بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

الأردن.. الفساد يطيح بمراكز قوى

2002/03/14

عمّان - ماجد توبة - د. إبراهيم علوش

الملك عبدالله الثاني

ما زالت الأوساط الأردنية منذ قرابة شهر أو أكثر منشغلة بإحدى كبرى قضايا الفساد في عهد الملك الشاب "عبد الله الثاني" الذي دخل عامه الرابع في الحكم في خلافة والده حسين بن طلال. وربما شكلت قضية التسهيلات البنكية أو ما بات يسمَّى في الشارع الأردني بفضيحة "غلوبال بزنس" أو "شمايلة غيت" إحدى التركات الثقيلة لفساد مستشر تحدث عنه المواطن الأردني طويلاً، وانتقلت مع أعباء الحكم الأخرى للعهد الجديد!.

قضية التسهيلات البنكية التي كادت تعصف بالوضع المصرفي والاقتصادي للأردن ما زالت تلقي بظلالها على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية في المملكة. ويتوقع المراقبون في العاصمة عمَّان أن تتواصل تداعيات هذه القضية التي تسلّم ملف التحقيق في ملابساتها القضاء العسكري إلى ما هو أبعد من نتائج التحقيق القضائي وإدانة متهمين قد يكون بعضهم من المسؤولين الكبار. ويرون أن المدى الذي ستذهب إليه معالجة هذه القضية من قبل صانع القرار الأردني ستحدد خياره بين نهجين، فإما الاستمرار بنهج قديم يغضّ عينه عن الفساد، خاصة عندما يقترفه الكبار، أو نهج يرتكز للمحاسبة ومحاربة الفساد والشفافية بالرغم من ضغوط مراكز القوى.

الأبعاد المباشرة

قضية التسهيلات البنكية بدأت تتكشف خيوطها عندما فرَّ رجل الأعمال الأردني "مجد الشمايلة"، أحد المستثمرين المحدثين في قطاع المعلومات والكمبيوتر، خارج البلاد حاملاً معه عشرات الملايين من الدولارات، اختلفت التقديرات حولها بين 70 – 100 مليون دينار أردني (حوالي 100 - 150 مليون دولار)، بعد حصوله على قروض وتسهيلات من أربعة بنوك محلية بضمانات حق من دائرة المخابرات العامة لم يحسم التحقيق بعد إن كانت مزورة.

وقد استغل "مجد الشمايلة" نفوذ مسؤولين أمنيين كبار لبناء شبكة كبيرة من العلاقات مع المؤسسات المصرفية المحلية والحصول على قروض كبيرة دون ضمانات حقيقية وعطاءات ضخمة لشركة "غلوبال بزنس" المتخصصة بتكنولوجيا المعلومات شملت دائرة المخابرات العامة ووزارة التربية ومؤسسات رسمية أخرى. الأمر الذي دفع بالتحليلات والتحقيقات للتساؤل عما إذا كان الشمايلة واجهة لشبكة أكبر من المتنفذين.

التحقيقات في القضية التي جاءت بأمر مباشر من العاهل الأردني طالت حتى الآن المئات، بين متورط أو له علاقة بالمتهمين في القضية. كما نفَّذ الادعاء العام العسكري الحجز التحفظي على أكثر من 200 شخصية شملت أموالهم المنقولة وغير المنقولة لحين اتضاح خيوط هذه القضية.

ما أعطى هذه القضية أبعادا مثيرة هو أن التحقيقات والحجوزات طالت أسماء سياسية وأمنية بارزة شغلت مناصب حساسة في الدولة، حيث يعتبر مدير المخابرات السابق "سميح البطيخي"، ونائبه اللواء "زهير زنونة"، والسفير الأردني المعين في تل أبيب "عبد الإله الكردي"، وهو ضابط سابق برتبة لواء في المخابرات -أبرز الشخصيات السياسية في القضية. فضلاً عن ورود أسماء لأبناء بعض الشخصيات السياسية البارزة والتحفظ على أملاكهم، بينما يعتبر كل من رئيس مجلس إدارة بنك الأردن والخليج "نبيل بركات" ومدير عام بنك الصادرات والتمويل "علي الحصري" أبرز الشخصيات الاقتصادية ذات العلاقة بالقضية.

ورغم صدور قرار قضائي رسمي بعدم خوض الإعلام في تفاصيل القضية والتحقيقات حولها، فإن الصحافة الأردنية تحاول أن تتجاوز هذا المنع وتلهث خلف كشف أبعاد وتفاصيل القضية.

تداعيات القضية

يرى المراقبون أن هذه القضية أوجدت انقلابًا جذريًّا في أسلوب التعاطي مع مثل هذه القضايا، خاصة أنها المرة الأولى التي يتم فيها فتح ملفات الفساد على هذا النحو الذي يطال مسؤولين كبارا وضباطا عاملين في دائرة المخابرات العامة يمكن أن يكونوا قد سهَّلوا للمتهم الشمايلة الحصول على تسهيلات بنكية وصلت خلال أربع سنوات إلى حوالي مليار دولار حسب بعض التقديرات غير الرسمية.

ووسط التكتم الرسمي تتداول أوساط أردنية عديدة أبعاد كثيرة للقضية، حيث لا تستبعد مصادر سياسية ومصرفية أن تمتد القضية لما هو أبعد من موضوع التسهيلات البنكية، مُلمحة إلى احتمال كبير بوجود عمليات غسيل أموال وارتباط مع أطراف ومافيات خارجية؛ نظرًا لضخامة حجم الأموال المستخدمة فيها، وعدم وضوح مصادر الأموال التي بدأ الشركاء بالقضية العمل بها.

كما يمكن الإشارة في هذا السياق إلى ما ذكرته جريدة الشرق القطرية نقلاً عن مصادر أمريكية من أن خيوط هذه القضية كُشفت أساسًا في واشنطن، وعبر تحقيقات أجرتها المخابرات الأمريكية المركزية حول صفقة أجهزة تنصت عالية التقنية من صناعة أمريكية تم تصديرها أصلاً لصالح المخابرات الأردنية بواسطة شركة "غلوبال بزنس" التي يملكها الشمايلة؛ لتكتشف المخابرات الأمريكية أن هذه الأجهزة أعيد تصديرها وبيعها في الأسواق العالمية، خاصة في أسواق جنوب شرق آسيا مثل هونغ كونغ، وتايوان، وتايلاند.

وتتحدث المصادر الرسمية الأردنية عن حدوث عمليات تزوير لأختام دائرة المخابرات العامة، سهلت تقديم التسهيلات للمتهم للشمايلة ربما بتواطؤ من بعض ضباطها، وهو ما سيكشف عنه التحقيق. مؤكدين عدم تورط المخابرات كمؤسسة في هذه القضية التي وضعت ولأول مرة هذا الجهاز الحساس تحت الأنظار.

ارتياح عام

وقد أبدى الشارع الأردني الذي هاله حجم القضية وتداعياتها وطبيعة المشتبهين بالتورط بها ارتياحًا عامًّا لمبادرة الملك بفتح التحقيق بالقضية دون التفات لوزن المتورطين بها، وهو ما شكَّل سابقة إيجابية في محاربة الفساد الذي تختزل ذاكرة الأردنيين منه قضايا كبرى عديدة تم طيّها والتستر عليها، كما حصل في قضية بنك البتراء أواخر الثمانينيات والتي وصل فيها حجم الأموال المختلسة إلى أكثر من 300 مليون دينار (حوالي 422 مليون دولار)، وأدَّت لانهيار الدينار الأردني وضرب الاقتصاد.

وتكاد تجمع مختلف الأوساط الشعبية والسياسية والإعلامية على ضرورة السير بإجراءات التحقيق بالقضية، وكشف تفاصيلها، ومعاقبة المتورطين بها، والتأسيس لنهج جديد في الإدارة العامة للبلاد يحارب الفساد، ويعزِّز من الشفافية التي باتت شرطًا أساسيًّا لتعزيز الاستثمار واستقطابه، خاصة في ظلِّ تركيز العهد الجديد على الاقتصاد، وضرورة انعكاس عمليات إصلاحه ومشاريعه على حياة المواطن العادي.

ويرى الخبراء أن مؤسسات التمويل الدولية التي يراهن الأردن على دعمها تشترط محاربة الفساد وتوفر مبدأ الشفافية، وترفض التعامل مع الدول التي تغيب فيها الشفافية، ويكثر بها الفساد، وتفتقر إلى تشريعات حازمة وإرادة سياسية لوضع حد لمثل هذه الظاهرة.

ويؤكِّد المراقبون أن فتح التحقيق بهذه القضية على أعلى المستويات يعتبر -فضلاً عن كونه رادعًا لأية محاولات فساد جديدة- باعثًا على الاطمئنان لدى مؤسسات التمويل الدولية التي بدأت الإعداد لخطة ثالثة للتصحيح الاقتصادي للأردن. إضافة لانعكاسها على تعزيز ثقة المستثمرين على المدى المتوسط والبعيد، رغم ما قد يكون لها من آثار سلبية على المدى القصير والآني.

الآثار الاقتصادية

يرى المحلّلون الاقتصاديون أن الجهاز المصرفي الأردني والبنوك الأردنية المتضررة، ستكون قادرة على امتصاص الآثار السلبية لهذه القضية من خلال أرباحها المرتفعة نسبيًّا، واحتياطاتها الاختيارية والإجبارية، وتعهد الحكومة بضمان حقوق المساهمين والمودعين، إضافة لتغطية الأملاك المتحفظ عليها رسميًّا لجزء هام من قروض البنوك للمتهمين.

أما فيها يتعلق بانعكاس تداعيات القضية على حركة الأسهم في سوق عمان المالي، فيشير المحللون إلى أنها انعكست عند بداية تكشف خيوطها على انخفاض التداول بالأسهم، خاصة في القطاع المصرفي، ثم توسع الانخفاض ليشمل كل البورصة؛ لتعود الأسهم للانتعاش بعد فتح التحقيق رسميًّا بالقضية وإحالتها للمحكمة وتعزيز مبدأ الشفافية.

لكن المحلِّلين يشيرون إلى أن التداول في بورصة عمان عاد للتراجع. وترجع المصادر ذلك إلى التهديدات الأمريكية الأخيرة بضربة وشيكة للعراق الذي تعلِّق معظم الشركات الأردنية آمالها الاقتصادية بزيادة صادراتها إليه، إضافة لانعكاس تداعيات قضية التسهيلات البنكية على البورصة.

وحسب مصادر سوق عمان المالي، فإن أي استثمار أجنبي لم يدخل للبورصة منذ إثارة قضية التسهيلات البنكية، ويبدو أن لذلك علاقة بالقضية حسب المحللين.

ويرى المراقبون -على المدى البعيد- أن مماطلة الحكومة في التحقيق في القضية، وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الفاسدين في أسرع وقت ممكن سيكون له انعكاس سلبي على الناحية الاستثمارية.

مخاوف وتساؤلات

رغم كل الإجراءات التي تم اتخاذها حيال هذه القضية، فإن هناك مخاوف أبرزها قناعة الكثيرين، خاصة من أوساط المعارضة، أن "غلوبال غيت" قد لا تتصل بمحاربة الفساد إلا بالشكل، وأنها قد تكون مجرد عملية تصفية حسابات بين أطراف ومراكز قوى كبيرة في الأردن، أو بين مركز قوي يريد أن يصفي أو يقلص نفوذ ومواقع مركز قوي آخر. وما يعزِّز هذا الاعتقاد حسب بعض الصحافيين القريبين من أوساط المعارضة هو الغموض الشديد الذي يحيط بتفاصيل القضية برمتها، والذي يسمح بتفسير ما يجري بطرق مختلفة. والغريب هنا أن الديوان الملكي يطرح المسألة، بينما تحاول الحكومة والقضاء -كما أشير في السابق- أن يتكتما عليها، كما أن هناك الكثير من قضايا الفساد، خاصة تلك التي تتصل بالمؤسسات العامة الكبرى، مثل: الخطوط الجوية الملكية الأردنية، وشركة الفوسفات التي لم تمس من قريب أو بعيد، مع العلم أن محاربة الفساد يكون نهجًا عامًّا لا معالجة انتقائية لظواهر معزولة تصيب أشخاصا فقدوا مواقعهم أو ربما مطلوب أن يفقدوها.

من جهة أخرى، تضيف ذات المصادر الصحفية أن المرء لا يستطيع تجاهل فوائد الدعاية الإعلامية من إثارة ما يسمَّى بـ"غلوبال غيت" من جهتين:

- إرضاء الدول والمؤسسات الغربية المانحة للمساعدات والقروض التي تُصِرّ باستمرار على شروط الشفافية في الإدارة الحكومية ومحاسبة المسؤولين، فلا بد من الظهور بمظهر من يسعى أن يلتزم بهذا التوجه على الأقل إذا كانت المساعدات والقروض ستزيد وتستمر.

- اكتساب شيء من المصداقية في الشارع الأردني نفسه عن طريق محاسبة تأتي من جهات عُليا في الوقت الذي تضيق فيه القوانين المؤقتة على حرية الصحافة والعمل السياسي عامة، وتقل فرص المحاسبة الحقيقية أو إمكانية المشاركة في الشؤون العامة، وفي الوقت الذي تؤدي فيه الزيادات المستمرة في الضرائب الملقاة على كاهل المواطنين إلى تصاعد الحنق المكتوم على قضايا الفساد التي يتورط فيها بعض المسؤولين.

- أما سياسيًّا، فإن القنبلة الإعلامية التي أثارتها "غلوبال غيت"، وزوابع الشائعات الناتجة عنها التي لا تزال تفتك بغيرها من الاهتمامات السياسية يمكن أيضًا أن تساهم في صنع متنفس للاختزان الشعبي الأردني الناشئ عن الظروف والضغوط الإقليمية المحيطة بالأردن من المجازر الصهيونية في فلسطين إلى الغرب، إلى احتمالات العدوان الأمريكي الوشيك على العراق إلى الشرق؛ ولذلك فإنه حسب هذه المصادر الصحفية كان لا بد من هذا النمط من التنفيس الإعلامي في الوقت الذي تمنع فيه الحكومة الأردنية التحركات الشعبية المؤيدة للانتفاضة بالقوة، وتحاول إيجاد صمامات أمان تخفف من هذا الاحتقان بتوجيه الأنظار إلى الداخل، وبطمأنة الأردنيين أن هناك من يتابع ويراقب ويحاسب ويضع الأمور في نصابها الصحيح.

ويبقى أن ما سيحسم الشكوك والتساؤلات حول توقيت وطريقة إثارة فضيحة "غلوبال غيت" هو:

1- هل ستتم متابعة القضية إلى نهايتها، أم سيتم لفلفتها كما حدث مع غيرها من القضايا؟

2- هل ستُكشف تفاصيل التحقيق للجمهور الأردني؟ وهل ستتاح له الفرصة ليبدي رأيًا فيها باعتبارها قضية عامة، أم أنها ستبقى نهبًا للشائعات المكبوتة والأقاويل التي تقبل تأويلات متعددة؟

3- هل ستتم معاقبة المسؤولين الكبار المتورطين في القضية، أم ستلقي أوزارها على مجموعة من كباش المحرقة الصغار؟

4- هل ستصبح هذه القضية جزءاً من نهج عام يميز مؤسسة الحكم ويطال قضايا الفساد الأخرى واحدة واحدة، أم ستبقى حدثًا عابرًا يخدم لحظة سياسية وإعلامية وإقليمية محددة؟

5- هل ستفتح هذه القضية الباب للمواطن الأردني كي يتمكن من محاسبة المسؤولين في الأجهزة الأمنية على تجاوزاتهم الأخرى، أم أن المحاسبة ستبقى ضمن حدود التجاوزات المالية وحدها؟

هذه أسئلة لا نستطيع معرفة الأبعاد الحقيقية لقضية "غلوبال غيت" دونها، لكنها تبقى بلا إجابات..

ألقى فتح هذا الملف من قبل العاهل الأردني حجرًا في المياه الراكدة للحياة السياسية الأردنية، ويبدو أن أحدًا حتى مَن أمر بفتح التحقيق لا يعرف المدى الذي سيصل إليه ذلك الحجر.. أو أي رؤوس سياسية ومراكز قوى سيطيح بها.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع