بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مولود جديد و12 جنازة

2002/01/02

نبيل شبيب- بون

مع الشروع في تداول عملة "اليورو" الأوروبية الموحدة يوم 1-1-2002م، بدأ العد العكسي الأخير لوجود 12 عملة أوروبية شملتها الوحدة النقدية، والمقرر سحبها من أسواق تداولها نهائيا خلال أسابيع معدودة.

في الوقت نفسه تتوفر أرضية جديدة لانضمام دول أوروبية أخرى لهذه المسيرة كبريطانيا، وكذلك لتعامل أوروبا من منطلق جديد مع الدولار الأمريكي تعاملا سيترك آثاره على الصعيد العالمي عموما.

حكاية هذا المولود الجديد.. وأثره على الأسرة العالمية تتلخص في النقاط التالية:

شبكة النقد العالمية.. والفأر الأمريكي

لمتابعة مسيرة النقد الأوروبية ولا سيما من حيث علاقة العملات الأوروبية بالدولار الأمريكي حاليا ومستقبلا، لا بد من العودة بالذاكرة زهاء خمسين عاما في مجرى التاريخ، فما استقر بمرور الزمن في شبكة العلاقات المالية الدولية إنما هو حصيلة ما سبق أن تقرر بصورة مدروسة لتوجيه مسار تلك العلاقات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ أي عندما كانت أوروبا تحت الأنقاض، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة التي سلمت نسبيا من آثار الحرب؛ فأصبحت القوة الرئيسية عالميا.

آنذاك بدأ تشكيل نظام عالمي، سياسي وأمني واقتصادي، كان من معالمه الرئيسية احتكار العنصرين الأكثر أهمية في صياغة القرارات وصناعة الأحداث والتطورات الدولية:

1- أولهما: ما كان على الصعيد الأمني والسياسي، واتخذ صيغة هياكل عديدة، منها ما كان في مؤتمر "سان فرانسيسكو" عبر تأسيس الأمم المتحدة مع ربط قرار الحرب والسلام بمجلس الأمن الدولي ونظام "النقض" (الفيتو) فيه، دون وجود مرجعية عليا تحكم في مدى انسجام قراراته القائمة على موازين القوى مع الشرعية الدولية؛ أي المبادئ الأساسية التي استقرت تاريخيا، واكتسبت صياغة معتمدة عموما في المواثيق الدولية الرئيسية.

2- أما العنصر الثاني، فاستند في مؤتمر "بريتون وود" الموازي لمؤتمر سان فرانسيسكو إلى ربط قرار المال ودوره العالمي الفاعل في الساحة الدولية بمنظمتين جديدتين؛ "صندوق النقد الدولي" و"المصرف المالي العالمي" (البنك الدولي)، وقد اقترن بوضع نظام قائم على شكل آخر (غير النقض) من أشكال احتكار صناعة القرار، فاعتمد على التصويت الذي يربط عدد الأصوات بالاشتراك المالي للدولة العضوة كما هو الحال في الشركات المساهمة، وليس بمبدأ المساواة بين دول العالم أمام القانون الدولي، كما هو الحال في بعض المنظمات الدولية الأخرى مثل "اليونيسكو" رغم تفاوت الاشتراكات المالية وفق تفاوت الطاقة المالية للدول الأعضاء.

الأهم من ذلك فيما أسفر عنه مؤتمر "بريتون وود" هو "منهج العمل في النظام المالي الدولي" الجديد آنذاك؛ إذ رفض اقتراح بريطاني لاعتماد قاعدة "تلبية الاحتياجات الذاتية دون شروط" في نظام تقديم القروض إلى الدول الأضعف ماليا أو التي تواجه أزمات طارئة، وكان منطلق الاقتراح هو أن تقديم القروض إجراء وقائي ذاتي، ويحقق مصلحة ذاتية للطرف الأقوى ماليا (وهي قوة ترتبط إلى حد بعيد بحجم استفادته من تشابك العلاقات الدولية)، وتكمن تلك المصلحة في منع تأثره بأزمة مالية ما من خارج الحدود؛ وهو ما اعتُبر آنذاك الدرس الواجب استخلاصه من أزمة عام 1929م العالمية، بعد أن أوجدت المناخ الذي نشبت فيه الحرب العالمية الثانية لاحقًا.

كانت بريطانيا صاحبة هذا الاقتراح؛ فكان رفضه منسجمًا مع حقيقة ضعف أوضاعها الاقتصادية والمالية المنهارة في الحرب، وبدلا من ذلك تم تثبيت الاقتراح الأمريكي في لوائح المنظمتين الدوليتين، وقد قام على أساس تقديم القروض المرتبطة بشروط تقيّد سيادة القرار الوطني في الدول الأضعف ماليا، وذلك عبر إلزامها بإجراءات تستهدف تحسين قدرتها "الرأسمالية" على السداد، دون مراعاة كافية للظروف المعيشية وتنمية الطاقات الذاتية وغيرها.. وهذا ما سارت –وما تزال تسير- عليه المنظمتان الجديدتان، ولم تبدأ إلا مؤخرا الانتقادات الشديدة لهذا النظام، بعد أن تسبّب في أزمة الديون العالمية واضطرابات اجتماعية وطنية وغير ذلك.

آثار هذه المعطيات شملت العلاقات الأمريكية مع أوروبا وليس مع البلدان النامية فقط، إلى جانب معطيات أخرى، مثل تحرير القطاع المالي الخاص مقترنا بظهور الشركات العملاقة، ونمو شبكة المضاربات مقترنا بتمركزها في الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن الظروف العسكرية- الأمنية المعروفة في حقبة الحرب الباردة.. جميع ذلك:

1- لم يساهم فقط في إعطاء القوة الاقتصادية الأمريكية المتفوقة على سواها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ميزات إضافية أعطت بدورها الدولار مكانته المهيمنة إلى جانب الذهب فحسب..

2- بل أوجد أيضا قوالب أو قنوات ثابتة لمجرى العلاقات المالية الدولية ونوعيتها بشكل يرسخ بقاء مكانة الهيمنة تلك في مختلف الظروف المحتملة وفق التقديرات البشرية.

من هنا باتت قوة العملة الأمريكية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على "دعمها" من خارج الحدود الأمريكية، بعد أن أصبح الدولار -كنتيجة مباشرة من ترسيخ نظام دولي منبثق عن نتائج الحرب العالمية الثانية- يشكل العملة المتداولة في النسبة العظمى من الأسهم والأوراق المالية، وفي حركة التبادل التجاري الدولية، فضلا عن مفعول الحرص على جعله الاحتياطي الرئيسي إلى جانب الذهب في المصارف المركزية الوطنية، وهو أمر تقرّر ابتداء أن يسري على المنظمتين الماليتين العالميتين لتغطية ما تقدمانه من قروض.

البداية في فيتنام وقصور العرب

طوال عدة عقود كان الدولار يسجل صعودا مطردا على حساب العملات الأخرى لا سيما الأوروبية، وذلك اعتمادا على نواة الخلل الأولى في شبكة متنامية من القروض والاستثمارات والمضاربات وحركة التبادل التجاري العالمي، وكان من آثار ذلك أن حصيلة "حركة الأموال العالمية" كانت تصب باستمرار في صالح الولايات المتحدة الأمريكية واقتصادها.

وهنا يمكن رؤية الفارق غير المنظور، أو الفارق الذي لا يُذكر عادة بين:

- "هيمنة" الدولار عالميا.

- و"قوته الذاتية" التي ترشحه لموقع قيادي على الساحة النقدية عالميا.

ولتوضيح ذلك مع تجنب التفصيل يمكن التنويه مثلا إلى التناقض الملاحظ عند المقارنة بين نسبتين متقابلتين في إطار التطورات النقدية العالمية:

1- أولاهما: نسبة نمو اعتماد الدولار كاحتياطي نقدي في دول أخرى اعتمادا أكبر بكثير من الاعتماد على المارك، وكان من أهم العملات الأوروبية -أو أهمها- عالميا.

2- والنسبة الثانية هي ارتفاع قيمة المارك تجاه الدولار من 24 إلى 45 سنتا؛ أي زهاء مائة في المائة خلال الأعوام الخمسين الماضية، اعتمادا على تعاظم الطاقة الاقتصادية الألمانية؛ أي أن تنامي قوة المارك الذاتية المرافق لنمو الاقتصاد الألماني إلى المرتبة الثالثة عالميا، لا يماثله نمو وجوده في "مفاصل" التأثير على شبكة العلاقات النقدية والمالية كنقد احتياطي في المصارف المركزية، كما هو الحال بالنسبة للدولار رغم هبوط قيمته تجاه المارك باطّراد.

نتيجة للخلل الأول في النظام النقدي العالمي أيضا بقيت الأبواب موصدة في وجه عرقلة هذه المسيرة لصالح الدولار وعلى حساب مختلف العملات الأخرى بتأثير عوامل مالية واقتصادية محضة؛ فكان لا بدّ من وقوع تطورات غير عادية لتترك أثرها على المدى البعيد بصورة تخفف حجم الخلل على الأقل في شبكة العلاقات المالية ونظام النقد الدولي.

وهنا لا مبالغة في القول بأن النواة الأولى في المسيرة الطويلة لوحدة النقد الأوروبي المرشح أكثر من سواه للتأثير على الدولار في المستقبل، إنما كانت في غابات فيتنام على أيدي مقاتلي "الفييت كونج" ضد القوات الأمريكية، ثم في فترة لاحقة في أروقة قصور من كان الأوربيون يصفونهم بشيوخ النفط في المنطقة العربية.

لا نقول "الصمود"؛ بل "طول" فترة الصمود الفيتنامي في وجه آلة الحرب الأمريكية، هو ما لعب دورا حاسما في تحويل المفعول التقليدي لتصعيد الحرب الأمريكية ونفقاتها:

- من مصدر تشغيل لصناعة السلاح وغيرها تحول دون فترة ركود أو تنتشل الاقتصاد الأمريكي من فترة ركود..

- إلى مصدر إرهاق لبنية الاقتصاد الأمريكي وطاقته المالية.

ثم ضاعف "عنصر المفاجأة" في ثورة أسعار النفط الخام لاحقا حجم الضغوط على الدولار الأمريكي في الأسواق الدولية، فاضطر الرئيس الأمريكي الأسبق "ريتشارد نيكسون" إلى سحب الدولار من موقع عالمي رئيسي لدور الهيمنة الذي كان يؤديه، فألغى اعتماد تغطية قروض المصرف المالي العالمي وصندوق النقد الدولي.

وكان هذا القرار مفاجئا على المستوى الدولي، فلم يسبقه الإعداد لإيجاد بديل من العملات الدولية الأخرى، ولم يكن في إمكان الدول الأوروبية المعنية ملء الثغرة في الاحتياطي النقدي للمنظمتين الدوليتين رغم النهضة الاقتصادية التي تحققت في أوروبا في هذه الأثناء. ودفعت هذه الأعباء المفاجئة أهم دولتين أوروبيتين ماليا آنذاك (فرنسا وألمانيا) إلى الإقدام على أكثر من مبادرة لإعادة الاستقرار إلى شبكة المعاملات النقدية العالمية؛ فكان من تلك المبادرات:

- على المستوى العالمي الأخذ بنظام "حقوق السحب الخاصة" في تغطية قروض المنظمتين الدوليتين؛ وهو ما يعني عدم الاضطرار إلى توفير المبلغ المطلوب كاحتياط لديهما، والاكتفاء بضمانه لتمكينهما من تقديم القروض عند الحاجة إليها..

- ثم ما بدأ بلقاء سنوي للتشاور غير الملزم بين الدول الصناعية الرئيسية، وأصبح مع مرور الزمن قمة دورية للدول الصناعية السبع الرئيسية، مع انضمام الاتحاد الروسي لاحقا..

- وعلى المستوى الأوربي كانت المبادرة الرئيسية هي إحياء مشاريع توحيد النقد.

من الإيكو إلى اليورو

في ظل الظروف العالمية التي شهدها النظام النقدي والمصرفي، اكتسبت مسيرة وحدة النقد الأوربية قوة دفع جديدة، وكانت الاضطرابات النقدية الأوروبية الأولى قد دفعت المستشار الألماني الأسبق "فيلي براندت" منذ أواخر الستينيات الميلادية إلى طرح فكرة الوحدة النقدية الأوروبية، ولكن "مشروع فينر" الذي انبثق عن تلك المبادرة فقد مفعوله نتيجة أحداث السبعينيات الميلادية، ثم جددت نتائج ثورة أسعار النفط الاهتمام به فكانت الخطوة الحاسمة التالية نحو عملة موحدة هي تأسيس ما عُرف بشبكة النقد الأوروبية في 13/3/1979م، في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق "جيسكار ديستان" والمستشار الألماني الأسبق "هلموت شميدت"، وتقرر في إطارها اعتماد "الإيكو" كعملة حسابية على المستوى الأوروبي، كما تقرر منع تدخل المصارف المركزية الوطنية في الدول الست الأعضاء في تلك الشبكة، إذا ما تأرجح سعر صرف العملات المعنية فيما بينها خارج نطاق معين بنسبة اثنين ونصف في المائة هبوطًا أو صعودًا.

وقد حققت هذه الخطوة استقرارًا لا بأس به للعملات الأوروبية في الفترة التالية، ولكن شبكة النقد الأوروبية تعرضت للضغوط أكثر من مرة، وكان بعضها نتيجة ضعف طارئ على الأوضاع المالية لبعض دولها، وبعضها الآخر نتيجة المضاربات المالية التي قام بها أمريكيون في الدرجة الأولى، وبلغ ذلك ذروته في الثمانينيات الميلادية، وهو ما دفع وزير الخارجية الألماني الأسبق "هانس دييتريش جنشر" عام 1987م إلى طرح فكرة الوحدة النقدية الأوروبية مجددا، ورافق ذلك الاتفاق الأوروبي على إنشاء "السوق الداخلية المشتركة" مع ما ينبني على ذلك من فتح الحدود واندماج سوق اليد العاملة والسوق الاستهلاكية؛ فتوفرت بذلك الظروف الضرورية والحاسمة لاتخاذ خطوة فعالة على الصعيد النقدي أيضا، وهو ما أسفر عن وضع مشروع أوروبي باسم "خطة ديلور" في عام 1989م.

ثم ساهم سقوط المعسكر الشرقي من بعد في إعطاء مسيرة الاتحاد الأوروبي عموما والوحدة النقدية على وجه التخصيص دفعة قوية أخرى، أوصلت إلى معاهدة "ماستريخت" في نهاية عام 1991م، والتي جرى توقيعها رسميا يوم 7-2-1992م، فقضت بتنفيذ "خطة ديلور" على ثلاث مراحل.

أما اليورو -أو الأيرو على حسب اختلاف طريقة لفظ الكلمة المؤلفة من الحروف الأربعة الأولى لكلمة أوروبا باللاتينية- فلم يتقرر أن يكون اسما للعملة الجديدة المخطط لها، إلاّ في نهاية عام 1995م في القمة الأوروبية في مدريد.

وكان العنصر الأهم في المخطط الأوروبي من أجل ضمان قوة العملة الجديدة واستمراريتها -إلى جانب استقلالية المصرف المركزي الأوروبي عن الحكومات الوطنية والأجهزة الأوروبية الأخرى- هو تثبيت عدد من المعايير الأساسية للأوضاع الاقتصادية والمالية، التي يجب أن تتوفر لكل دولة تريد اكتساب العضوية في الاتحاد النقدي، علاوة على ضمان استمرار تلك المعايير بعد العضوية أيضا، وترتبط بحجم المديونية على الدولة، ونسبة التضخم، والنمو الاقتصادي، والسيولة النقدية.

تأبين عملات راحلة

مع اليوم الأول من عام 1999م بدأت مرحلة "المخاض" الأخيرة في مسيرة العملة الأوروبية الموحدة، فاكتمل تشكيل المصرف المركزي الأوروبي وباشر أعماله مستقلا عن الحكومات وعن المصارف المركزية الوطنية، وتقررت العضوية لإحدى عشرة دولة أوروبية وفرت الشروط المطلوبة وأرادت الانضمام، ولحقت بها اليونان بعد عام واحد، وفي تلك المرحلة اعتمد اليورو في المعاملات المصرفية والأسواق المالية والتجارية كعملة "حسابية" مع تثبيت قيمة العملة الوطنية لكل دولة عضوة تجاهه بصورة نهائية، وآنذاك بدأ العدّ العكسي لميلاد اليورو وتأبين اثنتي عشرة عملة وطنية يوم 1-1-2002م.

وكثير من المحللين الأوروبيين يصف هذا اليوم بشيء من الفخر بأنه يوم تاريخي مشهود بمعنى الكلمة، وأهم ما يبرزونه بهذا الصدد هو عدم وقوع أي مشكلة تستحق الذكر في المرحلة التنفيذية الأخيرة، التي تضمّنت طباعة العملة، وتوزيعها على مراكز الصرف الأخيرة، وتثبيت القواعد المطلوبة للتعامل بين مختلف الأجهزة ذات العلاقة، وغير ذلك من الخطوات الأساسية، فلم تظهر عقبة تستحق الذكر، ولا وقع أمر مفاجئ يعرقل مسيرة اليورو أو يرغم على تأجيل ولو جزئي لتنفيذ ما تقرر لليوم الأول من العام الجديد؛ أي إنزال العملة الجديدة إلى أسواق التداول الاستهلاكية في سائر الدول الأعضاء الاثنتي عشرة، ثم سحب البقية الباقية من العملات الوطنية، وقد تعهدت المصارف المالية طواعية بقبول التعامل بالعملة الوطنية إلى جانب اليورو لمدة شهرين؛ أي حتى يسري بصفة نهائية مفعول القوانين الجديدة التي تثبت اليورو كعملة رسمية وحيدة.

لم يكن الجانب التنفيذي لهذه العملية سهلا في نطاق الفترة الزمنية المقررة؛ ففي ألمانيا -البلد الأوروبي الأكبر ماليا- كان على المصرف المركزي الألماني طباعة ما يعادل أربعة مليارات وثلاثمائة مليون أويرو من العملة الورقية، وسكّ ما يعادل سبعة عشر مليارا من النقود المعدنية الجديدة، جنبا إلى جنب مع سحب ما يعادل مليارين وستمائة مليون مارك من العملة الورقية وأكثر من ثمانية وعشرين من النقود المعدنية، وهذا داخل الحدود الألمانية نفسها؛ فيبقى علاوة على ذلك تبديل المارك الألماني المنتشر خارج الحدود الألمانية بنسبة يقدرها الخبراء بالنسبة إلى بلدان شرق أوروبا والبلقان فقط بحوالي ثلث السيولة النقدية من المارك عموما، علاوة على ما يجري تداوله عالميا؛ فيصل مجموع ما ينبغي إنزاله وتبديله خلال فترة وجيزة نسبيا إلى أكثر من ثمانين مليارا.

ولئن كان إقناع العامة من السكان في معظم البلدان الأوروبيين بأن التخلي عمّا اعتادوا عليه من عملات وطنية سيحصلون على ثمنه عبر تداول نقد أكثر استقرارا وأوسع قاعدة وأدعى إلى التفاؤل بمستقبله عالميا؛ فهذا ما لا يريد أكثر من خمسين في المائة من الألمان على الأقل الاقتناع به، وإن كان معظم الخبراء يؤكّدون أن العامل الرئيسي وراء التعلق بالمارك لا يعود إلى "منطق اقتصادي"، وإنما إلى عوامل نفسانية وعاطفية في الدرجة الأولى، وهو ما يسري على العملات الأخرى التي يجري تأبينها مع المارك، مثل الإسكودو والجولدن والشلن والفرنك؛ فلكل من هذه العملات قصة تاريخية، ذات تأثير عاطفي على كثير من السكان، لعل أبرزها للعيان قصة الإسكودو البرتغالي، الذي يمثل شعارا يعود إلى العصور الوسطى والحروب الأسبانية- البرتغالية ضد المسلمين في الأندلس، بينما تكاد تكون الليرة الإيطالية العملة الوحيدة التي ترحل دون أن تخلّف حزنا كبيرا عليها، ليس بسبب عدم اعتمادها على تاريخ طويل أو رمز تاريخي مؤثر فحسب، بل ولشدة ضعفها أيضا في إطار الاتحاد الأوروبي وعالميا.

وتؤكّد استطلاعات الرأي أن أكثر من نصف الألمان ظل يميل إلى رفض العملة الجديدة حتى اللحظة الأخيرة، ولا يتقبلها إلا كارهًا، ويلعب في ذلك دورا رئيسيا أن كثيرا من سكان ألمانيا الأكبر سنًّا يذكر الظروف الصعبة التي كانت تسود في ألمانيا في الساعات الأولى لولادة المارك الألماني، وقد هيّأت دول الحلفاء له سرًا وبدأ تداوله فجأة في عام 1948م، ثم ارتبط اسم المارك بالنهضة الاقتصادية الألمانية التالية، هذا علاوة على أن المارك كان من قبل رمزا للوحدة الألمانية في الفترة ما بين 1871 و1876م، بعد حقبة سابقة انتشر خلالها في الإمارات والدوقيات الألمانية العديدة أكثر من ثلاثمائة نوع من العملة.

المارك الألماني، والليرة الإيطالية، والفرنك الفرنسي، والفرنك البلجيكي، والفرنك اللوكسمبورجي، والجولدن الهولندي، والبيزيتا الأسبانية، والإسكوردو البرتغالي، والشلن النمساوي، والدراخما اليونانية، والجنيه الإيرلندي، والماركا الفنلندية.. جميع هذه العملات ستتخذ مكانها كالمارك الألماني إلى جانب "مارك الرايخ" الألماني القديم، في المتحف المالي القائم لهذا الغرض في مدينة فرانكفورت بألمانيا.

صراع مع الدولار

رغم أن اليورو خسر منذ ظهوره كعملة حسابية إلى أن أصبح عملة للتداول الاستهلاكي، حوالي أربعين في المائة من قيمته تجاه الدولار بالمقارنة مع القيمة التي جرى تثبيتها له عند ولادته، فإن المصرف المركزي الأوروبي والعديد من الخبراء الماليين يؤكّدون أن هذا لا يستدعي القلق، ويعللون ذلك بأن السعر الأول لليورو كان مرتفعا وكان من المنتظر أن يهبط خلال الشهور التالية إلى ما يعادل دولارا واحدا، وأن هبوطه بعد ذلك إلى ما يتأرجح حول تسعين سنتا، يعود إلى قوة الاقتصاد الأمريكي وليس إلى ضعف الاقتصاد الأوروبي، وهو ما يمكن أن يتبدل في فترة ركود اقتصادي أمريكي وازدهار اقتصادي أوروبي.

وحتى بعد أن أصاب الركود الاقتصاد الغربي إجمالا مع نهاية عام 2001م، بقي التفاؤل مسيطرا على الخبراء الأوربيين، وهم يؤكّدون أن قوة العملة الأوروبية لا تقاس بقيمتها الآنية المتقلبة تجاه العملات الأخرى خارج حدود الاتحاد النقدي، لا سيما أن نسبة التعامل التجاري والمالي الداخلي بين دول الاتحاد النقدي تعادل سبعين في المائة تقريبا من تعاملها الخارجي عموما، ويرى الخبراء أن المعايير الأساسية لتأكيد قوة العملة الجديدة هي تدني نسبة التضخم، واستقرار السيولة النقدية، ومؤشرات الازدهار الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.

والواقع أن مقارنة الأرقام الأساسية لاقتصاد الدول الأوروبية بالاقتصاد الأمريكي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، لا توصل إلى نتيجة تقول بوجود تناسب طردي ما بين هبوط سعر اليورو في الأسواق المالية العالمية من جهة، وتدني مستوى الوضع الاقتصادي الأوروبي من جهة أخرى.

وباستثناء الين الياباني لأوضاعه الخاصة يبقى من المؤكّد أن الصراع الحقيقي –ولا نقول: التنافس- للسيطرة على أسواق المال العالمية، سيكون بين الدولار واليورو في المستقبل المنظور، ولن يكون تحديد النتائج على المدى القريب والمتوسط مما يمكن "اصطناعه" بقرار رسمي من جانب الاتحاد النقدي الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تعددت العوامل التي تلعب أدوارا حاسمة في توجيه مجرى التطورات في الأسواق النقدية والمالية، ويمكن بالنسبة إلى العلاقة بين اليورو والدولار الإشارة إلى أهمها على سبيل التعداد دون تفصيل:

1- القوة الاقتصادية الداخلية للكتلة الأوروبية وللدولة الأمريكية، ويؤخذ من المقارنات الدورية أن الفوارق التي كانت لصالح الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تتضاءل باطّراد، خاصة إذا تمكن الاتحاد الأوروبي من تعزيز انتعاش اقتصاده وتوثيق ارتباط دوله ببعضها بعد رفع العديد من الحواجز في وجه وحدتها الاندماجية، ومن الأرجح أن تأثير تحسن الوضع الاقتصادي أوروبيا سينعكس على العلاقة بين اليورو والدولار ولصالح الأوروبيين بصورة أظهر للعيان بعد الوحدة النقدية مما كان عليه الحال بين الدولار وكل عملة أوروبية على حدة من قبل.

2- الكتلة النقدية الأوروبية قابلة للنمو السريع نسبيا، ولا يقال ذلك عن "كتلة الدولار الأمريكي"، فعلاوة على أن اليورو أصبح العملة الرسمية المتداولة في 12 دولة عضوة في الاتحاد النقدي الآن، سرى مفعوله كعملة رسمية أيضا في 6 دول أوروبية أخرى أصغر وهي آندورا، وسان مارينو، وموناكو، والفاتيكان، وكذلك الجبل الأسود وكوسوفا في البلقان، وسيسري مفعوله في عدد من الدول التي تستعد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولا سيما بولندا والمجر وتشيكيا في الدفعة الأولى، وبات في حكم المؤكّد إلى حد كبير أن بريطانيا لن تتأخر عن الانضمام أكثر من ثلاثة أعوام، وقد يتكرر الاستفتاء في الدانمارك ويكون لصالح الانضمام بعد ظهور ميزاته على أرض الواقع.

3- كثير من الخبراء والمراقبين ينطلقون من وجود طاقة كامنة في عالم المضاربات والأسهم المالية، كانت في السنوات الثلاث الماضية مترددة عن الإقبال على التعامل باليورو لعدم استقراره رسميا بعد، أو بالعملات الوطنية باعتبارها إلى زوال، أي أن جهات كثيرة كانت تنتظر ظهور اليورو كعملة متداولة وليس كعملة حسابية فقط، وبالتالي فمن المتوقع أن تشهد الأسواق المالية الأوروبية موجة كبيرة من الإقبال على شراء اليورو بما يدعمه تجاه الدولار والعملات الأخرى دعما إضافيا.

4- الإجراءات الأمريكية المتلاحقة والمتزايدة في الأسواق المالية، مصادرة للحسابات، وتجميدا للودائع، وملاحقة لبعض أصحابها على الشبهة، وغير ذلك مما جرى مؤخرا تحت عنوان "مكافحة الإرهاب" وجرى سابقا بصورة أضيق تحت عناوين أخرى.. هذه الإجراءات أصبحت مصدر قلق متزايد، امتدّ إلى الدول العربية ولا شك، بما في ذلك النفطية منها، وبدأ المستثمرون العرب والمسلمون يقدّرون ما يعنيه عموما، فلم يعد من المستبعد أن تبدأ موجة من الانتقال التدريجي للتعامل مع اليورو بدلا من الدولار أو إلى جانبه على الأقل، وهو ما سيدفع -مع تزايد الاطمئنان إلى مستقبل موقع اليورو عالميا- إلى ازدياد الاعتماد عليه في تشكيل الاحتياطي النقدي في المصارف المركزية.

ومن المؤكد أن كل خطوة في هذا الاتجاه ستزيد دعم اليورو، وسبق أن تحركت بعض الدول العربية في هذا الاتجاه بالفعل في النصف الثاني من عام 2000م، كما خطا العراق خطوة شاملة في الاستعاضة باليورو عن الدولار في تسديد ثمن النفط في أيلول (سبتمبر) من عام 2000م أيضا.

5- كذلك فإن شبكة التعامل المصرفي يمكن أن تشهد موجة نزوح عن الولايات المتحدة الأمريكية وتركيز أكبر على الدول الأوروبية، التي يوجد فيها حاليا أكثر من 120 مصرفا عربيا، وهذا في فترة تشهد ارتفاع مستويات التبادل التجاري وحركة الاستثمارات في المنطقتين المتجاورتين، وربما لعبت العوامل السياسية دورا في تطوير هذا التحرك أيضا.

6- لا شك أن التأثير على موقع اليورو عالميا، بما في ذلك ما يرتبط بصراعه المؤكّد مع الدولار في السنوات القادمة، لن يكون كبيرا من جانب كل دولة بمفردها، وإنما من خلال "التكتلات الاقتصادية"، وبالتالي فإن تحقيق الوحدة الجمركية وربما النقدية في مجلس التعاون الخليجي، أو التقدم بخطوات حقيقية ملموسة على صعيد تشكيل سوق عربية مشتركة (وهي لا تتشكل على أرض الواقع دون تقارب اقتصادي أكبر).. كل خطوة في اتجاه التكتل الإقليمي أو الشامل، يمكن أن تعطي الدول المعنية معا موقعَ تأثير أكبر وأشد فعالية مما هو عليه الحال الآن، على لعبة حركة الأموال ورؤوس الأموال العالمية ولعبة التنافس والصراع بين العملات الرئيسية في أنحاء المعمورة.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع