|
تناقلت
وسائل الإعلام في فبراير 2002 خبرين "مغربيين"
بالغيْ الأهمية: الأول هو إعلان المغرب
توقفها عند المرحلة الثالثة من تطبيق
البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى بسبب المشاكل
التي تواجهها تجارتها الخارجية مع
البلدان العربية الأخرى. أما الثاني فهو
انضمام المغرب إلى منطقة التجارة الحرة
الرباعية التي تشمل مصر وتونس والأردن،
وتأتي أهمية الخبرين من التناقض الخفي
بينهما؛ فالمدقق فيهما يثار عنده
التساؤل: لماذا تعترض المغرب على منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى؟ وإذا
كانت قد تضررت من عضويتها بهذه
الاتفاقية العربية الجماعية؛ فلماذا
تنضم إلى هذه الاتفاقية الرباعية مع مصر
وتونس والأردن؟
الإجابة
تحاول السطور التالية أن تسوقها ببساطة
لكي نتبين حقيقة الأمر.
صدمة
عربية
على
الرغم من أن الدول العربية أقرت
البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى بعد قرار المجلس
الاقتصادي العربي في فبراير 1997 فإن
المغرب لم تنضم رسميًّا إليها إلا في 30
يناير عام 2000، وقامت وفقًا لذلك بإيداع
هيكل التعريفة الجمركية وتخفيض الرسوم
الجمركية بنسبة 10% سنويًّا؛ أي أن
المغرب في أول يناير 2002 تكون قد نفذت
ثلاث مراحل من التخفيض، وخفضت 30% من
التعريفات الجمركية، وهذا رغم أن نسبة
التخفيض الجمركي التراكمية للمنطقة
الحرة عمومًا قد وصلت إلى 50% في ذلك
التاريخ بالنسبة للدول العربية التي
انضمت إليها، وهي 20 دولة عربية (باستثناء
جيبوتي وجزر القمر).
لوحظ
سابقا أن المغرب بدأت تعلن صراحة
اعتراضها على بعض الجوانب الخاصة
بمنطقة التجارة العربية الكبرى، ولكن
لم يكن من المتوقع أن يصل الأمر لدرجة أن
تعلق الالتزام بها، وهو القرار الذي
قوبل بصدمة من جميع الأوساط الاقتصادية
والسياسية العربية إذ إنه الأول من نوعه
في تاريخ منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى، وفجر ذلك العديد من المشاكل
التي كانت بمثابة نيران تحت الرماد.
أسباب
منطقية
ساقت
المملكة المغربية العديد من الأسباب
لتبرير هذا القرار، حيث أوضحت إنها لم
تتخذه رفضا للتواصل مع التكامل
الاقتصادي العربي وتفضيل التوجه نحو
أوروبا عليه، ولكنها اتخذته بسبب ما كشف
عنه التطبيق العملي للبرنامج التنفيذي
للمنطقة الحرة العربية الكبرى من عدم
عدالة المنافسة بين الدول العربية،
والتي ألحقت بها العديد من الأضرار
التجارية والصناعية، ويمكن تلخيص
الأسباب التي تقف وراء القرار المغربي
في الآتي:
1-
الشكوى المغربية المتكررة من عدم مقدرة
منتجاتها على المنافسة مع منتجات بعض
الدول العربية خاصة منتجات دول الخليج
التي تتلقى دعمًا من حكوماتها بصور
مختلفة، وهو ما يؤثر على هيكل التكاليف،
ويؤدي إلى الاختلال بين التكاليف التي
تتحملها المنتجات المغربية والتكاليف
التي تتحملها المنتجات المماثلة في دول
الخليج، وهو الأمر الذي يحسم المنافسة
لصالح الأخيرة.
2-
تعرض الصادرات المغربية للعديد من
العراقيل والمشاكل عند دخولها إلى
أسواق الدول العربية، حيث توضح السلطات
المغربية أن هذه العراقيل هي في الأساس
غير جمركية تتمسك بها الدول العربية رغم
أن المغرب قد ألغت مثل هذه العراقيل
لتسهيل دخول الصادرات العربية إلى
أسواقها.
3-تخوف
المغرب من تزايد العجز في الميزان
التجاري مع الدول العربية بسبب القيام
بمزيد من تخفيض الرسوم الجمركية، حيث
بلغ إجمالي العجز في الميزان التجاري
المغربي حوالي 3.42 مليارات دولار عام 2000 (بلغت
الصادرات حوالي 7.21 مليارات دولار في حين
بلغت الواردات حوالي 10.63 مليارات دولار
في نفس العام).
4
- اعتراض المغرب على طريقة التصويت
المعمول بها حاليًّا عند اتخاذ
القرارات المتعلقة بمنطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى التي تعتمد على
اشتراط موافقة ثلثي الدول الأعضاء،
وتطالب المغرب بالعودة إلى العمل بنظام
الإجماع عند اتخاذ هذه القرارات، وذلك
لأن النظام الحالي يضر بمصالح بعض الدول
العربية ومنها المغرب.
5
- استياء المغرب من عدم تلقي أي رد من
جانب الأمانة العامة لجامعة الدول
العربية على الشكوى التي تقدمت بها إلى
الجامعة بشأن هذه المعوقات المشار
إليها.
دعم
غير مباشر
الحديث
عن الدعم الذي تحصل عليه بعض الصناعات
في بعض الدول العربية خاصة دول الخليج
يحتاج إلى بعض التفسير، حيث إنه كان
قائمًا وقت الاتفاق بشأن البرنامج
التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة
العربية، ولم يتم وضع آلية للتغلب على
الاختلال في هيكل التكاليف الناجم عن
هذا الدعم، والأمر يكمن ببساطة في أن
الصناعات في دول الخليج تحصل على دعم
غير مباشر مقارنة بالدول العربية
الأخرى مثل المغرب، ويمكن أن نراه بوضوح
من خلال الجدول التالي:*
|
الأعباء
المحملة على العملية الإنتاجية |
دول
الخليج العربي (متوسط) |
بقية
الدول العربية (متوسط) |
|
الأرض
التي تقام عليها المصانع |
حوالي
5 دولارات مقابل انتفاع للمتر المربع |
حوالي
50 دولار للمتر |
|
تكاليف
توصيل المرافق للمصانع |
تتحملها
الحكومات |
يتحملها
المصنع |
|
تكاليف
إعادة تدوير المخلفات مثل المياه |
تتحملها
الحكومات |
يتحملها
المصنع |
|
أسعار
الطاقة: |
|
الغاز
الطبيعي |
2
دولار لكل 100متر مكعب |
حوالي
3 دولارات لكل 100 متر |
|
السولار |
5
سنتات للتر |
50
سنتا للتر |
|
البنزين |
20
سنتا للتر |
س80
سنتا للتر |
|
الرسوم
الجمركية على الآلات والمعدات |
صفر
% |
ما
بين 5% إلى 45% |
|
الرسوم
الجمركية على مستلزمات الإنتاج |
ما
بين 12% إلى 20% |
ما
بين 5% إلى 45% |
|
ضريبة
المبيعات أو القيمة المضافة |
لا
توجد |
ما
بين 5% إلى 10% |
|
أسعار
الفائدة على القروض |
ما
بين صفر إلى 4% |
ما
بين 15% إلى 17% |
|
ضرائب
على الأرباح |
2.5%
كزكاة على صافي الأرباح |
ما
بين 30% إلى 50% |
الخلاصة
أن اختلاف هياكل التكاليف التي يتحملها
الإنتاج بين البلاد العربية أدت إلى
ظهور الحاجة لدى بعض الدول العربية
لحماية منتجاتها الوطنية من المنافسة
غير العادلة مع دول الخليج العربي، وهو
ما لجأت إليه المغرب لتفجر هذه القضية
الخطيرة التي نبه إليها بعض رجال
الأعمال المصريين في بداية العمل
بقواعد منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى، وكان الأمر يقتضي وضع آلية
للتغلب على ذلك، إلا أن شيئا من ذلك لم
يتم.
التنمية
أم التكامل؟
يعتبر
القرار المغربي في غاية الخطورة، وذلك
من حيث تأثيره على مستقبل منطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى، ويمكن إرجاع
هذه الخطورة إلى عدة أسباب أهمها:
*
القرار المغربي بتعليق الالتزام
ببرنامج منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى يعتبر هو الأول من نوعه في تاريخ
هذه المحاولة للتكامل الاقتصادي
العربي، والتي من المتوقع أن تكتمل في
عام 2007.
*
القرار يفجر محل خلاف عربي عميق وقديم،
وهو اختلاف هياكل الإنتاج والتكاليف
بين البلدان العربية، وذلك إما بسبب
اختلاف السياسات الاقتصادية بين الدول
العربية، وإما بسبب تفاوت درجات
التنمية بين تلك الدول، ولذلك فإن هذا
القرار يثير من جديد قضية "التنمية
والتقارب الاقتصادي قبل التكامل العربي"،
أو "التكامل الاقتصادي العربي من أجل
التقارب في مستويات التنمية".
*
القرار المغربي قد يشجع دولا عربية أخرى
تعاني من نفس المشاكل على اتخاذ قرارات
مماثلة، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى
تأخير وصول العرب إلى منطقة تجارة حرة
خاصة بهم، أو قد يؤدي إلى انفراط عقد هذه
التجربة العربية تماماً في حالة حدوثه،
والدول العربية المرشحة لذلك هي مصر
والأردن وتونس والسودان وسوريا.
*
تأكيد ضعف آلية فض المنازعات التجارية
في إطار جامعة الدول العربية، وظهور
الحاجة الملحة إلى التفعيل المؤسسي
لجامعة الدول العربية وما يتبعها من
مؤسسات ولجان وكيانات لتكون قادرة على
سرعة التعامل مع مثل هذه القضايا.
*
لجوء مجموعات من الدول العربية إلى
تكوين مجموعات صغيرة فرعية أو ثنائية
لتحرير التجارة، مثل المجموعة الرباعية
التي أعلنت عن الاتفاق على تحرير
التجارة بينها، وهي مصر وتونس والمغرب
والأردن، وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى
تعدد المسارات العربية لتحرير التجارة
وتعقدها أكثر وأكثر، حيث ترى المغرب على
سبيل المثال أن مثل هذه المجموعات
تتشابه فيما بينها من حيث هيكل التكاليف
والظروف الاقتصادية، ويمكن تحرير
التجارة فيما بينها تمهيداً للاندماج
في المجموعة العربية الرئيسية، ورغم
وجاهة ذلك إلا أن هذا في حالة حدوثه يطيل
الفترة اللازمة لتكوين تكتل اقتصادي
عربي، ويجعل هذا التكتل يدخل في دائرة
مغلقة من "الفك والتركيب وإعادة الفك
والتركيب".
اقرأ
أيضًا:
*
الجدول تم إحصاؤه بمعرفة الكاتب.
|