|
لو
فرضنا أن مصر قررت قطع علاقاتها
الاقتصادية مع الولايات المتحدة
الأمريكية بسبب الطريقة المهينة التي
يتحدث بها الأمريكان عن معونتهم لمصر
ووضع العديد من القيود على الصادرات
المصرية فما الذي يمكن أن يحدث؟
وما
هي انعكاسات هذا القرار على مصر في
الأجلين القصير والطويل، وما هو رد فعل
الولايات المتحدة الأمريكية المتوقع
واحتمالات تغييره لسياساتها في
المنطقة؟
سوف
نلقي الضوء على هذا القرار (المتخيل) من
زاوية اقتصادية بحتة، والانعكاسات على
كلا من الطرفين المصري والأمريكي…
القرار
المصري.. طفح الكيل
حرصت
الحكومات المصرية المتعاقبة على إقامة
علاقات اقتصادية متوازنة بقدر الإمكان
مع الولايات المتحدة الأمريكية..
وغالبًا ما كانت هذه الحكومات تحاول
الوفاء بالشروط الأمريكية لتواصل هذه
العلاقات وتطويرها في مختلف مكوناتها،
من المعونات المالية والفنية إلى
التبادل التجاري وتدفق الاستثمارات،
وغيرها من مفردات العلاقة.. وذلك طالما
كانت هذه الشروط في حدود المقبول.
وفي
مقابل ذلك كانت الإدارات الأمريكية
المتعاقبة -باستثناء الإدارة الحالية-
تحافظ على بعض الخصوصيات المصرية في
مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية،
حيث كانت تؤمن بمقولة الرئيس الأمريكي
الأسبق "كيندي": "على الولايات
المتحدة الأمريكية أن تكون حساسة تجاه
توجه مصر للاستفادة من وضعها المحوري
لتطوير اقتصادها ودورها الإقليمي".
واتسمت
علاقات البلدين منذ السبعينيات، وحتى
انتهاء فترة الرئيس "كلينتون"
بتوفر عوامل التعايش رغم الاختلافات
الكثيرة في وجهات النظر.
لكن
بعد دخول إدارة الرئيس بوش الابن إلى
البيت الأبيض تغيرت الأمور، حيث لم
تَعُد هذه الإدارة تؤمن بتلك المقولة
السابقة.. وقامت هذه الإدارة بالضغط على
مصر بكل ما لديها من إمكانيات، وفي شتى
المجالات الاقتصادية والسياسية، وهي
الضغوط التي لم تتجاوب معها مصر؛ ومن
هنا كان التفاوت الكبير في وجهات نظر
البلدين، خاصة أثناء الزيارة الأخيرة
للرئيس المصري إلى واشنطن.
ويمكن
حصر تباين وجهات النظر بين الدولتين في
المجالات التالية:
-
مماطلة الولايات المتحدة الأمريكية في
الموافقة على الدخول مع مصر في مفاوضات
لإنشاء منطقة تجارية حرة ثنائية على
غرار المنطقة التي تم إقامتها مع
الأردن، حيث تضع الولايات المتحدة
الأمريكية بعض الشروط في هذا المجال،
ومن أهمها شرط "المناطق الحرة
المؤهلة"، التي تطالب أن تقوم مصر
بإنشائها مع "إسرائيل".. وكذلك
مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية
لمصر بإدخال العديد من التعديلات
التشريعية والإصلاحات الاقتصادية..
يضاف إلى ذلك تزايد رفض أعضاء الكونجرس
الأمريكي لعقد مثل هذا الاتفاق مع مصر.
-
لجوء الولايات المتحدة بين الحين
والآخر إلى اتخاذ إجراءات تعسفية ضد
الصادرات التي تتمتع مصر فيها بمزايا
نسبية، مثل الملابس الجاهزة، والغزل
والمنسوجات، والسيراميك، والخضراوات،
والفواكه المجمدة، حيث تقوم الولايات
المتحدة الأمريكية باستخدام معايير
المواصفات القياسية التعسفية أو معايير
الحفاظ على البيئة، أو معايير الصحة
والسلامة، إلى جانب أسلوب الحصص، وذلك
لعرقلة دخول مثل هذه الصادرات المصرية
إلى أسواقها.. كما رفضت الولايات
المتحدة الأمريكية إعطاء مزايا تجارية
لبعض السلع المصرية عندما تقدمت مصر
بطلب في هذا الشأن يضم قائمة بهذه السلع.
-
اعتراض مصر على التحفظات التي تبديها
الولايات المتحدة الأمريكية على مناخ
الاستثمار في مصر، حيث تتهم الولايات
المتحدة مصر بأنها لا توفر ضمانات
لحماية حقوق الملكية الفكرية بدرجة
كافية، وأن مصر ليس لديها شفافية في
مجال المعلومات الخاصة بالاستثمار أو
بالمناقصات وعمل البنوك والشركات.. كما
تطالب مصر بتعديل إجراءات التقاضي
وفضِّ المنازعات حول القضايا
الاقتصادية، كما تطالبها بخفض الرسوم
الجمركية وإزالة البيروقراطية في مجال
التجارة والاستثمار، وكل هذه مطالبات
لا ترى مصر أنها منطقية من جانب
الولايات المتحدة الأمريكية.
-
تصعيد الاتهامات المتبادلة بين رجال
الأعمال من الطرفين، حيث يتهم رجال
الأعمال المصريون الولايات المتحدة
بأنها أول دولة في العالم تتفنن في
أساليب الحماية التجارية لمنتجاتها،
وذلك منذ ما يزيد على 200 عام، وأنها
تستخدم في ذلك ترسانة كبيرة من القوانين
الداخلية، أخطرها ما يعرف بالسوبر 301
الذي يخول للرئيس الأمريكي أن يتخذ
إجراءات تعسفية ضد الدول التي يرى أنها
لا تتوافق مع الشروط الأمريكية في
العلاقات الاقتصادية، وخاصة التجارة..
وقد عمل هذا الاتهام على إثارة حفيظة
الولايات المتحدة، واتهامها لرجال
الأعمال المصريين بالتراخي وعدم
الكفاءة؛ لأنهم لا يستغلون الفرص
المتاحة لديهم في الأسواق الأمريكية،
وخاصة في مجال المنسوجات والسلع
الزراعية، وذلك من خلال الاستفادة من
النظام الأمريكي المعمم للتفضيلات.
-
تفاوت وجهات النظر بين البلدين بشأن
موضوع المعونات التي تقدمها الولايات
المتحدة الأمريكية لمصر، حيث تُصِرّ
الولايات المتحدة على أن المعونات التي
تمنح في صورة سلع وأسلحة أمريكية تنقل
على سفن أمريكية، وأن تستعين مصر في
المشروعات التي تمولها هذه المعونة
بالخبراء الأمريكيين، وهو الأمر الذي
جعل مصر تصارح الولايات المتحدة
الأمريكية بأن هذه المعونات هي في
الحقيقة "معونات للولايات المتحدة
الأمريكية وليست لمصر".. كما تعترض
مصر على سلوك الولايات المتحدة في مؤتمر
الدول المانحة الذي عقد في شرم الشيخ في
فبراير 2002م لمساندة الاقتصاد المصري
بعد 11 سبتمبر، حيث فضلت الولايات
المتحدة الأمريكية أن يتم منح هذه
المعونات تحت مظلة صندوق النقد الدولي،
وليس مباشرة بين البلدين، كما تعترض مصر
على استخدام هذه المعونات لتغيير مناهج
التعليم في المدارس والجامعات المصرية،
وخاصة جامعة الأزهر التي ترى أمريكا
أنها تدعم الفكر الإرهابي.
فطام
الاقتصاد عن "ماما أمريكا"
يثير
القرار المصري المشار إليه سؤالاً
مهمًّا وهو: ماذا ستخسر مصر من جراء
هذا القرار؟
رغم
أن هذا القرار سيكون له تداعياته في
الأجلين القصير والطويل على الاقتصاد
المصري، وعلى مجمل العلاقات الاقتصادية
الخارجية لمصر، فإنه يمكن رصد أهم
ملامح هذه الخسائر في الآتي:
-
ستفقد مصر شريكًا تجاريًّا هامًّا
بالنسبة لتجارتها الخارجية، والذي
يستوعب حوالي 11% من تجارة مصر الخارجية،
وقد يضرّ ذلك بالشركات التي تعتمد على
الأسواق الأمريكية بدرجة كبيرة في
مجالي الاستيراد والتصدير، إلا أن هذا
لا يمنع أن هناك إمكانية لتعويض هذه
الأسواق، من خلال مزيد من التواصل
المصري مع الشركاء الآخرين، مثل
الأسواق العربية والأفريقية، والاتحاد
الأوروبي، واليابان… الأمر الذي قد
يتقلص معه عجز الميزان التجاري المصري
ككل.
-
ستفقد مصر مصدرًا هامًّا لتمويل
مشروعاتها، وهو المعونات الأمريكية
التي تصل إلى 600 مليون دولار سنويًّا في
المجال الاقتصادي، وحوالي 1.3 مليار
دولار معونات عسكرية.. هذا إلى جانب
خسارة مصر للمبالغ التي تعهّدت بها
الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر
شرم الشيخ، وهي حوالي 1.854 مليار دولار
إلى جانب نحو 959 مليون دولار تعهدت بها
الولايات المتحدة لمصر بعد أحداث 11
سبتمبر.. وقد تؤثر الولايات المتحدة على
الدول الأخرى حتى لا تفي بتعهداتها
لمصر، وحتى تتعقد علاقات مصر مع الصندوق
والبنك الدوليين.. ورغم ذلك فإن هذا لا
يمنع من أن مصر يمكن أن تتجه إلى
الاعتماد على نفسها، والتمويل الذاتي
لبرامجها التنموية من الآن، وقبل أن
تتوقف هذه المعونات بقرار أمريكي أو تصل
إلى الصفر في ظلِّ برنامج التخفيض
السنوي لهذه المعونات بنسبة 5% والذي بدأ
بالفعل وينتهي في عام 2009م.
-
ستفقد مصر جزءاً من الاستثمارات
الأجنبية، والمتمثل في الشركات
الأمريكية التي تعمل في مصر، حيث تبلغ
الاستثمارات الأمريكية في مصر نحو 3
مليارات دولار، منها 1.5 مليار دولار في
قطاع البترول، وقد يؤثر ذلك على تسريح
بعض العمال من هذه الشركات.. ولكن هذا لا
يمنع من أن مصر سوف تتخلص من خطورة بعض
الشركات الأمريكية التي تعمل في
الأسواق المصرية، والتي تركز على تغيير
الأنماط الاستهلاكية للمواطن المصري
وتغيير الثقافة والخصوصيات المصرية،
وخاصة في مجال الأغذية والوجبات
الجاهزة والدعاية والإعلام… إلى جانب
ذلك سوف تتخلص مصر من خطورة حوالي 600
مليون دولار أمريكي استثمارات في أوراق
مالية تمثل أموالاً ساخنة قد تستخدم
لإحداث هزة في البورصة المصرية وفي
الاقتصاد المصري عمومًا.
استهانة
بالقرار
ولكن
ماذا سيكون رد الفعل الأمريكي على مثل
هذا القرار المصري خصوصا أن الولايات
المتحدة الأمريكية كعادتها لا تقبل
الخلاف الحاد معها؟
بالطبع
قد تُسارع الولايات المتحدة الأمريكية
بتجميد كافة البرامج والمشروعات التي
تنفذ بالتعاون مع مصر، وكذلك تجميد
السحب من الأرصدة المخصصة كمعونات لمصر
في المجال الاقتصادي والعسكري، مع
تزايد الأصوات المطالبة من داخل
الكونجرس بتحويل هذه المعونات إلى
إسرائيل ودول عربية أخرى أكثر صداقة
للولايات المتحدة مثل الأردن.
هذا
إلى جانب زيادة تحركات الولايات
المتحدة داخل المؤسسات الدولية لممارسة
ضغوط على مصر من ناحية، والضغط على بعض
هذه المنظمات لمضايقة مصر، وذلك من خلال
مؤسسات "تصنيف الدول" التي يمكنها
إصدار تقارير تصنف مصر بأنها دولة خطرة
بالنسبة للاستثمارات والقروض، وكذلك من
خلال منظمات حقوق الإنسان لاتهام مصر
بأنها دولة تنتهك حقوق الإنسان، وأنها
تسعى إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل،
وأنها دولة ترعى الإرهاب، وهذا يعني أن
مصر قد تصبح في وقت قريب في القائمة
السوداء للإرهاب، أو في قائمة الدول
المارقة أو تنضم لدول محور الشر.
وبعد
هذه التداعيات تبدأ محاولات الإدارة
الأمريكية لإعادة صياغة سياساتها في
المنطقة، والتي ستفقد فاعليتها
ومصداقيتها بدون مصر.. كما أن سياستها
تجاه الدول العربية، وتجاه منطقة
الخليج، وإيران، وليبيا، والسودان قد
تذهب أدراج الرياح بدون كسب الود المصري.
أما
على الصعيد المصري، وفي إطار قيام مصر
بإعادة صياغة علاقاتها تجاه الدول
العربية، وتجاه إيران، والسودان،
والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا
يتبين أن أي خسائر اقتصادية قد تهون
أمام ما ستحصل عليه مصر من زيادة
التواصل مع هذه الدول، وأنها قد خسرت
الكثير طوال سنوات العسل التي شهدتها
علاقاتها مع الولايات المتحدة
الأمريكية. |