 |
|
المواطن الاندونيسي يتحمل عبئ فشل السياسات الاقتصادية |
راقب
خبراء أندونيسيون الفوضى التي
عمَّت الأرجنتين خلال
الأسابيع الماضية بمنظار
مختلف عن غيرهم والتي أسقطت 4
رؤساء في أسبوعين!؛ ذلك لأنهم
يعتبرون الفقر والبطالة
والانهيار المالي في البلد
اللاتيني، وما نتج عن مجموعها
تحذيرًا لأندونيسيا من
الاعتماد على صندوق النقد
الدولي، معتقدين أن ثورة شعب
الأرجنتين الاقتصادية تقدم
دروسًا تنبيهية لحكومتهم، حول
كيفية التعامل مع المؤسسة
الغربية الدولية، بل وإشارة
بضرورة التخلي عن الصندوق.
لنَعُد
أولاً إلى كلام الاقتصاديين
حول قروض صندوق النقد سابقًا
لنجد تحذيرات عديدة من
احتمالات فشل الصندوق في تخفيف
حدة الأزمة الآسيوية قبل 4
سنوات؛ فسياسات الصندوق
الحالية في أندونيسيا هي
استمرار لمنهجه في بداية
الثمانينيات عندما فرض مع
البنك الدولي برامج "التعديلات
الهيكلية" على أكثر من 70
دولة نامية وفقيرة في أمريكا
اللاتينية وأفريقيا، مستغلين
اعتماد الدول على البنوك
التجارية الغربية.
وكان
الصندوق معينًا للسياسة
الاقتصادية الخارجية للولايات
المتحدة، ولا تزال مصالح
الولايات المتحدة نقطة مركزية
في منهج الصندوق وشروطه؛ فلا
تزال برامجه باسم تحرير
التجارة والخصخصة وإعادة
التقنين تفتح المجال للشركات
الأمريكية لتدخل أسواق هذه
الدول دون عوائق حمائية.
الأعجوبة
الآسيوية
يؤكد
البروفيسور "والدين بيلو"
من جامعة الفيليبين هذا الرأي
في الحديث عن منطقة شرق آسيا
التي لها عند الشركات
الأمريكية اهتمامًا خاصًّا،
فعقدان أو 3 عقود من النمو صنعت
طبقة آسيوية متوسطة وصناعة
آسيوية كفت أسواقها، وبدأت
بغزو أسواق أمريكا، مقابل فشل
الشركات الأمريكية في السيطرة
على أسواق السلع الآسيوية.
وفي
بداية الثمانينيات كانت أزمة
الديون اللاتينية والتراجع
العالمي، فظهرت محاولة واشنطن
والصندوق للتدخل لفرض طلباته
بتعديلات هيكلية، ليس لتثبيت
استقرار هذه الدول ماليًّا،
ولكن لنقلها إلى خط السوق الحر.
إلا أنه في منتصف الثمانينيات
حصل التراجع في فرض هذه
التعديلات، وبعد اتفاقية "بلازا"
عام 1985م وانتقال الكثير من
الشركات اليابانية إلى دول
جنوب شرق آسيا بحثًا عن
العمالة الرخيصة وجدت هذه
الدول نفسها مستغنية عن دور
الصندوق في الوصول إلى أموال
المستثمرين؛ فحافظت على
سياساتها الحمائية على الرغم
من أنها حررت جزئيًّا أو
كليًّا قطاعاتها المالية.
ومنذ
أواخر الثمانينيات حتى منتصف
التسعينيات سخنت واشنطن من
حملتها لتحرير اقتصاديات شرق
آسيا، وبسبب عدم انتفاعها من
التعديلات الهيكلية المحدودة
التي نفَّذتها هذه الدول لجأت
إلى استخدام آليات أخرى وصلت
أحيانًا إلى حملات تجارية
أحادية لفرض تحرير السوق
الآسيوي، ومنع الآسيويين من
الاستفادة من التقنيات
الأمريكية دون ترخيص بذلك،
وكذلك بتأسيس منتدى التعاون
الاقتصادي لآسيا والمحيط
الهادي (أبيك)، وتقوية نفوذ
اتفاقية الجات قبل تأسيس منظمة
التجارة العالمية؛ لإلغاء
التعريفات الجمركية وتحرير
التجارة بالمنتجات الزراعية.
ومع
ذلك فقبل زلزال يوليو 1997م (أزمة
جنوب شرق آسيا) لم تأتِ حملة
التحرير الاقتصادي بالهدف
المرجو كاملاً باستثناء حالة
كوريا الجنوبية، وربما أزعج
الغربيين نمو الدول الآسيوية
في ظل سياسات تحميها، ومع كل ما
قيل عن تجربتها من سلبيات فقد
ظل الجانب التجاري والصناعي
محميًّا لدرجة كبيرة بهدف
حماية الإنتاج الوطني فيما حرر
القطاع المالي الذي كان نقطة
الضعف التي تسلَّلت منه رياح
الأزمة، وكانت فرصة ذهبية
لإكمال تنفيذ خطة تحرير
اقتصاديات آسيا التي تأخرت
بفارق 12 عامًا.
لذلك
كان تدخل صندوق النقد الدولي
في تايلاند وأندونيسيا وكوريا
الجنوبية، ليس لإنقاذ البنوك
فيها ولا التحكم بإنفاق الدولة
فحسب، ولكن لصدِّ حماية الدولة
للتجارة والصناعة والاستثمار
وتدخلها النشيط في الاقتصاد،
وهي من الأمور التي صنعت ما
تسمَّى بالأعجوبة الآسيوية،
فكان من شروط الصندوق رفع
القيود على الملكية الأجنبية
الكاملة أحيانًا للبنوك
والشركات في تايلاند وكوريا
الجنوبية، وإجبار أندونيسيا
على التخلي عن سياسة دعم
الصناعات الإستراتيجية
الوطنية التي أزعجت مصانع
ديترويت الأمريكية وطوكيو
اليابانية وبوينج للسيارات
والطائرات.
وبسبب
الطريقة التي يُدار بها صندوق
النقد والسرية التي تكتنف
الكثير من قراراته، ظهر
الاعتقاد الآسيوي بالتواطؤ
الخفي بين واشنطن وصندوق النقد
ومضاربي صناديق التحويط؛
ليتسبب الطرف الأخير بالذوبان
المالي حتى لا تكون آسيا بحق
منافسًا إستراتيجيًّا
للولايات المتحدة في القرن
الحادي والعشرين.
فروق
أساسية
حينما
نتحدث عن الدروس الأرجنتينية
للحالة الأندونيسية فليس من
الصعب ابتداء إثبات الفروق بين
حالتي الأرجنتين وأندونيسيا،
فأقلها في الحجم السكاني بين 37
مليونًا وأكثر من 200 مليون في
أندونيسيا. كما أن نظام الصرف
المالي الأجنبي يختلف تمامًا،
فبينما تمارس أندونيسيا
نظامًا صرفيًّا حرًّا ظلَّت
الأرجنتين في السنوات الماضية
مثبتة سعر صرف البيزو إلى
الدولار الأمريكي. كما مرت على
الاقتصاد الأرجنتيني فترات من
الأداء الجيد، وارتفع دخل
الفرد إلى أكثر من 7500 دولار،
وكان قطاع الخدمات سابقًا
لغيره، ولم تساهم الزراعة إلا
بـ5% من مجموع الناتج المحلي.
بينما ما زلنا نتحدث في
أندونيسيا عن متوسط للدخل أقل
من 1000 دولار، وما زالت الزراعة
تساهم بـ 18% من الناتج المحلي،
وهناك فروق كثيرة أخرى بين
البلدين.
نقاط
تشابه تحذيرية
ولكن..
ما يحدث في الأرجنتين يخوف
المراقبين في أندونيسيا -رغم
اختلافاتهم-، وخاصة فيما يتعلق
بارتباط البلدين بخطط التعافي
الاقتصادي "المقدمة" من
قبل صندوق النقد الدولي
وجزئيًّا من البنك الدولي،
وبرأيهما تسترشد أموال
المستثمرين. كما تشير
الإحصائيات إلى تشابه ينذر
بإمكانية تكرار ما حدث في
الأرجنتين كليًّا أو جزئيًّا
في أندونيسيا التي تعيش مناخ
الأزمات خلال 4 سنوات مضت،
ومنها:
-
القروض الأجنبية على البلدين
متساوية؛ حيث إن كلاهما عليه
تسديد 132 مليار دولار مع وجود
فروق في تقسيماته، ومع أن ديون
ما قبل الأزمة على أندونيسيا
كانت 53 مليار دولار فإن تدخل
الصندوق لم يساعد في تخفيضها
فصارت 72 مليارًا من الديون
الخارجية على الدولة و60
مليارًا من الديون المحلية،
بالإضافة إلى ديون القطاع
الخاص التي انخفضت بسبب توقف
الكثير من المشاريع من 82 مليار
دولار إلى 66 مليار دولار.
ومع
أن كبير وزراء الاقتصاد
الأندونيسيين أكَّد يوم 25-12-2001م
بأن حكومته لن تتبع قرار
الأرجنتين بوقف تسديد ديونها
الخارجية، فإنه ليس هناك ما
يضمن عدم حدوث ذلك، خاصة أن
البعض يقدِّر قروض الدولة
فعليًّا بـ 140 أو 154 مليار دولار.
-
تدفق الأموال والمستثمرين في
البلدين يشير إلى قلق مما يحدث
في كلا البلدين، على الرغم من
أن أرقام البنك الدولي تقول
بأن حجم الاستثمارات الأجنبية
في عامي 1999 و2000م في الأرجنتين
كانت أكثر من الإنفاق، وهو ما
لم يحدث في أندونيسيا، ويعني
أن الخطر فيها أكبر.
-
الجانب الاجتماعي يمثل نقطة
تشابه أخرى مهملة من قبل صندوق
النقد في قراراته وشروطه بشكل
واضح، منها البطالة الموجودة
في الأرجنتين والتي أصابت
الملايين في أندونيسيا كذلك،
حتى اعترف وزير العمالة
الأندونيسي مؤخرًا وخلال أزمة
الأرجنتين أن دولته أصبحت
عاجزة عن توليد فرص كافية
جديدة لتشغيل القوى.
-
أهم عامل يرتبط بحياة الناس من
سياسات الدولة المالية هو
الميزانية، والتي تشابه ما
كانت وما زالت الأرجنتين تعاني
منه، ومن ذلك:
1-
السياسيات المتعلقة بدعم
الخدمات العامة كالكهرباء
والبنزين، وحسبما يطلب
الصندوق الدولي فإنه لا بد من
خفض الدعم لمعالجة العجز، وهو
ما يجعل الأندونيسيين مثلاً
يواجهون غلاء في قيمتهما منذ
شهر يناير الجاري، وهو ما يثير
غضب الشارع.
2
- العجز في ميزانيتي الدولتين
لم يظهر بسبب الإنفاق المفرط،
ولكن بسبب لزوم التسديد في
فترات قصيرة مع نسبة فوائد
عالية للدائنين المحليين
والأجانب، ثم إن كلا البلدين
لم يَعُد في مقدورهما استخدام
الميزانية كأداة لتوسيع
الاقتصاد؛ بسبب نسبة النمو
السالبة (-13%) في الأرجنتين منذ
عام 1999م، وفي أندونيسيا منذ
عام 1998م، وهي خسارة لا يمكن
تعويضها بإجراءات مالية فقط،
وفي كلتا الحالتين يعود العجز
إلى إلزام الحكومتين بدفع نسبة
فوائد عالية على القروض
المسجلة عليهما، فتلجآ إلى رفع
الضرائب على كاهل الشعب
والتجار لتخفيف ذلك.
3
- العجز لم يَعُد بالإمكان
تعويضه بزيادة التمويل؛ لأن
كلتا الحكومتين تواجهان
محدودية في الأموال
المتداولة، مع غياب البنك
كمؤسسة وسيطة، والرغبة في رفع
حجم الأموال المتداولة
أساسيًّا يتطلب اتفاقية مسبقة
مع صندوق النقد الدولي وهو من
المستحيلات في قاموسه.
دليل
آخر على الفشل
يعلق
"بامبانغ سوديبويو" وزير
المالية الأندونيسي السابق
على ذلك قائلاً: "ما حدث في
الأرجنتين يوجًّه رسالة
تحذيرية إلينا في أندونيسيا
حول كيفية التعامل مع الصندوق،
وقد دفعت الأزمة المالية
الرئيس الأندونيسي السابق "سوهارتو"
إلى دعوته للتدخل في أواخر عام
1997م؛ حيث واجهت الحكومة أزمة
سيولة كبيرة بسبب استخدامها
لاحتياطها في حماية الروبية
التي عانت من هجمات المضاربين".
وأكَّد أن حالة الأرجنتين مثال
آخر على فشل مشاريع الصندوق
وخططه؛ لإنقاذ الاقتصاديات
المريضة وأن المنهج المالي
وحده لا يكفي، فمن الضروري أن
يدع الصندوق الحكومة تتبع
سياسات ذاتية تمزج بين المالية
وإجراءات الإصلاح الهيكلي.
53
شرطًا لقرض الصندوق
وعبَّر
الاقتصادي الأندونيسي "عمر
جورو" عن قلقه من تمديد فترة
عقد الصندوق التي تنتهي في عام
2002م، وطالبت حكومة ميجاواتي
بتمديدها لعام آخر، مشيرًا إلى
أن ذلك يثبت التحكم في
الاقتصاد الوطني وموارده
لصالح تسديد قرضه وليس لصالح
الاقتصاد، وينتهك سيادة
الدولة وحريتها في وضع سياسات
إصلاح وتعاف ذاتية، ففي يوم
31-12-2001م على سبيل المثال وقَّعت
أندونيسيا على مذكرة نوايا
رابعة مع صندوق النقد لضخ دفعة
أخرى من قرضه لها بقيمة 360
مليون دولار، وتعهدت
بالالتزام بالمتطلبات والشروط
والتي بلغت 53 شرطًا فيما كانت
المذكرة الماضية تضم 35 شرطًا!.
ويرى
عمر أن هذه الشروط صعب
تحقيقها، بالإضافة إلى كونها
لا تتناسب مع القيادة السياسية
ووضعها، بل إنها جعلت من
الصندوق طرفًا ذا أثر سياسي؛
ووضح ذلك حين أخّر الصندوق ضخ
دفعة مالية في الربع الثاني من
عام 2001م ترقبًا لسقوط الرئيس
"عبد الرحمن وحيد" ولم
يصرف المبلغ إلا بعد سقوطه.
ومع
أن دولاً آسيوية أخرى ككوريا
الجنوبية وتايلاند قد تخلت عن
الصندوق بعد الاستعانة به إثر
الأزمة الآسيوية لعام 1997م، فإن
أندونيسيا لا تزال ترى نفوذ
برامجه؛ بسبب عدم الاستقرار
السياسي، والأزمة الأمنية،
والاجتماعية، وعدم وجود رغبة
دولية واضحة في التدخل
إيجابيًّا لصالح أندونيسيا.
ومع
مرور أكثر من 4 سنوات على تدخل
الصندوق، فإن الاقتصاد
الأندونيسي لم يتحسن بشكل كبير
مع كل التوقعات الإيجابية حول
نسب النمو خلال عام 2002م،
واحتمال تمديد حضور الصندوق
لعام آخر ليراقب السياسة
المالية، سيفرض بهدف ضمان
إعادة جدولة تسديد الديون
للدول الدائنة المجتمعة، غير
أن "جوزيف ستجليز" الحائز
على جائزة نوبل من جامعة
كولومبيا يقول بأن تمديد فترة
تنفيذ برنامج الصندوق لأكثر من
سنتين "دليل على فشله".
الأزمة
الأرجنتينية دفعت مسؤولاً
أندونيسيا إلى الدعوة لضرورة
البحث عن مصادر أخرى لحل مشكلة
قروضها بعيدًا عن الصندوق، كما
تدعو "بيني بخاري"
المنسقة غير الحكومية للتنمية
الأندونيسية إلى تدخل حكم وسيط
بين أندونيسيا والدول الدائنة
في نادي باريس الذي لا ينظر
الدائنون فيه إلى آثار القروض
ومتطلبات تسديدها على الفقراء
وعامة الشعب وهو ما تم تنفيذه
في الستينيات، وتقول: "كحكومة
يجب أن تفكر القيادة في إرضاء
الشعب قبل التفكير في إرضاء
الدائنين".
اقرأ
أيضًا:
|