 |
|
أسرة
أبو أحمد
|
هل
تتذكر لحظة حصولك على المرتب الشهري؟
إنها لحظة صعبة لأن كثيرا من الآباء لا
يريدون تذكرها، خاصة الذين يقطنون في
العالم الثالث، ويكافحون التضخم.. أما
الذين هم تحت الحصار في فلسطين فيا ترى..
ماذا يفعلون؟
مع
الحصول على المرتب تبدأ استعدادات
صارمة لإعداد ميزانية الشهر التي تشمل
حصرا شاملا بالنفقات والإيرادات.. ويقاس
النجاح بمدى قدرة ربّ وربة الأسرة على
عدم ظهور عجز قد يضطرهما إلى الاقتراض،
سواء من الأهل أو الجيران، مثلما تلجأ
الدول إلى المؤسسات الدولية المانحة..
مع الفارق أنه لا توجد هنا شروط سياسية
أو اقتصادية تفرض على المقترضين.
صاحب
المرتب اسمه محمد عبد الرحمن "أبو
أحمد" - 45 عاما - وظيفته مدرس ابتدائي
في غزة ويقطن منطقة حي الزيتون بغزة..
متزوج من مدرّسة أيضا ويعول ستة أولاد:
ثلاث بنات وثلاثة أولاد، أكبرهم إيمان
في الثانوية العامة وأصغرهم مهنّد في
الحضانة.
حين
سألناه: أين يذهب مرتبك؟ وكيف تنفقه
طوال الشهر؟ والأسئلة تبدو محرجة فكيف
لرب منزل أن يجيب عليها وكل الموظفين
العرب يتحاشونها؟ لكن أبو أحمد لم يمانع
في الإجابة وهو جالس وسط شقته المكونة
من أربع غرف ومطبخ وحمام وصالة
وملحقاتها، وقد بناها في منزل العائلة
ولم ينته من سداد ديون بنائها إلا قبل
أربعة أشهر فقط.
3100
شيكل
وفق
كشوف مرتبات شهر مايو 2002 بوزارة التعليم
الفلسطينية فإن مرتب أبو أحمد هو1650
شيكلا إسرائيليا (الدولار =4.8 شواكل
تقريبا) أما زوجته فتتقاضى1450 شيكلا،
وبذلك يكون مجموع مرتبهما 3100 شيكل هو كل
دخل الأسرة.
قبل
صرف الراتب في يوم عشرين من الشهر يضع
أبو أحمد مع زوجته حنان رمضان خطة
ميزانية شهرية محكمة حتى يكفي الراتب
المصروفات، ويحاولان استخراج فائض (ادخار
فردي) ولو كان قليلا يؤمّن الأسرة في
مجابهة احتمالات توقف المرتب في ظل
تصاعد الانتفاضة وتأخر مخصصات السلطة
الفلسطينية المالية.
وطبقا
لأبو أحمد فإن المرحلة الأولى من إنفاق
المرتب تبدأ بعد ساعة واحدة من استلامه،
فقبل الوصول إلى البيت يتم دفع الدَّين
الشهري للبقالة، الذي يصل إلى 350 شيكلا،
يلي ذلك مخصَّص المصاريف الشهرية
للكهرباء والمياه والتليفون وهي على
التوالي بالشيكل: 250، 70، 125.
أما
المرحلة الثانية فهي تتعلق بنفقات
الأسرة والمطبخ، حيث التموين الشهري من
سكر وأرز وخضار ولحوم… أما الفواكه
فقلما نشتريها لغلوّها، وتلك الأمور
تحتاج شهريا إلى ما لا يقل عن250 شيكلا.
أما مصاريف الأبناء الستة الشخصية
فترتفع مع فصل الصيف إلى 450. أما عن
مصروفات المدرسة من رسوم وكتب وملابس
خاصة بهم فيصل مخصصها الشهري إلى150
شيكلا.
وبالنسبة
للمرحلة الثالثة فيقول أحمد: إنها تتعلق
بمصاريف يومية للزيارات والمواصلات،
وكذلك دعم الأقارب، ومحاولة الادخار
الشخصي تحسبا للظروف، وتتضمن هذه
المرحلة 400 شيكل
مصروفات ملابس للأم والأب وأجرة
مواصلات وغيرها.. كما يقوم أبو أحمد
بإعطاء والده ووالدته 150 شيكلا، بينما
تقوم الزوجة بدعم أمها العجوز بـ75 شيكلا.
أما
بند العلاج فيصل متوسط المخصص الشهري له
إلى 50 شيكلا، كما يتم استقطاع 50 شيكلا
أخرى للزيارات العائلية.
ويمثل
بند الادخار أمرا رئيسيا في ميزانية
أسرة أبو أحمد، حيث يدخل الزوج والزوجة
في "جمعيات" شهرية بـ600 شيكل، وهذه
الجمعيات توجّه إما إلى مدّخرات في
البنوك أو لشراء السلع المعمرة التي
تحتاجها الأسرة بين الحين والآخر: ثلاجة
تلفزيون... وهكذا.
إجمالي
مصروفات أبو أحمد وزوجته حنان يصل إلى
2970 شيكلا، وبحسبة بسيطة مع مرتبهما الذي
يصل إلى 3100 شيكل يتبقى فائض في موازنة
البيت يصل إلى 130 يتم ادخاره أحيانا أو
يذهب في ظروف طارئة.
وترجع
الزوجة حنان الفائض في المرتب إلى أنها
وزوجها يعملان؛ بينما هناك أسر
فلسطينية أخرى تواجه عجزا مزمنا في
ميزانيتها، خاصة مع وجود مصدر مالي واحد
لرب البيت. كما قد يزداد الوضع سوءا
بالنسبة لأسر الضفة الغربية التي تواجه
اجتياحات وصعوبة في الذهاب إلى العمل.
كما
تشير حنان إلى أن ما يساعدنا أيضا أننا
نقطن في بيتنا الذي نمتلكه ولا ندفع له
إيجارا، وهو ما يمثل عبئا ومدخلا لعجز
ميزانيات أسر أخرى.
ميزانية
أسرة أبو أحمد
|
النسبة
من إجمالي راتب الزوجين |
المبلغ
بالشيكل |
نوع
الإنفاق |
|
11.2
% |
350 |
ديون
بقالة |
|
8.1
% |
250 |
كهرباء |
|
2.3
% |
70 |
مياه |
|
4
% |
125 |
تليفون |
|
8.1
% |
250 |
أرز
وخضراوات ولحوم وفواكه |
|
14.5
% |
450 |
مصاريف
شخصية للأبناء الستة |
|
4.8
% |
150 |
مصروفات
الدراسة |
|
12.9
% |
400 |
ملابس
ومواصلات |
|
4.8
% |
150 |
دعم
والد ووالدة الزوج |
|
2.4
% |
75 |
دعم
والدة الزوجة |
|
19.3
% |
600 |
جمعيات
شهرية |
|
1.6
% |
50 |
أدوية
وعلاجات |
|
1.6
% |
50 |
زيارات
للأقارب |
|
95.6
% |
2970 |
إجمالي
المصروفات |
|
100% |
3100 |
إجمالي
مرتب الزوج الزوجة |
|
4.2% |
130
|
فائض |
قراءة
الميزانية
تكشف
القراءة الأولية لميزانية أسرة أبو
أحمد عن عدة أمور أبرزها ما يلي:
أن
المصاريف الشهرية الثابتة (أكل، مسكن
ومستلزماته، ملبس، تعليم، علاج) تقترب
نسبتها من 70% من ميزانية الأسرة، وهي
ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها.
اللافت
في ميزانية أسرة أبو أحمد التزام الزوج
والزوجة بمساعدة والديهما، ولو بمبلغ
قليل يصل إلى 225 شيكلا بنسبة تصل إلى 7% من
المرتب تقريبا وهي قيمة أصيلة داخل
المجتمع الفلسطيني، كما أن زيارات
الأقارب تمثل بندا ثابتا في ميزانية
الأسرة، وهذه أيضا قيمة مرتبطة
بمجتمعات تحت الحصار.
-
عمل الزوج والزوجة معا حال دون وجود عجز
في الأسرة وأوجد فائضا قليلا تصل نسبته
إلى 4.2% وهذا الفائض قد ينقلب إلى عجز في
حال ما لم تعمل الزوجة - وهو حال أسر
كثيرة في غزة - أو ارتفعت الأسعار.
-
قدرة الأسرة على الادخار الفردي بنسبة
تصل إلى 19.3 % من إجمالي راتب الزوج
والزوجة، وهو ما يمثل حاجة هامة في ظل
ظروف عدم الاستقرار في المجتمع
الفلسطيني واحتمالات عدم صرف المرتبات
في ظل الحصار الإسرائيلي.
واللافت
أن "الجمعيات" هي الوسيلة الأكثر
استخداما في المجتمع الفلسطيني لعمل
ادخارات متوسطة الأجل للأسرة، وهي أيضا
منتشرة في المجتمعات العربية.
الأسر..
بالأرقام!
وحال
أسرة أبو أحمد لا يمثل كثيرا من الأسر
الفلسطينية التي تعاني عجزا دائما في
ميزانيتها الشهرية خاصة، فأرقام جهاز
الإحصاء المركزي الفلسطيني تحدثنا عن
أحوال الأسر الفلسطينية وأوضاعها
الاقتصادية فيما بعد الاجتياح وخلال
عملية السور الواقي في 29 مارس 2002.
فقد
أجرى الجهاز دراسة على عينة من2917 أسرة،
منها1943 في الضفة الغربية، و974 أسرة في
قطاع غزة، وانتهت دراسة العينة إلى ما
يلي:
-
الدخل الشهري الوسيط للأسر الفلسطينية
قد انخفض من2500 شيكل قبيل الانتفاضة إلى1200
خلال شهر فبراير2002 . كما أنه بالنسبة
للضفة الغربية قد انخفض دخل الأسر من3000
إلى 1500 شيكل. وفي قطاع غزة انخفض الدخل
من 2000 إلى883 شيكلا شهريا.
-56.5
% من مجمل الأسر بالأراضي الفلسطينية
فقدت أكثر من نصف دخلها خلال انتفاضة
الأقصى. وقد توزعت هذه النسبة بواقع 58 %
في الضفة الغربية و42 % في قطاع غزة.
- بالمقارنة مع خط الفقر للربع الأول من عام 2002 الذي يصل إلى 1651 شيكلا لأسرة مكونة من بالغَين وأربعة أطفال أشارت نتائج العينة إلى أن هناك 66.5 % من الأسر تقع تحت خط الفقر، وقد توزعت هذه النسبة بواقع 57.8 % في الضفة الغربية، و42.2 % في قطاع غزة.
-
أشارت نتائج العينة أيضا إلى أن58.3 % من
الأسر - أو أحد أفرادها - تلقوا مساعدات
منذ بداية الانتفاضة، وقد توزعت هذه
النسبة بواقع 45 % في الضفة الغربية و55 %
في قطاع غزة.
-
أشارت نتائج العينة إلى أن 2.3 % من الأسر
يأتيها عادة تحويلات من الخارج، وأن2.9 %
من الأسر قد وصلتها تحويلات منذ بداية
الانتفاضة، ولوحظ تباين في النسب بين
الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغت نسبة
الأسر التي وصلتها تحويلات من الخارج
منذ بدء الانتفاضة 4.0 % للضفة الغربية و
0.6 % لقطاع غزة.
الكل
في الهمّ سواء
يرجع
الخبراء الاقتصاديون هذه الأزمة التي
تمرّ بها الأسر الفلسطينية ليس فقط إلى
الحصار والاقتحامات الإسرائيلية
المستمرة، إنما إلى عجز السلطة التي
تستهدفها حكومة رئيس الوزراء شارون،
فمع منتصف يونيه 2002 انخفضت موارد السلطة
الفلسطينية بنسبة 82% عما كانت عليه في
سبتمبر 2000 طبقا لمعلومات وزارة المالية
الفلسطينية.
هذا
الهبوط الحاد نجم عن الخسائر التي لحقت
بالإنتاج الزراعي والصناعي وضياع
الإيرادات السيادية التي كانت تحصل
عليها السلطة الفلسطينية من ضرائب
وجمارك ومكوس طبقا لاتفاقيات أوسلو.
كما
جمّد الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر
2000 حتى الآن نحو 680 مليون دولار هي حصة
السلطة من الرسوم التي تقوم بتحصيلها
إسرائيل في الموانئ والمنافذ البرية
والحدودية التي تسيطر عليها.
ويؤكد
الباحث الاقتصادي الفلسطيني مازن
العجلة أن معظم الأسر الفلسطينية تعاني
من عجز في تغطية احتياجاتها اليومية أو
الضرورية؛ لأنها تعتبر تحت خط الفقر وفق
المستوى المعيشي الذي حددته دائرة
الإحصاء المركزية الفلسطينية بأن متوسط
دخل الأسرة الفلسطينية هو 1600 شيكل أي
معدل 370 دولارا شهريا.
وأشار
العجلة إلى أن بعض أرباب الأسر يلجئون
إلى أعمال غير مناسبة لهم لسدّ احتياجات
أسرهم، مثل فتح بقالة أو العمل كسائق
لسيارة أجرة، أو عمل بسطة على أحد
الطرقات، أو الاستدانة، وهو ما يخلق
للأسرة عجزا جديدا في المستقبل، مبينا
أن العديد من الموظفين يلجئون للاقتراض
من البنوك لحل مشاكلهم الآنية بغض النظر
عما ستسببه هذه القروض من مشاكل عديدة
في المستقبل.
وقال:
"لا يوجد حلٌّ ناجعٌ ونهائيٌّ لحل
مشكلة العجز الذي تعاني منه الأسر
الفلسطينية في ظل هذه الأوضاع السياسية
والاقتصادية الصعبة سوى الضغط على
نفسها للحدّ من نفقاتها بأكبر قدر ممكن".
وفي
كل الأحوال فإن تكييف حاجات الأسرة
الفلسطينية مع ظروف الحصار الإسرائيلي
بات قيمة أساسية.. تبدو واضحة في بنود
إنفاق الراتب الشهري.
اقرأ
أيضًا:
|