلك في بداية الثمانينيات قنوات تلفزيونية تجارية خاصة تبث على مدار الساعة، وتبث مواد منوعة، من بينها مواد إخبارية وثقافية، وتتطلع بذلك إلى إحداث تغيير فعلي في سلوك وعقلية المواطن الإيطالي.

وقد استطاعت قنوات برلسكوني كالقناة 5، وإيطاليا 1، وريتا 4، أن تحدث ثغرات في النظام القيمي والسياسي السائد في إيطاليا، كما استطاعت في وقت محدد أن تحقق النجومية السياسية اللازمة لصاحبها الذي أدرك في الوقت المناسب طبيعة العصر الجديد، الذي سيقوم على منح الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة دورا رياديا حاسما.

وتذكر المصادر الإيطالية أن برلسكوني قام خلال حملاته الانتخابية بتسخير آلته الإعلامية تسخيرا كليا لصالح مشروعه السياسي، كما قام أيضا بتسخير آلته الاقتصادية، التي أتاحت له تأجير من يعوضه النقص الفادح في الخطابة والتنظير السياسي، واستعمال عشرات الرموز الفكرية والأيديولوجية الذين كانوا معروفين في الأوساط الشعبية بميول يسارية في بدايات مشاويرهم السياسية.

كما عمد برلسكوني -بحسب المصادر نفسها- خلال حملته الانتخابية الأخيرة التي قادته إلى الحكم إلى توزيع كتاب مجاني طبعت منه ملايين النسخ -يقول البعض إنه كان أكثر سمكا وأناقة من كتالوج مهرجان "كان" السينمائي- على ملايين المواطنين، لإطلاعهم على سيرته الذاتية المميزة وإنجازاته لصالح إيطاليا وملامح مشروع المستقبلي، وهو ما لم يتوفر لأي من منافسيه السياسيين الفقراء في غالبيتهم.

ومثلما هو شأن غالبية الساسة الأمريكيين، فإن برلسكوني لا يملك نكهة أيديولوجية أو فكرية خاصة، حيث يقيس السياسة كما الاقتصاد تماما، بمقاييس الربح والخسارة، ولهذا فقد كان على الدوام قابلا لتبني توجهات تبدو متناقضة في أحيان كثيرة، إلا أن الثابت الوحيد في حياة الزعيم الإيطالي يبقى ثروته المالية الشخصية التي جعلت منه –في حالة التقاء نادرة- الرجل الأغنى في إيطاليا، وفوق ذلك قائدها.

انتظار العاصفة

إن طبيعة الساحة السياسية في إيطاليا تجعل من الصعب تحديد مستقبل برلسكوني بشكل دقيق، أو محاولة استشرافه وفق معايير مسبقة، فقد سبق لهذه الساحة أن كذبت الكثير من المحللين نتيجة كثرة وتسارع تقلباتها، حيث فاق عدد الحكومات التي قادت البلاد منذ الحرب العالمية الستين حكومة.

وعلى الرغم من محاولات برلسكوني تغيير بعض القوانين، وإحداث ملامح جديدة لصالح الليبرالية الجديدة التي يتبناها، فإن لا أحد بمقدوره الزعم بإمكانية بقاء الحكومة الإيطالية الحالية 3 سنوات متواصلة، حتى مع اجتماع "الرأي أنو" و"إيطاليا 1" على تمجيدها، برفقة عدد كبير من وسائل الإعلام المكتوبة.

ولعل نزعة الصعود الصاروخي على الطريقة الأمريكية هي التي يمكن أن تحول النزول إلى نزعة متشابهة، خاصة أن برلسكوني بدأ يلامس في سياسته بعض ما تعتبره الطبقات الاجتماعية والاقتصادية العريقة والواسعة خطوطا حمراء، كما كان الشأن فيما يعرف بقانون "روسي - فليني"، الذي يجعل عقد العمل عقد غبن يستأثر فيه رب العمل بكافة الشروط، في حين يمتنع عن فعل ذلك مع العمال.

إن الحكم على برلسكوني السياسي يجب أن يرتبط من جهة ببرلسكوني الرأسمالي، غير أنه يجب أن يتصل من جهة أخرى بطبيعة الإيطاليين المتقلبة، وطبيعة بلادهم المتنوعة، وفي حين يعتقد البعض أن النظام السياسي الإيطالي لا يمكن أن يقود إلى استقرار، سواء كان الحاكم برلسكوني أو غيره، فإن بعضا آخر يرى أن أموال برلسكوني الطائلة قادرة على صنع ما عجزت عنه دوائر السياسة التقليدية المتأزمة، وبالتالي تأمين فترة من الحكم لبرلسكوني لم يسبق لأي واحد ممن قبله من الوزراء الأولين أن حققها.


** أستاذ بجامعة روتردام الهولندية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع