بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المنطقة الحرة كانت تنتظر رصاصة الرحمة

"بورسعيد" المصرية.. ضحية 11 سبتمبر والجات معا!

2002/01/14

محمد جمال عرفة - القاهرة

تجار بورسعيد يحملون الرايات السوداء

لم تكن الاضطرابات والمظاهرات العنيفة التي قام بها قرابة 1700 من تجار وأهالي مدينة بورسعيد المصرية ـ التي تُطل على قناة السويس يوم الإثنين 7 يناير الماضي، والتي انتهت بمصادمات مع الشرطة واعتقال حوالي 140 ومحاكمة عدد منهم بعدما أحرق المتظاهرون منشآت حكومية ـ ردَّ فعلٍ على صدور قرارات حكومية مصرية ستؤدي لإنهاء عمل المنطقة الحرة بالمدينة بعد ربع قرن من إنشائها، بقدر ما كان نتيجة مباشرة لأحداث 11 سبتمبر وما تبعها من حملة عسكرية أمريكية، كما كان نتيجة مباشرة لاتفاقيات الجات الخاصة بالتجارة الحرة، والتي بدأ تنفيذها من يناير الجاري 2002، وستفتح بموجبها الأسواق المصرية أمام طوفان السلع الآسيوية والغربية.

فقبل ربع قرن أنشأ الرئيس المصري الراحل السادات المنطقة الحرة بالمدينة كنوع من التحول في الاقتصاد المصري من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق، ومكافأة للمدينة الباسلة التي استعصت على العدوان الصهيوني وفشل الإسرائيليون في احتلالها عام 1973 رغم حصارها وتجويعها عدة أسابيع.

ولم يمض على إنشاء المدينة سوى خمس سنوات حتى كانت مصر كلها قد تحولت إلى (سوق حرة) بفعل السلع المهربة من هذه المدينة برا وبحرا إلى كافة المدن المصرية بداية من المنظفات وانتهاء بقطع الغيار والملابس وغيرها، حتى أصبحت هناك أسواق على غرار بور سعيد في العديد من المدن المصرية، وأصبحت كلمة ( بورسعيد) ماركة مسجلة تعني أن السلعة مستوردة.

وقد حذر العديد من خبراء الاقتصاد من مخاطر هذا الانفتاح غير المدروس، وطالبوا أن تتحول المدينة إلى مدينة صناعية لا تجارية على غرار دبي التي بدأت رحلتها بعد بورسعيد، ولكنها تفوقت عليها وأصبحت منطقة صناعية وتجارية معا، وكانت أغلب التحذيرات تدور حول خطورة السلع المهربة على المنتج الوطني المصري خصوصا صناعة الغزل والنسيج والملابس، والصناعات اليدوية وغيرها.

وبدأت العديد من المصانع المصرية تشكو الركود نتيجة منافسة المنتج الأجنبي الأرخص والأجود لها، بل وأفلست العشرات من شركات النسيج ومصانع الملابس، كما تأثر الميزان التجاري المصري بشدة، وبدأت معه رحلة انخفاض قيمة الجنية المصري الذي خسر تقريبا 100% من قيمته؛ حيث كان الدولار يعادل جنيهين ونصفا منذ نحو عشرين عاما، ولكنه الآن تعدى أربعة جنيهات ونصف.

وقد أثر هذا الانفتاح على النسق القيمي في المجتمع المصري أيضا، حتى بات الربح السريع عن طريق تجارة تهريب السلع من بورسعيد أمل الكثير من الأسر والشباب وسط موجة عامة من الانفتاح الاقتصادي والسياسي (السلام مع "إسرائيل" وبدء تدفق المعونة الأمريكية).

كما هاجرت الكثير من الأسر للعمل هناك في مجال التجارة، وتحولت محال تجارية وأصحاب حرف يدوية عريقة إلى التجارة في مهربات بورسعيد؛ وهو ما قضى على العديد من الحرف المصرية الشهيرة بعضها لا يزال يراه المصريون في الأفلام السينمائية القديمة، ولكنه اندثر عمليا مثل تجارة العطور الشهيرة في الموسكي (وسط القاهرة)، وحرف صناعة النقوش والموبيليا، وصناعة الأزياء الشعبية كالجلباب (فالجلباب الصيني أغرق الأسواق) والعباءات، إضافة إلى حرف قديمة أخرى عديدة.

لعنة أمريكا!

وقبل تفجيرات 11 سبتمبر وما أعقبها من حملة عسكرية أمريكية، وما تبع من ركود اقتصادي في العالم كله اكتوت بناره مصر ضمن دول عديدة بعدما خسرت قرابة 3 مليارات دولار دفعة واحدة من مواردها بسبب تضرر السياحة وأسعار البترول والتجارة الخارجية، كان الاقتصاد المصري يعاني طبيعيا من حالة من الركود الاقتصادي، ومدينة بورسعيد كانت تحتضر تقريبا؛ حيث بدأت تجارتها الرائجة في الذبول منذ خمس سنوات بسبب ارتفاع أسعار منتجاتها مع الارتفاع المتتالي لسعر الدولار، ومن ثم انخفاض القدرة الشرائية للجنيه المصري، وفتح العديد من شركات الملابس العالمية فروعا لها في القاهرة.

ولذلك لم يكن ينقص المدينة سوى "رصاصة الرحمة" التي أطلقتها الحكومة المصرية ضمن خطط لاحتواء حريق الركود والانهيار الاقتصادي من توابع 11 سبتمبر والحملة الأمريكية، وقررت بموجبها زيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة المباعة في المدينة بنسب فلكية تضاعف سعر "البدلة الرجالي" مثلا إلى 150% و"الفستان الحريمي" إلى 200%، وقالت بوضوح: إن ذلك ضمن خطط إلغاء المدينة الحرة ككل بعد ربع قرن من إنشائها.

ولم يكن سرا أن قرارات رفع الرسوم الجمركية على العديد من السلع المستوردة خاصة المنسوجات والملابس كانت متوافقة مع بدء تطبيق مصر اتفاقات الجات التي حصلت مصر معها علي إعفاء من فتح أسواقها للمنتجات الأجنبية لمدة خمس سنوات انتهت مع بداية 2002، وكان لا بد من صدور مثل هذه القرارات لحماية ما تبقى من الصناعة المصرية في مجالات عديدة هي في أشد الحاجة في هذا التوقيت تحديدا للحماية لتوفير العملة الصعبة للحكومة المستنزفة في شراء سلع مستوردة كاملة الصنع والمتوقع زيادتها مع فتح الأسواق على مصراعيها.

ولأن تجار مدينة بورسعيد خصوصا في منطقة الحي التجاري (تجار العربات الصغيرة) التي يلجأ لها عامة الشعب لرخص منتجاتها المستوردة نسبيا مقارنة بالحي "الإفرنجي" (أصحاب المحلات الكبيرة )، كانوا أكثر المتضررين من حالة ركود الأسواق، كما أن زيادة الرسوم الجمركية سوف تقضي على تجارتهم تماما - فقد كان من الطبيعي أن تثير الرسوم الجمركية الجديدة وإعلان المسئولين المصريين عن إلغاء المدينة الحرة تدريجيا ثائرتهم خصوصا أن الأمر جرى على عجل، ولم تراعِ الحكومة المصرية تأثير القرارات على أحوالهم، في الوقت الذي يشكو العديد منهم – كما قالوا - من ديون تثقل كاهلهم، ويعتبرون هذه القرارات الأخيرة بمثابة أحكام بالموت عليهم؛ ولهذا لم تفاجئ مظاهراتهم العنيفة خبراء الاقتصاد والمتابعين لأحوال المدينة الحرة، ولم تكن صدفة أن يستهدفوا في مظاهراتهم مقرات مبنى المحافظة والغرفة التجارية، ويلقوا عليها الحجارة وكرات النار وهم يرفعون الرايات السوداء، ويحملون نعشا مكتوبا عليه "المنطقة الحرة".

ويبدو أن اعتياد أهالي مدينة بورسعيد على حرق دمى لرموز الاحتلال الإنجليزي لمصر (الجنرال اللينبي) أو للقادة الصهاينة (شارون ونتنياهو وباراك) في عدد من المناسبات أبرزها العيد القومي للمدينة وموسم شم النسيم، سهل مسألة قيامهم بمظاهرات غاضبة وإشعال حرائق؛ وهو ما دفع الشرطة المصرية لاعتقال عدد كبير من المتظاهرين الغاضبين الذين يدفعون ثمن حرب الإرهاب الأمريكية وبدء عصر الجات.

وقد بدأت المظاهرات مساء الأحد 8/1/2002 عقب مباراة لكرة القدم بالمدينة خرج منها متظاهرون بهتافات ضد القرارات الاقتصادية الأخيرة؛ حيث شارك 1500 تاجر في مدينة بور سعيد في المظاهرات، ورشق المتظاهرون المباني الحكومية والسيارات بالحجارة؛ احتجاجا على فرض الضريبة على البضاعة المستوردة.

واستمرت المظاهرات في اليوم التالي بعدما أغلق التجار محلاتهم كنوع من الإضراب والاحتجاج وأجبروا من فتحوا محلاتهم على الإغلاق، وهو ما اضطر الأمن المصري إلى إرسال عشرات الشاحنات المحملة بقوات الأمن للسيطرة على موجة الغضب قبل أن تمتد لباقي التجار، وبدأت حملة للتعريف بحقيقة القرارات الاقتصادية، وأن الهدف ليس إلغاء المدينة الحرة بقدر ما هو تحويلها إلى مدينة صناعية حقيقية وليس تجارية فقط، تبعها مناقشات حامية في البرلمان المصري بعدما تقدم نواب المدينة بأسئلة وطلبات للحكومة حول قراراتها الاقتصادية الأخيرة.

السبب.. الجمارك العالية

وقد استطلعنا رأي بعض سكان بورسعيد حول أسباب عنف المظاهرات فقالوا: إن النسبة العالية للرسوم الجمركية هي السبب؛ حيث تزيد الجمارك على بعض الواردات من الملابس بنسبة 700 %!

وقالوا: إن إعفاء زوار بورسعيد التي تعيش أساسا على النشاط التجاري من دفع الرسوم الجمركية على خمس قطع من الملابس سنويا لا يحل المشكلة. وضربوا أمثلة على ارتفاع الرسوم الجمركية كفرض رسوم جمركية تعادل 1400 جنيه (300 دولار) على الفستان الحريمي وألف جنيه (200 دولار) للبدلة الرجالي، و800 جنيه للأطفال، وألف جنيه للمعطف الرجالي والجاكيت النسائي، والجيب الحريمي 250 جنيها، والقميص الرجالي 150 جنيها، والبنطلون 300 جنيه، وهو ما يعني وقف البيع تقريبا، ومنع الاستيراد وإغلاق محلاتهم التي تعمل في هذا المجال منذ 25 عاما.

بورسعيد ليست ضحية قرارات اقتصادية فقط، ولكنها ضحية الحرب الأمريكية كذلك والجات، وهناك بور سعيد أخرى ستظهر مع اشتداد حدة أزمة الركود في العالم ومع تواصل حملة "الإرهاب".

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع